أمواج: تـــأمَّــــــلْ

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

مع إشراقة كل صباح تنسج الشمس خيوطها على الطبيعة فتزيدها جمالا وبهاء ونقاء، وتزيد النفوس انشراحا وارتياحا، بعد نوم سبات ورحلة دامت ساعات في ملكوت الله، تعبر بنا الأحلام بين الأزقة وكأننا نعيش حقيقتها بينما نحن بأرواحنا فقط نسبح ونسيح في هذه الأرض وبين جنباتها وكأننا نطير على براق، يعرّج بنا بين الأمكنة، نستكشف الجديد ونرى أفلاما في العقل الباطن كأنها الحقيقة ماثلة بين أيدينا، نغوص في مساحات الجمال الطبيعي ونستمتع بما حولنا من أصوات الطيور وحفيف الأشجار وخرير المياه وضجيج السيارات وجميع الكائنات ونحن نعبر الطريق ذاهبين للعمل أو لرحلة أو للمدرسة أو أي مكان نعشقه أو نعتاد على ارتياده.
ومع كل تأمل تظهر لنا الحياة وتتجلى كأنها عروس لم يطمثها إنس ولا جان، نتأمل في كل تفاصيلها، نشم رائحتها، نسير في طرقاتها، نعبر شوارها، تظهر لنا حركتها، تختال في مشيتها بزهوّ، تخرج من عباءة الحياة الرتيبة وضغطها وتوترها، حينما نتأمل إنما نختزل الصعوبات في أذهاننا وتتسع لدينا مساحة الارتياح نحو البناء، وتبقى حواسنا تترصد كل جميل عبر فوهات لا ننتبه لها كثيرا في حياتنا اليومية التي تلهث وراء المادة، إن تحمل عليها تلهث أو تتركها تلهث، فدعها تلهث وراء الجمال لتستمتع بما هو موجود على الأرض لتتألّق النفس وتتأنّق وتبتعد كثيرا عن لغة الحرب والآلة القاسية التي دمّرت كل جميل في الحياة ولم تعد بعدها إلا سوداء قاتمة.
تأمّلْ لتجد نفسك في موضع لا تحسد عليه، تجد نفسك ملكًا في الحياة كأنك تعيش في قصر منيف وحولك غلمان مخلدون يأتونك بكل ثمين وليس هناك أثمن من راحة البال والاستمتاع بالموجود، تأمّل لترى الوجود على حقيقته ولتسبر أغوار الحقائق، وتنظر في هذا الملكوت الذي سخره لك الله عز وجل لا لتعبث به بل لتستمتع بوجودك معه وتقرأ تفاصيل حياته عبر ذبذبات من التواصل بين الخلائق. وكثير من الناس من حاول أن يخاطب الآخر غير الإنسان فوجد متعة لا تقدر بثمن، بل انقطع عن الإنسان لأنه نزع عن نفسه صفة الإنسانية ليستبدله بما هو خير منه حينما لا يجد فيه إنسانية، فربما يقضي حياته مع كائن آخر يفهمه ويستمتع بنغماته الموسيقية سواء زقزقة عصافير أو حفيف أشجار أو خرير مياه أو غروب شمس أو شروقها أو سرب حمامات أو أمواج بحر أو غيرها كلها يمكن أن تعوض الإنسان الذي لم يعد يفقه غير لغة الدم القاسية المنتشرة في كل مكان.
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التأمل الذي تحدث عنه القرآن، ودعا إليه الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماعيون، وحثت عليه الأعراف الدولية، التأمل الذي يفيد الإنسان ويخرجه من حالة التوتر والقلق والاضطراب والمرض النفسي، التأمل الذي كتب عنه الكثيرون واحتاج إليه المربكون في حياتهم ملاذا وخلاصا وتخلصا مما هم فيه، لأنهم لا يخاطبون إلا هذا العالم المجنون المليء بالمجاملة والمحاباة والتظاهر بالألفة والمحبة والتعاون، العالم الذي سرعان ما يسقط في أول اختبار، وفي أول اختبار تظهر معادن الرجال، فالتأمل يجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على القرار، وقبل أن تحكم على أخيك الإنسان، هل هو صديقك أو عدوّك، إنها مفارقة الحياة التي نعيشها اليوم والتي جعلها الله تبارك وتعالى مليئة بالمتناقضات، والإنسان يعيش بين فكيّ الأسد كما يقال، بين هذه المتناقضات يتجول في ربوعها ويستمتع بأروقتها وهو يعبرها رواقا رواقا، قد تتعبه وقد تفسد عليه مزاجه وهو لا يعلم ما تخفي وراءها من محن أو منح.