إضاءة :صور بديعة

سالم بن حمدان الحسيني –
صور القرآن الكريم المشهد المصاحب لانهمار الماء من السماء في لوحة بديعة رسم من خلالها الفرحة المصاحبة لنعمة الغيث في وصف بديع بدءا من اللحظة التي يترقب فيها الإنسان نزول الغيث الذي يأتي لينشر الخصب والنماء بعد طول انتظار وانتهاء بما يحدثه من أثر بالغ يسر النفس ويبهج القلب حيث قال سبحانه: (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) .. فمع تنزل تلك الرحمات تلهج الألسنة بالشكر والثناء للخالق العظيم وتخفق القلوب فرحة مستبشرة وترتسم الابتسامة على الوجوه النضرة، وترى الناس يهنئون بعضهم بعضا، وكأنهم يعيشون عيدا من أعيادهم، فلا عجب أن ترى تلك الجموع التي كانت حبيسة البيوت تنطلق بتلقائية بعد انقشاع الغيم إلى الفضاء الرحب لتمتع ناظريها بتلك المشاهد التي تأسر الألباب، حيث تتساقط المياه من أعالي الجبال مشكلة لوحة فنية بديعة لتنساب بعد ذلك على مجاري الأودية والشعاب تعكس عبر صفحتها ألوان الطيف الجميلة في تناغم بديع مع أشعة الشمس الذهبية في مشهد بديع مشكّلة لوحة بديعة لم تكن مألوفة طوال العام، ثم تأتي الصورة الأخرى لتصف المشهد نفسه.. (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)، حيث تنتعش الأرض وتكتسي بالبساط الأخضر، حينها تتهلل الوجوه وتغمرها السعادة والبشر، لتتناغم مع أصوات الطيور المغردة ابتهاجا بيوم ماطر سعيد.
ومع نشوة تلك الفرحة الغامرة وحتى لا تأخذ الإنسان اللحظة الآنية فينسى المآل الذي ينقلب إليه والأمر الذي خلق من أجله يأتي التذكير بتلك النعم وبالمنعم جل جلاله ثم التذكير والتذكير بالبعث والنشور ثم بالنعيم المقيم في الدار الآخرة، في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فيقول سبحانه: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).
ولأهمية نعمة الماء الذي به يستقيم أود الحياة جاء التذكير به والتأكيد على المحافظة عليه وعدم استنزاف تلك الثروة العظيمة التي لا تقدّر بثمن، وقد أدرك ذلك الآباء والأجداد فأعملوا الفكر في العمل من أجل الوصول إلى ابتكار يضمن لهم تنمية زراعية مستدامة يقتاتون من خلالها ويكفلون لأنفسهم حياة كريمة هانئة فابتكروا نظام الأفلاج .. ذلكم النظام وتلك الفكرة الفريدة التي يقف المرء حيالها إعزازا وإكبارا مثمنا الجهود المباركة التي بفضلها زرعوا الحياة على وجه البسيطة لتجري في صحائف أعمالهم صدقات جارية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فبالإرادة القوية والإيمان الراسخ تمكنوا من نحت تلك القنوات بعمق عشرات الأمتار لمسافة عدة كيلومترات تحت الأرض بين الأودية والجبال يتتبعون منابع المياه ليسوقوها عبر تلك القنوات تنساب سلسبيلا عذبا يبعث الحياة لكل مخلوق على وجه البسيطة فما أجلها من نعمة وما أروعها من فكرة وما أعظمها من صدقة جارية .. فرحم الله من قام بها وكدح من أجلها وحافظ عليها إلى يوم يبعثون، فلنحافظ على تلك النعمة ولتكن تلك الجهود الخيرة دافعا لنا للعمل من أجل حياة تنموية مستدامة نسعد بها وتسعد بها الأجيال المتعاقبة ولنشكر الخالق العظيم على هذه النعمة المتوالية فبالشكر تدوم النعم.