رماد: الوداع

عبدالله بن محمد المعمري –
shinas1@hotmail.com –

غادرت السفينة المرسى، والقلوب على الشاطئ تلَوح بالوداع، البعض منهم تناثرت دموعه على وجهه كزخات مطر سال على إثره جدول ماء بين تقاسيم ذلك الوجه الممتلئ بالحزن، أدركت حينها معنى الوداع الحقيقي، فالدعاء الصاعد إلى السماء أكثر التفاسير صدقا لهذا المعنى، الذي لن تختزله أي صورة تعبيرية للموقف. 

من على الشاطئ عادوا أدراجهم، منهم إلى بيته، ومنهم إلى عمله، ومنهم من اختلى بنفسه ليسرد من ذاكرته ذكريات جميلة مع من ودعهم، وتسمع روحه أصوات ضحكاتهم، وملامح الوجوه المبتسمة، وتقاسيم الفرح والحضور في زوايا متعددة من محطات حياته عبر سنوات عمره الذي مضى، فالذاكرة هي المستودع الذي يحتفظ بكل تلك الصور الزمانية والمكانية لمن اتصفوا بالوداع، ولبسوا عباءته رغبة منهم كانت أم مجبرين.
وعلى الطرف الآخر من الشاطئ، عند موج البحر المتلاطم، على ظهر تلك السفينة المغادرة، كان منهم من يسرد من ذاكرته أجمل اللحظات مع من فارقهم بهذا الرحيل، يحلق بناظريه إلى المدى الذي غادر منه، وكلمات من كانوا هناك، فلحظة الوداع لم تكن هيّنة عليه، ولكأنها انعكاس لما يعيشه من على الشاطئ من حزن الوداع.
هكذا تكون القلوب التي تعيش معا بنبض واحد وإن افترقت، تتقاسم كل شيء في ذات اللحظة، التشابه التام بينهما، يختلفان فقط بهذا الرحيل، أحدهما رحل، والآخر بقيَ في مكانه، ينتظر عودته، حتى وإن كان يدرك بأنه لن يعود، فالانتظار سمة كل محبّ.
لا شيء يجعل من الانتظار طويلا أمرا جميلا، إلا أنه في نفس المنتظر جميل، فهو يحمل الأمل، والترقب بعودة من نحب، ويشغل أوقاتنا بالتفكير الممزوج بالحنين، وبصور الشوق. يجعل المنتظر في حالة حديث مع النفس، وتمرير شريط الحياة التي مضت، يشاهدها كأنها فلم سينمائي لا يملّ مشاهدته، يكبر هو، وتكبر معه لحظات الترقب والانتظار، فميقات الوداع أكثر الأماكن زيارة لمن رُحل عنه.
وكما أن الوداع محزن، إلا أنه يكشف عنا عن حجم الحب، وصدق الشعور، ويجنبنا تأويل المواقف، ويرسم في النفس ملامح الصدق، فلن تكذب النفس على ذاتها بعد الوداع، وسيكون لكل فعل قيمته بعد الرحيل، ولن تجادل النفس ذاتها به، بل ستكون راضية، حتى وإن خالطها إحساس الوحدة، والسهر مع الليل الطويل، تبقى رغم كل هذا نفس راضية بقدر الرحيل.