عطر: أنانية العقل

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

نعم العقل أناني، صفة لا يمكن أن يوصم بها العقل لأن للعقل صفات أقوى تصف قوته وقدرته على إدارة الأمور، فالعقل يملك صفات أو يجب أن يملك صفات إيجابية، ومن أهم صفاته أنه منظم يكره الفوضى، ويرغب في تنظيم الأشياء ليسكن الى الطبيعة التي أخافته، فعمل على ترتيب الزمن لارتباط وجوده به، وتعامل مع فوضى الطبيعة التي كان يخاف منها بدراستها ومحاولة التكييف معها وتنظيم نتائجها، مما نقله من حالة الخوف الذي بلغ درجات الهلع الى مرحلة التعامل معها بمنهجية علمية، فسعى الى معرفة أسبابها وظواهرها ومن مبدأ ان ما تعرف ماهيته تعرف كيف تتعامل معه، رتب الفوضى من حوله ونظم علاقته مع الطبيعة .

من جهة أخرى العقل يتمتع بإرادة المثابرة، لذا هو لا يقف ولا يؤمن فعليا بالمستحيل، لأنه يرغب في استزادة من المعرفة ولا يقبل أي فراغ معرفي، من هنا وضع منظومات فكرية وعلمية لفهم الوجود، وبحث في معناه وغاياته، وحاول جاهدا التوفيق بين مفهومي المادة والروح، لأنه اصطدم بأن الإنسان لا ينتمي الى طبيعة واحدة، ولكنه مال الى المادية وصارع من أجل إثبات ان الطبيعة أوجدتها الصدفة البحتة التي نشأت وارتقت لتصبح بهذا الانسجام الكوني.
ولقد صنف المختصون العقل بثلاثة تصنيفات طريفة نوعا ما وهي: (عادي، صغير، كبير) وتتمتع هذه العقول بسمات خاصة يُستدل منها على خصوصية كل عقل.
العقل العادي، عقل شبه متجمد ثابت يتحرك في حيز صغير، يحيط نفسه بأسوار تُضيق مجال رؤيته ويكتفي بما هو عليه ولا يسعى لأي تطور، وهذا العقل لا يُقدم ولا يُؤخر.
اما العقل الصغير فهذا العقل يهجر ذاته ليس تفانيا بالآخرين، بل تطفلا عليهم فأقصى همومه ما يحدث لأقرانه في محيطه، يراقب ويحلل ويحسد ويدمر محيطه، بالخلاصة لا أبعاد لديه، يعيش ويموت هما وغما من نجاح غيره.
وأخيرا العقل الكبير، وهو عقل يفقه قيمة الوقت، يحترمه، يحافظ عليه، يغذيه بالقراءة، غايته الفائدة، يسعى الى التطور الدائم، لا ينسجم مع تفاهة الأمور فهو في حركة دائمة، وفي عملية تطوره يتبع منهجا ويضع أهدافا ويخطط لها.
هذه التعريفات ليست كل شيء، هناك تعريفات للعقل منها: الإسلامي والفلسفي والنفسي، ولكن هناك العقل الأناني وهي صفة استنتجتها من قراءاتي وملاحظاتي، ولا أعلم ان كانت عامة، فعلى الصعيد الفردي غالبا لا يرى الا ذاته يتفرد بقناعاته، ويجاهد من أجل اثبات انه الأصح والأمثل والأكثر معرفة، لا يشارك كل حيثياته مع العالم الخارجي، بل ينتظر ان يفوز بتفوق ليعلن حدوده، كذلك يناضل ليفهم عالمه الخارجي، جاهلا بقدراته الحقيقية وحدودها.
العقل مغامر رغم واقعيته، ومع أنه يوصف بأنه راجح هو متأرجح، قد يُخطئ ويعطينا نتائج مغايرة للواقع. وأكثر ما تتجلى فيه أنانية العقل أنه لا يرغب في شريك له، هو يناقض القلب ويقسو عليه ويرفض قوانينه، كذلك هو يرفض أي طرح ماورائي، ويقاتل ليؤكد ان الإنسان مادة تعيش وتفنى، نافيا الروح وفكرة الانتقال للخلود، من هنا يسوق براهينه على أن للإنسان طبيعة واحدة وان الروح هي فكرة ضعيفة تبناها الإنسان من خلال تبنيه فكرة وجود محرك لهذا الكون هو الله سبحانه وتعالى، وحين عجز عن ذلك بدأ يطرح رؤية متوازنة شكلا مشككة مضمونا بطبيعة الإنسان، الذي هو من مادة وروح، هذا العقل الأناني دمر وجوده وهدد بقائه، حيث عمل على تدمير الأرض باختراعاته العلمية والحربية، ولكن هذا لا ينفي انه من جهة أخرى اكتشف أمورا كثيرة أفادت البشرية وضللتها في آن معا.