نوافـذ: دين الحب

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

كنت قد سمعت به لكنني لم أقرأ « قندسه» التي حصل فيها على جائزة معهد العالم العربي بباريس بترجمتها الفرنسية؛ ولا قرأت سقف الكفاية ولا صوفيا ولا حتى طوَّق الطهارة؛ غير أن اسمه كان يتردد صاخبا في أروقة البوكر بأنه الروائي المنتظر للفوز بها هذا العام فقبلها كانت « القندس» قاب قوسين من الفوز بها حيث وصلت الى القائمة القصيرة في عام 2013.
في معرض الكتاب الأخير اقنعني « الساقي» بأن « موت صغير» هي أفضل ما كتب من روايات لهذا العام وربما هي أفضل ما كتب عن التصوف الاسلامي فهي تتبع خطى الشيخ الأكبر وسلطان العارفين محيي الدين بن عربي منذ ولادته في الأندلس في منتصف القرن السادس الهجري وحتى وفاته في دمشق، قلبت بين يدي بضعا من صفحاتها التي تقارب الستمائة صفحة وبنظرة خاطفة شدتني اللغة والأسلوب اللتان كتبا بهما الرواية.
بعد اعلان محمد حسن علوان فائزا بالبوكر عن روايته «موت صغير» أخرجت الكتاب من خزانته وعزمت على قراءته لمعرفة تفاصيل حياة أكثر المتصوفين شغلا لحياة الناس ليس لأفكاره التي خالف فيها من عاصروه وانما ايضا لترحاله في كثير من بلاد الله في سبيل بحثه عن العلم والمعرفة وايضا كما يسرد علوان في الرواية بحثا عن أوتاده الأربعة التي أخبرته عنهم مرضعته «فاطمة بنت المثنى» التي اشترطت عليه تطهير قلبه للقاء أوتاده الأربعة التي كان من بينهم نظام ابنة استاذه الذي أخذ منه علوم الدين والتي افتتن بها وأحبها حبا كبيرا لكنه لم يستطع الزواج منها بسبب أنها كانت وتدا من أوتاده وألف فيها كتابه « ترجمان الاشواق» والذي خصصه لمدحها مرورا بوتده الرابع شمس التبريزي الذي يخبره أن الإنسان يطهّر قلبه بالحب، وهو ما يعيدنا إلى أشهر عبارات ابن عربي « أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني».الرواية تأخذ قارئها في تطواف وترحال جميلين من خلال تتبعهما لحياة ابن عربي واسفاره منذ مولده في اشبيلية إلى قرطبة مروراً بإفريقيا والإسكندرية ومكة، ثم التوجه إلى بغداد حتى عودته أخيراً إلى دمشق حيث يموت ويدفن فيها، ولا يقتصر تطواف الرواية على الترحال والاسفار بل يسلط الضوء على الاحداث التاريخية التي وقعت في العصور الوسطى حيث الصراع بين المرابطين والموحدين في الاندلس والحروب بين العرب والفرنجة وغيرها من الاحداث التاريحية التي مرت بحياة بطلها في ظل حكم الايوبيين والعباسيين والسلاجقة، يقول ابن عربي عن ذلك «منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق وأنا في سفرٍ لا ينقطع.
رأيت بلاداً ولقيت أناساً وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين والأيوبيين والعباسيين والسلاجقة في طريقٍ قدّره الله لي قبل خلقي.
من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار.
المؤمن في سفرٍ دائم.
والوجود كله سفرٌ في سفر.
من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم»
الرواية كتبت على خطين متوازيين الخط الاول وهو سيرة ابن عربي جمعت في اثني عشر سفر بداخلها فصول وصلت الى المائة فصل وكل فصل يبدأ بعبارة صوفية لابن عربي نفسه، في حين أن الخط الثاني للرواية جاء على شكل مخطوط ينتقل من مكان لآخر هو ما يرويه ابن عربي حيث يسافر هذا المخطوط عبر العصور والازمنة حتى يصل هذا المخطوط الى عام 1982 عندما يقع بين يدي باحثة في بيروت تعمل على رسالة دكتوراة عن ابن عربي نفسه.
لا أملك الا أن أقول ان علوان في هذه الرواية استطاع جذب اهتمام القارئ منذ أول سطر كتبه حتى النهاية قد لا يكون كما قال هو ذاته عن روايته ان جانبها الصوفي هو ما أغرى بعض القراء وربما لجنة تحكيم البوكر على تفضيلها واختيارها عن سائر الروايات العربية ولكن الحقيقة هي أن الاسلوب الذي كتبت به واللغة الرشيقة التي حاول الكاتب أن تكون لغة الفترة التي عاش فيها ابن عربي في القرون الوسطى والأحداث التاريخية التي ساقها المؤلف للتدليل على ما مر به العرب والعالم من أحداث هي ما يحسب من نجاح للرواية، ويمكنني أن اضيف سببا آخر من خلال ما قرأته من سطور الرواية وهي أنها رواية تعبر عن الحب والتسامح والمودة والتقرب الى الله في شهر فضيل، كما قال ابن عربي ذاته عن نفسه بأنه يدين بدين الحب وهذا ما نحتاج اليه فعلا في عالم اليوم.