الخطوة الأولى ..على طريق الألف ميل !

د. عبد الحميد الموافي –
إذا كان من المعروف، على نطاق واسع أن السياسة لا تقبل الأحكام المطلقة، ولا القاطعة، وذلك بحكم طبيعتها، وطبيعة القضايا التي تتعامل معها، وبحكم تعدد وجوه تلك القضايا، واختلاف الزوايا التي تنظر منها الأطراف المعنية إليها، وما يترتب على ذلك من الوصول الى استنتاجات متعددة، وأحيانا تبدو متعارضة،   

إن هذا الأمر ينسحب، أو ينطبق، الى حد كبير على جولة مفاوضات جنيف الرابعة حول الأزمة السورية، وهي الجولة التي استغرقت أيامها العشرة تقريبا في محاولة للتوصل الى إطار عمل وعناصر تفاوض مقبولة من جانب الأطراف السورية، الضالعة مباشرة في المأساة السورية، أي من السلطات السورية، وقوى المعارضة السورية، التي شاركت في هذه الجولة، والمتمثلة في ثلاث منصات أساسية، هي الهيئة العليا للمعارضة السورية، أي منصة الرياض، ومنصة القاهرة، ومنصة موسكو. وبالطبع هناك عدة ميليشيات تمارس القتل والتخريب في سوريا، تحت مسميات عدة، ولحساب أطراف إقليمية ودولية تستأجرها وتدفع لها لخدمة أهداف معروفة. فانه ليس من المبالغة في شيء القول بأن الجولة الرابعة لمحادثات جنيف بشأن المأساة السورية لم تكن استثناء من ذلك، إذ إنها أحيطت منذ البداية بمواقف تشكيك مبدئية فيها، وفي إمكانية نجاحها، وما يمكن أن تتمخض عنه، أو تصل إليه المفاوضات من نتائج ناحية، مع محاولة واضحة لتوجيه الرأي العام والموقف الدولي، عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في اتجاه إدانة مباشرة للحكومة والسلطات السورية، وذلك بمحاولة فرض عقوبات دولية ضدها بزعم ارتكاب جرائم حرب، وهو ما أحبطه الفيتو الروسي الصيني ضد مشروع القرار من ناحية ثانية.
وإذا كان النجاح، من حيث المبدأ هو أمر نسبي، وفق الزاوية التي يتم النظر منها والحكم على ما تم، فإنه من الغريب أن يحكم كثيرون على الجولة الرابعة لمحادثات جنيف بالفشل، أو بأنها لم تتمخض عن شيء ، أو أن الوفود كانت في نزهة في جنيف ، أو ان ما تحقق مجرد اتفاق على مبادئ، وانه لم يحدث اختراقا مدويا. وكأن المطلوب أو المتوقع أن يتم التوصل الى حل للمأساة السورية، المستمرة منذ ست سنوات، والتي صاحبها تداعي كل إرهابيي العالم وميليشياته المؤدلجة والمرتزقة، للتوجه الى ارض الشام، بشعارات ودوافع وحسابات معلنة وخفية، لتخريبها وترويع أبنائها ودفع نحو نصف السوريين الى التشرد والهجرة وترك وطنهم، وأحداث دمار غير مسبوق للمدن والبنى التحتية السورية، ناهيك عن مئات آلاف القتلى واكثر من مليوني جريح، وهو وضع مأساوي بكل المعايير. ومن المعروف أن تقارير الأمم المتحدة حول سوريا، أدانت وبشكل واضح مرات عدة ما ارتكبته المعارضة والميليشيات التي تمارس القتل والتخريب في سوريا ، بما فيها داعش والقاعدة – جبهة النصرة سابقا وفتح الشام حاليا – بارتكاب جرائم حرب ، واستخدام أسلحة كيماوية في هجمات ضد المدنيين، ولكن ذلك لم يظهر خلال مناقشات مجلس الأمن لمشروع قرار ادانة النظام في سوريا، لأنه كانت هناك رغبة واضحة في أضعاف الحكم السوري سياسيا عبر فرض عقوبات دولية عليه، بالتزامن مع جولة جنيف الرابعة، وللتقليل من أهمية ما يحققه من تقدم على الأرض ضد الميليشيات الإرهابية.
ومع التأكيد أن أحدا لم يكن يتوقع أن تحقق الجولة الرابعة من محادثات جنيف بشأن المأساة السورية نجاحا كبيرا، أو اختراقا مدويا، في اتجاه الحل السياسي، لاعتبارات كثيرة ومعروفة، بشأن مواقف الأطراف السورية، حكما ومعارضة، ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية، خاصة ما يتصل بموقف الإدارة الأمريكية الجديدة، التي يغلب عليها الانتظار، وربما عدم بلورة رؤية واضحة بشأن حركتها حيال التطورات في سوريا، فانه من الطبيعي، بل والضروري، على صعيد الممارسة الدبلوماسية والتحسب لأية احتمالات، إن يميل لمبعوث الدولي الخاص بسوريا ستيفان دي ميستورا، الى التقليل من التوقعات بشأن نتائج الجولة، برغم انه هو من عمل جاهدا لتخرج بإطار وورقة ضمنها خلاصة مشاوراته مع كل من الحكم ومنصات المعارضة الثلاث، لتكون اطارا وعناصر للتفاوض حول الحل السياسي، مع الجولة الخامسة التي ستعقد خلال الشهر الحالي. وعلى أية حال فانه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إنه في الوقت الذي يواصل فيه الحكم في سوريا جهوده من أجل استعادة، كل ما يمكن استعادته من القرى والمناطق والمواقع التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية في سوريا ، بمسمياتها المختلفة ، وهذه مسؤوليته في النهاية ، دفاعا عن الشعب السوري الشقيق ، وله قانونيا وسياسيا ان يستعين بكل من يمكن أن يساعده في القضاء على التنظيمات والجماعات الإرهابية في سوريا ، فإنه ليس مصادفة أبدا ان تجنح فصائل المعارضة السورية ، اتساقا واستيعابا لحقائق الواقع على الأرض ، نحو الحل السلمي بشكل اكبر من ذي قبل . وذلك يقينا ايضا انه من غير الممكن لا للحكم ولا للمعارضة السورية حسم الموقف عسكريا لصالح اي منهما ، وان كان يمكن لهما معا حسم الأمر عسكريا ضد داعش وفتح الشام والجماعات الإرهابية الأخرى ، والتفرغ لإعادة بناء سوريا مرة أخرى، وهو ما سيستغرق بالضرورة سنوات عديدة تكون فيها سوريا منشغلة بشؤونها الداخلية واعادة البناء، ثم لا يمكن حسابها ضمن القوة العربية الجماعية، وذلك أحد أهم أهداف مخطط التخريب للدول العربية المؤثرة .
على أية حال فان مما له أهمية ودلالة، إن تقترب منصات المعارضة السورية الثلاث من فكرة تشكيل وفد موحد للمعارضة السورية للمشاركة في المفاوضات مع الوفد السوري الحكومي. صحيح هناك عشرات الجماعات والميليشيات مختلفة الالوان والشعارات في اطار المنصات الثلاث المشار إليها وخارجها ايضا، وكان هذا التشرذم، ولا يزال، اهم عناصر إضعاف المعارضة السورية ، عسكريا وسياسيا, ولكن الصحيح ، والضروري ان يتم تجميع وتوحيد فصائل المعارضة ، أو على الأقل توافقها على خطوط ومواقف مشتركة ، وهذا هو ما حاول دي ميستورا العمل على تحقيقه في جولة جنيف الرابعة . ومع ادراك صعوبات التوصل الى دمج فصائل المعارضة السورية ، أو تجميعها في اطار أو تحت مظلة واحدة ،
لاعتبارات ومنافسات وحسابات اقليمية ودولية معروفة ، تستخدم بعض فصائل المعارضة كقفازات للعرقلة ولتخريب الجهود احيانا في أوقات محددة ،
إلا أن من اهم ما تمخضت عنه الجولة الرابعة في جنيف ، انها فرضت على منصات المعرضة الثلاث ( منصة الرياض ومنصة القاهرة ومنصة موسكو )
التفكير والعمل للتنسيق فيما بينهم على الأقل ، وتجاوز موقف نفي بعضهم للبعض الآخر لاعتبارات معروفة . ومن المأمول ان تنجح الاتصالات بين المنصات الثلاث لزيادة درجة التنسيق ، أو حتى تشكيل وفد موحد فيما بينها ، سيكون بالضرورة داعما لمواقفها ومطالبها من ناحية ، وضروريا أيضا بالنسبة للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية السورية، التي ستضم كل القوى السورية من ناحية ثانية. أما نفي الآخر، أو توهم استئثار تمثيل إحدى المنصات، دون غيرها، للشعب السوري، فإن ذلك ليس في صالح المعارضة ولا الحل السياسي . من جانب آخر، فان الجولة الرابعة في جنيف شهدت ما يمكن تسميته تجسير جزء من الفجوة بين الوفد الحكومي ووفود المعارضة ، عبر الجلوس على مائدة تفاوض واحدة ، وذلك خطوة نحو المفاوضات المباشرة بين وفدين احدهما حكومي وآخر للمعارضة في الجولة القادمة ، اذا نجحت منصات الرياض والقاهرة وموسكو في التوافق فيما بينها على مثل هذه الخطوة الهامة ، والضرورية ايضا.
*ثانيا : انه بالرغم من أن تبادل الاتهامات والانتقادات بين وفد الحكومة السورية ووفود المعارضة ، خاصة بعد تفجيرات حمص الإرهابية ضد مقرات الأمن في المدينة ، بالتزامن مع بدء جولة جنيف الرابعة ، في محاولة لنسفها ،وبالرغم أيضا من حرص الوفد الحكومي على جعل مناقشة مسألة مكافحة الإرهاب احد بنود المفاوضات من جهة ، وحرص وفود المعارضة – منصة الرياض بشكل أساسي – على جعل مسألة الانتقال السياسي في سوريا ذات أولوية في المفاوضات اتساقا مع «جنيف 1 « وقرار مجلس الامن رقم 2254، من جهة ثانية . إلا أن نجاح ومهارة دي ميستورا تمثلت في قدرته على استيعاب ذلك كله ، والدخول في مناقشات منفصلة مع الوفود المختلفة ، والخروج بصيغة ، أو ورقة تضمنت 12 بندا تكون اطارا وأساسا للمفاوضات ، والمهم ان كلا من وفد الحكومة ووفود المعارضة قد قبلت بها ، بشكل أو بآخر ، وهو انجاز بالفعل ، ما كان يمكن ان يتم بسرعة أو بدون مجهود ومهارة من جانب دي ميستورا، وبضغوط كذلك من جانب موسكو التي لوحت بشكل واضح بأن البديل هو تقسيم سوريا ، اذا فشلت الأطراف في القبول بالتفاوض وفق مقترحات دي ميستورا . وعلى ذلك فانه يمكن القول انه اصبح هناك الآن عناصر واطار واضح ومحدد للمحادثات التي تسير نحو الحل السلمي في سوريا . نعم قد يحاول هذا الطرف أو ذاك المماطلة أو كسب الوقت ، أو حتى عرقلة السير نحو خطوات محددة أو ملموسة ، واسباب ذلك متعددة على جانب الحكومة وجانب المعارضة ايضا ، ولكن بعد ورقة البنود الاثنى عشر والموافقة عليها، فإنه يسهل تحميل الطرف المتقاعس أو المعرقل مسؤولية ما يقوم به ، بكل ما يمكن ان يترتب على ذلك من نتائج ، سوريا واقليميا ايضا . صحيح ان طريق الحل السياسي في سوريا هو طريق الألف ميل ، لأسباب كثيرة ومطامع مختلفة ومتعددة ، ظاهرة وباطنة ، ولكن الصحيح أيضا هو ان جولة جنيف 4 مثلت الخطوة الأولى منها ، تمهيدا لانطلاقها ، وهو ما سيستغرق وقتا غير قليل بالضرورة .
*ثالثا: انه اذا كانت جولتا مفاوضات «استانا-1» و»استانا – 2 ، اللتين رعتهما موسكو ، وادتا الى الهدنة في سوريا منذ أواخر ديسمبر الماضي، واستمرارها ايضا ، برغم أية خروقات ، قد دعمتا التأثير السياسي والفعلي لموسكو بالنسبة لجهود ومحاولات حل المأساة السورية ، التي تريد موسكو الخروج منها بهالة سياسية ومكاسب ملموسة على الأرض، فان جولة «جنيف 4 « دعمت في الواقع الدور الروسي ، ولم يكن مصادفة ان تحرص موسكو على التأكيد باستمرار ان جولات استانا ليست بديلا لجنيف ، وان جولات جنيف تتم برعاية الامم المتحدة ، وان جولات استانا هي لمساعدة جولات جنيف ولدعم جهود دي ميستورا ولا تتقاطع معها ، وكان ذلك ذكاء روسيا لطمأنة الأطراف المختلفة الإقليمية والدولية بأن روسيا ملتزمة بمحادثات جنيف وانها تحرص على العمل في اطار الأمم المتحدة لحل الأزمة سلميا . وبالفعل مارست موسكو ضغوطا كثيرة لتأمين نجاح جولة «جنيف 4» ، وعدم فشلها ، لان فشلها كان سيئا أثر بشكل سلبي كبير على جهود موسكو في حل الأزمة خلال الفترة القادمة . ومع ان واشنطن مالت الى الانتظار ، تاركة موسكو لتغرق ، وساعدت على امكانية ذلك من خلال مجلس الأمن الدولي، إلا أنها تدرك الآن ان من المصلحة ترك روسيا تنجح ، والتنسيق معها في هذا الشأن ، ولعل ذلك هو ما سيكون مجال تفاوض واتصالات بين موسكو وواشنطن في الفترة القادمة . نعم جولة جنيف 4 لم تنجح نجاحا مدويا ، ولكنها نجحت في وضع قطار التسوية السياسية على القضبان وتحديد عناصر واطار الحل وبقدر اتفاق واشنطن وموسكو سيكون قوة وحركة قطار التسوية في الفترة القادمة.