«نارنجة» لجوخة الحارثية.. وجهٌ عالقٌ بين قناعين

طارق إمام –

(1)
يكمن أحد الفوارق بين الواقع (إن كان ثمة ما يمكن أن ندعوه واقعاً) ونظيره الافتراضي، في الإمكانية التي يمنحها الثاني دون الأول للذات الإنسانية في تعاطيها إياه، على التوحُّد معه. يمنح الواقع الافتراضي هذه الإمكانية بسلاسة للذات، ليس فقط لأنه زائف، محض نسخة مقلدة، لكن لأنه في الأخير، لعبة. الواقع أيضاً مُعطى عشوائي، بحاجة لمن يسبغ عليه المعنى، بعكس الواقع الافتراضي، الذي يضع الكائن وجهاً لوجه أمام الدلالة. كذلك لا يجب أن نغفل حقيقة أن الواقع الافتراضي موضوع للتعاطي، حيث تتعاطاه (ولا أقول تستهلكه) الذات التي، في الواقع الفعلي، تعيش كـ«منتِج» رغم أنفها. الذات إذن في الواقع الافتراضي «متلقٍ» يتقنع بقناع «المُنتِج»، وبالتالي فلديها الإمكانية لتكون وجوداً لاحقاً على نصٍ سابق، يتلقاه بقدر ما يعيد إنتاجه، وهو نفسه ما تفعله «زهور»، البطلة والساردة لرواية جوخة الحارثي الأحدث «نارنجة».
وفي ظني، فإن «نارنجة»، (دار الآداب، بيروت)، هي رواية الذات العالقة بين واقعين افتراضيين وليس واحد، يبدو كل منهما غارقاً في «حقيقيته» و«ثقله» لكنهما، مع لعبة الذهاب والعودة التي تمارسها الساردة دون كلل، يجري تفكيكهما على مهل لنكتشف أننا ننزع قناعي (الماضي/‏ الحاضر) لنصير أمام وجه واحد، هو وجه الساردة، وجه يلائمه أن يحيا بلا زمن، أو، حسب تعريف الساردة نفسها: «كأن اللحظة أبد».
(2)
«التاريخ» هو السردية «الماضوية» التي تستند إليها «نارنجة»، هو نص الاسترجاع الذي يخيَّم على الرواية مستنداً على الذاكرة الفردية، والذي لا يمكن أن ننظر إليه هنا كأكثر من «متخيل». التاريخ حكاية وليس حقيقة مطلقة أو سلطة متعالية تتأبى على التحريف، وهو هنا «حكاية شخصية» بطلتها جدة الساردة، أي أن التاريخ ينطلق من مساحة تخييل خاصة تحتلها «محكية صغرى» في ضرب أوَّلي للتاريخ بوصفه حكاية كبرى. «كأن الماضي لم يحدث قط»، واحدة من العبارات المركزية في هذه الرواية الذاهبة للشعر، تُحوِّل التاريخ إلى ذلك الواقع الافتراضي الذي يمكن للتخييل إعادة اختراعه إن أراد. مركز التاريخ في رواية جوخة الحارثي هو «الأنثى» وليس «الرجل». رغم أن الرجل، والد الجدة، هو الفارس المحارب الذي يتخلى عن ابنته وابنه من أجل مجد خاسر. الأب مكانه «كتب التاريخ» الرسمية، أو هكذا يُفترض، أما الابنة، التي ستصير الجدة، فمكانها حكاية شفهية تتأملها الحفيدة وتعجز عن تدوينها، وكأنه رفض لا واعٍ لأن تصير الأنثى، بتحولها لجزء من نص مكتوب، صفحة من «التاريخ الرسمي» الذي يخاطب الوعي الجمعي مباشرةً على شرف «الاتفاق». الأنثى هي تاريخ الفرد بينما الرجل هو تاريخ الجماعة. أليست الرواية، كنوع لا ينفصل عن التاريخ، تاريخاً موازياً البطل دائماً فيه هو الخاسر؟ وأليست «الذاكرة الفردية»، وهي هنا ذاكرة «زهور»، إدانة «شعرية» للذاكرة الجمعية: ذاكرة الوعي الذكوري، السردية بالأساس؟
ثم هناك سردية الحاضر، والبطل فيها هو «المكان»، مدينة بريطانية غير مسماة، حيث واقع لا يقل افتراضية (يدعم ذلك تغييب اسم المدينة)، فعندما تستعير ذات ما مكاناً بهدف غرضي (الدراسة)، موقوت بنقطة النهاية، وبلحظة المغادرة المحددة سلفاً، لا يغدو الواقع واقعاً إلا بقدر ما يتسلل منه للذات، كونها لا تذهب طواعيةً للتورط في شرطه. وهكذا، فإن «زهور» تحيا بين واقعين افتراضيين، بطل الأول هو الزمن الماضوي، وبطل الثاني هو المكان الحاضر. وبينما يخلق الزمن المكان في السردية الأولى، تفعل الثانية العكس، بحيث يؤسس المكان لعلاقة الساردة بحاضرها. بين هذين الجناحين تتولَّد محكيات أخرى أصغر، تغذي النص وتدعمه بمقابلات «مرآوية» حيث كل موقف سردي مرآة لنظير آخر يمثل إعادة استقراء له: سلمان والثريا وبينهما منصور، عامر بن شريفه وسفيان وسمية الدينمو، شخصيات تومض وتخبو مثل إضاءات قصيرة تولد وتحتضر لكنها تغذي شرايين النص بلا هوادة.
(3)
لا تعيش «زهور» فقط عالقة بين زمنين/‏ مكانين، لكن في الحقيقة، فإن زهور تعيش عالقة بين امرأتين، تعيش كل منهما بتعريف يناقض هويتها الحقيقية: جدة عذراء (حيث لا يمكن أن تكون ثمة جدة عذراء) و«فتاة» ليست بعذراء رغم أنها تقدم نفسها هكذا مجتمعياً، كونها تقيم علاقة سرية بزيجة صورية. هذا الارتباك الأوّلي بين هويتين مقلوبتين للمرأة، يبدو أعتى في تقاطعه مع جناحي الرواية الكبيرين: الماضي، حيث مسقط الرأس، والحاضر الثلجي في بريطانيا. إنها المفارقة في الحقيقة بين الغريزي أو الفطري من ناحية، والثقافي من ناحية أخرى، تتحرك بينهما «زهور» متسائلة بأكثر مما هي فاعلة، ومتأملة في الأخير وإن ادعت التورط، وبالأساس، مُكبَّلة، ما يجعل حركة «وعي» زهور في الرواية يتطابق مع بنية الرواية نفسها: استرجاعات للماضي وقفزات باتجاه الحاضر لكنها دائماً تلتقي عند النقطة نفسها «المصب». نعم تشبه رواية جوخة الحارثية هذه الحركة الصاخبة بين منبع ومصب. منبع الحكاية، في لهاث الماء كقطع الحجارة الصلبة، ومصبها حيث السكينة (ولن أقول الركود)، والرغبة هي تحويل الصاخب إلى «متهادي»، والخشن إلى منسجم، يعرف نقطة النهاية. رواية جوخة الحارثي إجمالاً تبدو محاولة مستحيلة لتحويل الناتئ والشاذ إلى قابل للتعاطي، حتى لو كانت ساحته الأخيرة هي الفن، أي التخييل، أي الكذب. هل «زهور»، وفق ذلك، جسرٌ بين زمنين، ثقافتين، عالمين؟ أم أنها في الحقيقة ذلك الصدع الذي يستعصي على الرأب، وكأنها تشي، دون أن تفصح، أن ما ندعوه «تصالحاً» محض تنظير تثبته الفرضيات بقدر ما تنكره التجربة الحسية؟
كلا «الجدة» والصديقة «كحل» تعيش باسم منقوص. الأولى «بنت عامر»، فقدت اسمها بفعل الثقافة الجمعية، ليقترن باسم الأب طالما لم يحصل الاسم لنفسه على ابن حقيقي يُلحق به لتصير «أم فلان». بالمقابل، فإن «كحل» لا تملك سوى اسمها المفرد،- كأنها، وعلى العكس من الجدة، لا تملك أباً تكمل باسمه اسمها، كأنها هوية منبتة لن يكملها رجل سوى العشيق. كلاهما تدفعان الثمن نفسه، فبينما تُطرد «بنت عامر» من فردوس العائلة تجد كحل نفسها في علاقة مائعة، مموهة، يساوي فيها حضور الرجل «عمران» غيابه. ولن أفرط في التأويل بالمقارنة بين اسمي الرجلين الأكثر حضوراً في هذه الرواية «عامر» والد الجدة، و«عمران» زوج كحل، لكني أيضاً لا أستطيع أن أمنع نفسي من التوقف ولو قليلاً أمام دلالة محتملة لذلك التشابه الشديد بين الاسمين، وكأنهما، باختلاط اسميهما على القارئ في بعض اللحظات، يمكن أن يتبادلا الأدوار ليصيرا رجلاً واحداً. فضلاً عن ذلك، فنحن أمام اسمين (عامر/‏ عمران) ذاهبان لدلالات البناء والتشييد بينما حقيقتهما هي العمل كمعولي هدم، وبالأخص لفكرة «الأسرة»، والتي هي لبنة أي عمران أو تعمير.
الجدة أيضاً تشترك مع «كحل» في الوضعية الطبقية وتحولاتها، فكبلاهما تنتمي لطبقة نبيلة، وكلاهما تهويان من حالق، الأولى لتصبح أقرب لخادمة بعدما تخلى عنها الأب، والثانية لتتزوج سراً. بينما يموت شقيق الجدة مبكراً، تموت «سرور» شقيقة بمعنى أكثر مجازية، فلرفضها تلك الزيجة التي لا تلائم الوضعية الاجتماعية، تموت كأخت وتحضر كخطاب غاضب.
زهور لا تنتمي لجدتها بالدم، فهي محض جدة «صورية»، استعارت لنفسها ابناً ثم استعارت من بعده ابنته لتصبح حفيدةً لها. بأي معنى يمكن أن نحكم على علاقةٍ كهذه باعتبارها جزءاً من «واقع الساردة؟»، إنه بالأحرى، مجدداً، واقعها «الافتراضي»، الذي يطابق الواقع لكنه بالاقتراب منه نكتشف أنه ليس أكثر من صورة، أو «نسخة» غير أصلية من الواقع «الأصلي» الذي لا وجود له في هذه الرواية. فبالتقاطع، لن يمثل حاضر الساردة في سياق «كوزموبوليتاني»، تحضر فيه جارة نيجيرية وصديقة باكستانية في قلب رهط من ألسنة أخرى، لن يمثل أكثر من «تكئة» للتقليب في تربة أفكار جاهزة، رعتها أيادٍ أخرى لتنبت زهرة مجانية (أتكون هذه الزهرة هي نفسها زهور التي حصلت على اسم لا يخلو من دلالة أيضاً؟).
في الحقيقة «زهور» ثمرة، هي «النارنجة» التي صارت عنواناً للرواية، وهي الشجرة التي زرعتها الجدة لتصير حصادها الأخير: «كانت يدها خضراء فزرعت كل شجيرات الليمون والنارنج في حوش بيتنا، وكانت نارنجة بعينها هي الأحب إليها، لم تذبل أي شجرة زرعتها واعتنت بها، لكنه كان بيتنا وحوشنا وشجرنا، كانت تعيش معنا فقط، لا تملك البيت ولا الشجر ولا حتى نحن، فلم نكن أحفادها في الحقيقة». نارنجة هو الاسم الاستعاري لزهور ولبنت عامر معاً، اسم واحد لشخصين، وهو بالتالي الرابط الأصيل (كونه أيضاً رابط شعري) بينها وبين الجدة رغم خصام الدم. فبتجذر الشجرة في الأرض تمنح «الطبيعة» عزاء مجازياً لمن زرعت في أرض غيرها.
(4)
وفق تأسيسي للواقع الافتراضي، سيتسنى لزهور أن تتوحد ببطلتيها، فتصبح هي «الجدة»، تحل فيها مستعيرةً حكايتها، مثلما تصبح هي «كحل»، متبنيةً خطابها ومأزقها حد أنها تتعامل مع حبيبها في لحظة ما كأنه رجلها هي. كأن الواقع الوحيد المتاح في هذه الرواية هو حلم اليقظة الذي تعيشه «زهور»، وهو، مجدداً، ما يمنح بنية هذه الرواية معقوليتها الفنية، فهي تتنقل بين الزمنين وفق قانون حلم اليقظة، الذي يؤاخي بين اللحظات المتباعدة في سياق قانونه الاستدعائي المدعوم بذاكرة لا تستدعي المحكيات في سياقها الخطي. وهو أيضاً ما يجعلنا أمام بنية «شعرية» لا تلتفت كثيراً لقانون التعاقب ولا لخطية التتالي الحدثي.
تحظى الرواية بمشهدية ملفتة، تدعمها لغة حسية يلعب فيها فعل «الرؤية» دوراً محورياً قبل أن يتحول من رؤية خارجية للأشياء في تمظهرها لرؤية استبطانية يلد فيها المشهد الآني نظيره السالف: «بقيتُ لبرهة أحاول ملاحقة انعكاس الضوء على ستارة الخرز، ثم صعدتُ الدرج، صعدتُ طابقين. لمع في ذهني عقد خرز كان للغجرية التي تتسول تمرا في قريتي، رأيت دمها يسيل بجانب العقد المحلول في التراب واختلَّ توازني، كان على يد كحل اللينة أن تكون في يدي لتسندني. استدرتُ راجعة، ما إن أصبحتُ في الشارع حتى ركضتُ بأقصى قوتي». هكذا يحيل كل مشهد في الحاضر لنظيره في الماضي ومن خلالهما يتولد مشهد ثالث هو مشهد «زهور» الهجيني. السرد نفسه، والذي في جانب منه يتحقق كخطاب مباشر لطبيب نفسي، يتمحور حول «فخ اللغة». (أليست اللغة بدورها سلطة أسبق من وجودنا نحن مضطرون للبوح الفردي عبر قانونها العمومي؟). اللغة سؤال كبير أيضاً في هذه الرواية، لأن اللغة ملتبسة بالإيديولوجيا، ولأنها لا تطابق أبداً ما تطمح في التعبير عنه. ولذلك، فإن علاقة زهور بالمعالج تبدو في عمقها (الشعري أيضاً) محاولة للنجاة من التباس اللغة، وكأن مأزق اللغة هو نفسه مأزق الوجود الذي لا يجد لنفسه تمثيلاً إلا عبر اللسان.
«نارنجة» رواية محتشدة، يبدو همها النهائي تخليص أنامل بطلتها (بطلتنا) من جمودها، لتمد يدها مزيحة تلك الطبقة الهشة التي تتلبس الوجه، والتي ليست أكثر من قناع، يكتسب سمكه من تلك الهشاشة بالذات، ليتكشف الوجه الذي ظل حياته كلها يخشى أن يتعرف على نفسه.. ربما يتعرف على نفسه، ولو للحظة تشبه الأبد، بعيداً عن مرايا الآخرين.