شركات الأمــن الصينيـة الخاصــة تعولم أنشطتها

شارلس كلوفر – ترجمة – قاسم مكي –
الفاينانشال تايمز –
962661في مساء 8 يوليو أطلقت المدافع نيرانها في شوارع العاصمة الجنوب سودانية جوبا بعد انهيار هدنة  قلقة بين الفصائل السياسية المتحاربة. وبدأت الهواتف ترن داخل مكتب  الشركة الصينية الخاصة لتقديم الخدمات الأمنية” دي وي.” لقد كان عمال النفط الصينيون المذعورون الذين يعملون بشركة النفط الوطنية الصينية في جنوب السودان يتصلون برقم طوارئ كي يقولوا أنهم معرضون للخطر وفي انتظار التعليمات. فشركتهم هي الزبون الرئيسي لشركة دي وي. وبالنسبة  لكونج ويي، مسؤول مكتب دي وي في جوبا وأحد قدامى محاربي جيش التحرير الشعبي الصيني (تقاعد قبل خمسة أعوام) كانت تلك المكالمات بداية لجولة ماراثونية استغرقت 50 ساعة بدون نوم ، نفذ خلالها مع زملائه خطة إجلاء.  

يقول كونج “ كانت الطلقات والقذائف تتطاير فوق مجمعنا طوال النهار والليل.” وسرعان ما أدرك مقاولو (متعهدو) الخدمات الأمنية أن بنايتهم المبنية من قوالب أسمنتية ومسقوفة بالزنك لا يمكنها صد الرصاصات. لقد كان ذلك درسا واحدا فقط من عدة دروس سيتعلمونها. وصدرت التعليمات لحوالي 330 مدنيا صينيا حوصروا في 10 مواقع حول المدينة بالبقاء حيث كانوا حتى يعاد فتح المطار. وفي الأثناء انتقل بعضهم إلى حاويات معدنية لا تخترقها الشظايا. وأخيرا وفي اليوم الرابع من القتال تم إخلاء العمال المحاصرين إلى العاصمة الكينية نيروبي بعد أن أخرجت القوات الحكومة المتمردين من جوبا. تشير تفاصيل هذه العملية التي جرت في العام الماضي وتم الكشف عنها في بيجينج لأول مرة مؤخرا إلى الدور المتعاظم الذي تلعبه صناعة الأمن الخاص في الصين. إن نمو هذه الصناعة يردد أصداء الدور البارز والإشكالي غالبا الذي لعبته شركات المقاولات الأمنية الغربية مثل بلاك ووتر ( تعرف الآن باسم داينكورب) في العراق وأفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فالمنطق وراء ظهورها هو ذات المنطق. يقول هذا المنطق أن استخدام المقاولين الأمنيين مريح ويمكن إنكاره. ولكن هؤلاء المقاولين الخصوصيين والجنود الحكوميين هم في الحقيقة وجهان لنفس العملة. يقول آندرو دافينبورت، رئيس المجموعة الاستشارية (آر دبليو آر) المختصة بالمخاطر أن “ التداخل بين جيش التحرير الشعبي الصيني وشركات المقاولات الأمنية الخاصة التي غالبا ما يعمل بها جنود سابقون يجعل الخط الفاصل بينهما ضبابيا.” وعلى الرغم من أن هذه الشركات خاصة إلا أن قلة من الناس هي التي تشكك في خضوعها الشديد لسيطرة البيروقراطية الأمنية الوطنية في الصين. فهي تمثل “إستراتيجية أمنية موازية” بحسب تعبير دافنيبورت.

تحول في سياسة الصين الخارجية

لدى الصين نفور من التدخل في السياسة في الخارج . وهذا النفور جزء من مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والذي يعود إلى عدة عقود. لكن هذا الحذر يختبره الآن نموها الاقتصادي السريع وجرأة بعض الشركات المملوكة للدولة التي تعمل على نحو روتيني في بيئات تتجنبها الشركات الغربية. فالشركات الصينية تقدم خدماتها لمحطات توليد الكهرباء في العراق وشبكات الاتصالات اللاسلكية في سوريا. وهي تستخرج النحاس في أفغانستان وتضخ النفط من حقول جنوب السودان.

سبعة ملايين طن خسارة واردات نفطية

وتقدر شركة (إس آي أيه إنيرجي للاستشارات) في بيجينج أن حوالي 7 ملايين طن من النفط الذي تنتجه الشركات الحكومية الصينية يتوقف إنتاجه سنويا بسبب أحداث العنف في بلدان مثل العراق وجنوب السودان. لقد قادت مهمة حماية المصالح التجارية للصين التي تشهد نموا متواصلا وكذلك حقيقة تواجد ما يزيد عن مليون صيني في الخارج إلى تحولات في السياسة الخارجية الصينية الحذرة تقليديا. فأسطولها البحري ظل يتصدى للقراصنة في خليج عدن منذ عام 2012 وأجلى مدنيين حوصروا في اليمن عام 2015. كما يجري نشر قواتها المقاتلة بتفويض من الأمم المتحدة في بلدان توجد بها استثمارات صينية مثل جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي العام الماضي أسست بيجينج أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي. إن تنامي استخدام مقاولي الأمن الصينيين جزء من هذا الاتجاه الذي يتزامن مع بحث الصين عن سبل لحماية أصولها في الخارج دون اللجوء إلى سياسة خارجية “ إمبريالية” يمكن أن تترتب عنها نتائج غير مقبولة في الداخل والخارج. يقول يوي جانج وهو ضابط متقاعد من جيش التحرير الشعبي أن الحاجة “ للحماية الأمنية في الخارج كبيرة ومن الواضح أن الجيش غير مناسب لهذه المهمة نظرا إلى المشاكل المحتملة التي قد يسببها للعلاقات الخارجية.” ويقول ليو شينبينج ، مدير مركز الصين لأبحاث الأمن والدفاع في الخارج ، أن حوالي 3200 موظف صيني في الشركات الأمنية الخاصة كانوا يعملون في الخارج في العام الماضي. وذلك بالمقارنة بحوالي 2600 جندي صيني نشروا في بلدان أخرى بموجب تفويض من الأمم المتحدة. وهؤلاء الجنود هم فقط من بعثت بهم الصين إلى مناطق النزاعات. ورغما عن ذلك وباستثناءات قليلة فإن المقاولين الأمنيين غير مسلحين عادة. فالعاملون بشركة دي وي ما كانوا يحملون أسلحة في أثناء القتال في جوبا ولكنهم كانوا يقودون فرقا من المسلحين المحليين. إن الصين متحفظة جدا تجاه صناعة الخدمات الأمنية الخاصة. ويعود هذا التحفظ جزئيا إلى الانتهاكات من ذلك النوع الذي كان يسبب أزمات للاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق. ففي عام 2010 أطلق المشرفون في منجم فحم مملوك للصين في زامبيا النار على حشد من العمال الذين كانوا يطالبون برفع أجورهم مما أدى إلى جرح 11 منهم. ونجمت عن ذلك ردود أفعال معادية للصين. وبعد عامين لاحقا قتل مشرف في موقع المنجم في أثناء نزاع حول الأجور. وقال أحد مديري الشركات الأمنية طلب عدم ذكر اسمه أن كل العقود التي يوقعونها مع الشركات الحكومية الصينية تمنع العاملين الأمنيين من حمل الأسلحة. يقول “الحكومة لا ترغب في (شركة صينية من شاكلة) بلاكووتر”. ربما أن الدروس المستفادة من حروب أمريكا خلال الأعوام الـ15 الماضية حيث كان عدد القتلى من المقاولين الأمنيين أكثر من العسكريين مفيدة بدورها للصين. فحسب دراسة أجراها معهد واطسون للشؤون الدولية والعامة، قتل 7071 مقاولا أمنيا مدنيا أمريكيا في العراق وأفغانستان وباكستان منذ أكتوبر 2001 . وهو عدد أكبر قليلا من قتلى القوات الأمريكية الذي بلغ 6860 قتيلا.

تجنب وقوع حوادث دبلوماسية

يقول جون كلارك ليفِن وهو خبير خاص في الأمن البحري يعمل بالولايات المتحدة أن “ مقاولي الخدمات الأمنية الخاصة يتيحون للساسة التخلص من المسؤولية الإشرافية والسياسية لبعض أنشطتهم العسكرية.” فبعض المقاولين الصينيين مثلهم مثل نظرائهم الغربيين يحصلون أحيانا على مهام تكون حساسة سياسيا إذا تولت القيام بها قوات حكومية. يقول بين ستيوارت، المدير العام للشركة البريطانية (ماريتايم آسيت سيكيوريتي آند ترينينج ) التي تقدم خدمات حراسة السفن من القراصنة، أن “إحدى ميزات استخدام الشركة الأمنية الخاصة أنها يمكنها حماية الحكومات من مخاطر وقوع حوادث دبلوماسية.” وبحسب عقود حراس السفن المبحرة يجوز للعاملين بشركة هيوا شين شونغ التي تتخذ بجيجنج مقرا لها استخدام القوة المسلحة دفاعا عن النفس ضد القراصنة . ذلك في حين أن نظراءهم من حرس البحرية الصينية يمكنهم فقط إطلاق طلقات تحذيرية إلا في حال تعرضت سفينتهم الحربية لهجوم مباشر. بل إن الحكومة الصينية أكثر حذرا في البر. يقول تاو ديكسي، وهو مقاول يعمل مع شركة دينجتاي آنيوان العالمية للأمن والدفاع التي لديها أنشطة في العراق، أنه من غير المسموح لأي عامل في الشركات الأمنية التي يعرفها بحمل السلاح . يقول “ تؤدي الشركات الأمنية الصينية مهامها الأمنية دائما من خلال فرق محلية. ولكن في الظروف القاهرة يمكن لموظفي الأمن الصينيين اقتراض أسلحة من الموظفين المحليين.”

ترحيب حكومي

وفي حين أن صناعة الخدمات الأمنية الخاصة ينظر إليها بريبة في بعض الدوائر بالعاصمة بيجينج إلا أن القيادة الصينية تحتضنها. ففي أعقاب أحداث العنف في جنوب السودان في الصيف الماضي دعا الرئيس شي جينبينج إلى تحسين تقييم المخاطر الأمنية والمراقبة والإنذار المبكر والتعامل مع الأوضاع الطارئة بالنسبة للشركات التي تعمل في المناطق الخطرة. ودعا إلى إجراءات لدعم الاستثمار في البلدان عالية المخاطر. وبعد شهرين من تعليقاته اختفى بقدر أكبر مما في السابق الفارق بين نشر الجنود وإرسال المقاولين لمهام في الخارج بعد أن أعلنت شركة دي وي عن خطط لإنشاء معسكرين في جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى التي لا يوجد بها منفذ بحري. ويبدو أن هذه المنشآت الأمنية الخاصة هي الأولى من نوعها التي تستخدمها الشركات الصينية مما يؤشر إلى تواجد أمني أكثر ديمومة في المستقبل. وأبلغ لي شياوبينغ، الرئيس التنفيذي لشركة دي وي، ندوة عقدت في بيجينج عن الأمن في الخارج في أكتوبر الماضي أن خطوتهم التالية هي “إنشاء (معسكرات سلامة) على نطاق واسع في البلدان التي توجد بها استثمارات صينية وكذلك تلك التي بها عوامل تؤدي إلى عدم الاستقرار.” يوجد في مجمع الشركة الذي يقع بالقرب من مطار بيجينج مستودع يمثل نموذجا لبلدة شرق أوسطية. وتستخدم واجهة هذا النموذج للتدريب على تكتيكات الإفلات وإنقاذ الرهائن. يقول هاو جانج، وهو مسؤول شُرِطي سابق والمدير العام لشركة ديوي في بيجينج، أن أكبر مصدر لإيرادات الشركة يتمثل في تقديم ما أسماه “ حلولا متكاملة” للشركات الصينية التي تذهب إلى الخارج. وتشمل تلك الحلول التدريب وتوفير الأمن في موقع عمل الشركة وتقييم المخاطر.

أقل الخيرات سوءا

تم تأسيس شركة دي وي الأمنية الخاصة في عام 2011 بواسطة عدد من ضباط الجيش والشرطة السابقين الذين عملوا معا لأول مرة في أثناء أولمبياد يبجينج عام 2008. يقول هاو إن الشركة منذ عام 2013 قامت بتدريب 86 ألف موظف مدني صيني . ويعتمد هذا التدريب على الجهة التي يرسلون إليها. فإذا كانوا سيذهبون إلى باريس سنعلمهم كيف يمكنهم حماية جوازات سفرهم من السرقة. وإذا كانوا ذاهبين إلى كابول نعلمهم كيف يتجنبون الاختطاف.” لقد تم إضفاء الصفة القانونية على الشركات الأمنية الخاصة في الصين في عام 2010 فقط بإصدار تشريع سمح لهذه الشركات بتقديم خدمات مسلحة لمؤسسات الأعمال المحلية مثل البنوك والمصانع. والآن لدى شركة دي وي 352 موظفا صينيا في الخارج إلى جانب 3000 موظف محلي. وهم يعملون لشركات مثل المؤسسة الصينية للطرق والجسور التي تتولى إنشاء الخط الحديدي الرابط بين نيروبي وممباسا وأيضا يدافعون عن شركة البترول الوطنية الصينية في السودان. تقول فراوكي رينز المتخصصة في صناعة الخدمات الأمنية الخاصة إن الشركات الأمنية الصينية لاتزال تتحسس خطواتها . وتضيف أن “كبار المقاولين الأمنيين العالميين أكثر خبرة في تلك البيئات. فإذا أخذنا العراق أو نيجيريا مثلا فإن معظم الشركات الأمنية الدولية ظلت تعمل هناك على مدى عدة أعوام.” ورغما عن ذلك فإن المقاولين الصينيين يستفيدون من الضغوط الحكومية لاستخدام الشركات الأمنية الصينية فقط. فمثلا شركة النفط الوطنية الصينية كانت معتادة على التعاقد مع الشركة البريطانية (كونترول ريسكس) لحماية حقولها في العراق. ولكنها في عام 2010 بدأت في استخدام شركة جوانان الصينية التي لها روابط وثيقة بشركة شين هوا خامس أكبر شركة نفطية صينية. لقد صعد نجم شركة دي وي بطريقة مثيرة في الصيف الماضي حين استأجرتها المجموعة النفطية الصينية القابضة بولي – جي سي إل لإدارة الأمن في مشروع للغاز الطبيعي المسال بتكلفة 4 بلايين دولار في إثيوبيا. وهو أكبر مشروع يطلب من هذه الشركة الأمنية الصينية الخاصة تولي حمايته. ويبدو أن لبعض الشركات الأخرى أصدقاء في مواقع هامة. فشركة “إتش إكس زد أيه” مثلا تكاد تكون شبه محتكرة لتوفير خدمات الأمن لشركتي كوسوكو القابضة والخطوط الصينية لشحن الحاويات (سي إس سي إل) وهما أكبر مجموعتين صينيتين حكوميتين للنقل البحري. يقول مقاول أجنبي خاص “ من الواضح أن لهذه الشركات علاقات متينة مع الدولة بالنظر إلى مدى ولاء قاعدة زبائنها لها. كما أن خدماتها ليست رخيصة.” وتملك حفنة شركات أخرى مثل “شاندونج هاواي” و”الخدمات الأمنية لقدامى النظاميين” و”دينجتاي أنيوان” سجلات أداء شبيهة. فهي تجند عامليها من نفس مجموعة النظاميين ( المتقاعدين من الجيش والشرطة) وتقدم خدمات الحراسة في الخارج وتدرب موظفي الشركات الحكومية. كذلك فإن هذه الشركات، إلى جانب تمتعها بميزة استخدام اللغة الصينية، أرخص من نظيراتها الأجنبيات. يقول المقاولون إن تكلفة استئجار فريق مكون من 12 حارسا صينيا تساوي حوالي 700 إلى 1000 دولار في اليوم. وهي نفس تكلفة الحارس البريطاني أو الأمريكي الواحد. ويقر هاو، مسؤول شركة دي وي، بغموض الأساس القانوني الذي يسمح للشركات الصينية بنشر حراس في الخارج. ولكنه يقول “ نحن نلتزم بكل القوانين المحلية في البلدان التي نعمل بها.” لقد نشأت هذه الصناعة كنتيجة جانبية للتوسع الصيني الهائل في الخارج والذي جعل شركاتها تذهب للعمل في مناطق تتزايد خطورتها باستمرار. وهي أماكن إما لا يتم الترحيب فيها بوجود قوات برية أجنبية أو محلية أو أن وجودها يكون بلا فاعلية. يقول إدوارد ألين، المسؤول بشركة “فيان إيست” لاستشارات المخاطر والخبير الأمني سابقا في العراق:إن شركات المقاولات الأمنية الخاصة أقل الخيارات سوءا للأغراض الأمنية أحيانا. وهذا هو سبب وجودها.”