النوبة: حكايات السفر والترحال

يوسف القعيد –
سطًّر تاريخ النوبة على أرضها صفحات من فصوله الحية، مسجلاً الكثير من الأحداث التاريخية الهامة التي عرف بعضها ومازال بعضها الآخر قيد الدراسة، وكان لهذه الأحداث تأثيرها على تطور الحضارة. ينبئنا التاريخ بأن النوبة كانت من أهم مناطق الصراع الرئيسية في العالم القديم بين الأجناس المختلفة، البيضاء والسوداء، للوصول إلى السيادة في شمال إفريقيا . المصريون القدماء الذين كانوا يمثلون أرقى الحضارات حينئذ كانوا يتوغلون جنوباً لاستغلال مناجم الذهب وللتجارة في العاج والأخشاب.
وكلمة نوبة غامضة الأصل، فيقول «استرابو»: يعيش النوبيون على الشاطئ الغربي للنيل في ليبيا وهم شعب متعدد الأفراد وتمتد بلادهم من مروى وتصل إلى منحنى النهر» ونجد في اسم هؤلاء الناس كلمة نوبا. ولكننا إذا تعرفنا على انحناءات النهر حتى منطقة دنقلة . فسنجد أن هؤلاء الناس قد سكنوا جزءاً من الوادي يقع جنوبي النوبة التي نعرفها. ومما يجب علينا ألا نغفله هو أن المصريين القدماء أطلقوا على الذهب كلمة «نوب» وأن هذه المنطقة التي نعرفها بالنوبة كانت بلاد الذهب. وقد تم اكتشاف وجود الذهب فيها بمحض الصدفة.
نتساءل عن السبب الذي يدفع هؤلاء الناس لترك وطنهم الذي يكنون له هذا الحب ويعيشون بعيداً عنه لفترات طويلة. نجد أن هناك سببين، أولهما اقتصادي لأنه حتى قبل بناء خزان أسوان لم تكن النوبة تكفى سكانها. والآخر أن النوبيين على عكس المصريين يحبون السفر والترحال وعندهم حب استطلاع ليس له نهاية لمعرفة بلاد جديدة وشعوب جديدة.
الأراضي الزراعية النوبية كانت محدودة. ولم تكن تنتج ما يكفي لغذاء قلة من سكانها. فنظراً لهذا ولعدم قيام صناعات بالمنطقة. كان لزاماً على الرجال الأشداء والشباب أن يبحثوا لهم عن مهنة في المدن المصرية أو السودانية الكبيرة، ولذلك نجد أن النوبيين اكتسبوا عيشهم من أعمالهم المختلفة.
والنوبي نجده بحاراً عظيماً، فجميع المرشدين بالبواخر النيلية يأتون من النوبة السفلى، وبالرغم من أن السفر نيلياً ما بين الدلتا والشلال الأول أصبح وسيلة قديمة، وإلى جانب انتشار السفر بالطائرة. فالتنقل بين الشلال الأول ووادي حلفا يعتمد على بواخر الحكومة السودانية لعدم وجود خط سكة حديد في المنطقة. وإن بحثنا عمن يتولون النقل النهري سنكتشف أن طواقم جميع البواخر النيلية من النوبة.
هذا إلى جانب أن عدداً كبيراً منهم يعملون على المراكب الشراعية أو التجارية التي تنقل البضائع بين مصر العليا والقاهرة. وهكذا سنكتشف دون عناء أن العائلات النوبية اتخذت من النهر مهنة يتوارثونها على مر الأجيال، فالأب يدرب ابنه عن طريق قصص قديمة ارتبطت بالنيل ولا تعتبر المعلومات مهارة لديهم وإنما هي خبرة نتجت عن تراكم عدة خرافات على مدار السنين في القصص النيلية. وعلى كل فالبحارة النوبيون منظمون . ولكل بحار منهم ذاكرة قوية فيها العديد من الحكايات والروايات عن ملحمة النهر والناس. بالتحديد ملاحم النهر والنوبيين.
إن معظم الرجال الأشداء القادرين على العمل يعملون خارج النوبة، فسكانها كانوا من كبار السن والسيدات والأطفال . وهؤلاء كانوا يقومون باستثمار الأراضي الزراعية وهي محدودة .
الأرض النوبية كانت صعبة الوصف ويمكن وصفها في فقرات محددة فقد كانت تبدو للزائر الذي يمر عليها سريعاً على طريق النهر كسلسلة مملة لمناطق زراعية ضيقة ومتعاقبة، ومناطق صحراوية قاحلة تتخللها تلال صخرية، فهي أرض متنوعة التكوين إذ يتعرض الوادي لحواجز من الجرانيت. تفصل بين الأرض الزراعية والصحارى التي لا حدود لها .
كان الهاجس الذي حكم موقف المصريين من مياه النيل هو ألا تذهب إلى البحر. لذلك بُدئ في تشييد خزان عند الجندل الأول جنوبي أسوان في عام 1889 وتم الانتهاء منه في عام 1902 وكان الغرض من إنشائه هو التحكم في مجرى النهر بتخزين المياه في نوفمبر وديسمبر عندما يكون الماء فائضاً. وتترك هذه المياه في مايو ويونيو ويوليو عندما تحتاج الأراضي الزراعية لكمية أكثر من المياه لا يمكن لمجرى النيل الطبيعي أن يعطيها.
ويمتد خزان أسوان أكثر من ميل في الطول ويعلو مائة قدم وكان يخزن تسعمائة وثمانين مليون متر مكعب من الماء في بحيرة صناعية تمتد جنوباً مسافة مائة وأربعين ميلاً. ويعتبر الخزان تحفة في علوم الهندسة. ومع ذلك فلم يكن إلا تحويراً للتصميم الأصلي الذي قدم للحكومة المصرية في عام 1893. إذ أن التصميم الأصلي كان يرفع منسوب المياه سبعة وعشرين قدماً عن منسوب الخزان الحالي. ونتيجة لهذا الارتفاع غمر جزء كبير من معبد فيللا. فاستُقْبِلَ المشروع باحتجاجات ونقد.
وبعد جدل طويل انحنى المسؤولون أمام العاصفة. وخفض ارتفاع الخزان الأصلي . ومع أن بعض أبنية المعبد كانت تغمرها المياه لفترة قصيرة من السنة. إلا أن العمائر الأساسية بقيت فوق مستوى المياه. ومع ذلك وخوفاً من الرطوبة قويت الأساسات ورممت كل نقاط الضعف في البناء.
وبعد بناء السد ظهرت محاسنه ومنافعه حتى أن احتجاجات رجال الآثار والفنانين قد نسيت، وبين عامي 1907، 1912 زيد في ارتفاع السد ستة عشر قدماً فارتفعت مياه الخزان حتى وصلت إلى منطقة وادي السبوع. أي أن طوله قد امتد إلى خمسة وأربعين ميلاً. ولكن ما زالت الأراضي المصرية المتعطشة غير راضية ومرة أخرى بين عام 1929 وعام 1934 زيد في علو السد ثلاثين قدماً وامتد الخزان مائتين وخمسة وعشرين ميلاً حتى وادي حلفا وأصبحت سعته خمسة آلاف مليون متر مكعب من الماء .
يبقى الكلام عن الدور العالمي في إنقاذ آثار النوبة . وهي نفس اللحظة التي تنتهى فيها رواية الشمندور لمحمد خليل قاسم – أهم رواية عن حياة النوبة وتاريخها وتطوراتها وتستمر وتصل حتى نهاية تجربتهم – تزحف المياه الناتجة عن السد العالي لتغرق ما بقي من النوبة . إن غرق النوبة بعد تنفيذ السد العالي هو الذي أوصل النوبيين إلى هذا الإحساس بالغربة. وإن كان الإحساس بالغربة قد جاء تالياً في الزمن لعملية إنشاء السد العالي وخلال مراحل البناء .