نوافـذ: صناعة السخط

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

هاتفت صديقا لأعرض عليه مقترحا ما، استمع إلى نصف المحادثة فقاطعني بأن ما اقترحته لا يصلح أبدا، ولا يمكن تنفيذه، خوفا من أن يجر ذلك غضب وسخط الآخرين. أغلقت ملف المقترح وأغلقت معه المكالمة واجتثثت الفكرة من جذورها.
السخط أصبح صناعة يمتهنها الكثيرون، هي صناعة رائجة وتلقى قبولا جيدا في سوق الحياة، تجارها هم من لا يعجهم شيء ولا يرضون بشيء، هم حتى عن أنفسهم ساخطون، لا يرون شيئا سوى السواد ولا يعترفون بلون آخر غيره، شعارهم الذي رفعوه لتنشيط بضاعتهم هو خالف تعرف، لا يفرقون بين نقد وسخط مع أن البون بينهما شاسع، صحيح أن كثيرا مما في الحياة لا يبعث على الرضا أو التذمر أو النقد وأن كثيرا من الأمور لا تمشي على وفق هوانا لكن هذا لا يعني أيضا أن يتم تحويل كل هذا لصناعة سخط تعمم كل شيء ولا ترضى بأي شيء.
ما نلمسه اليوم من واقع محلي وهو في مجمله جزء من واقع عربي أكبر ما هو إلا مجموعة من التجارب تضافرت كلها لتكوّن حالة من عدم الرضا العام في المجتمع تسببت في تكوين هذه الصناعة التي بدأت تتشكل في عدم تقبل أي رأي آخر يناقض ما يراه الآخر أو لا يتفق معه، وإن اختلف معه فسيكون السخط العام هو مصيره، وإن خرجت عن نطاق أو مسار معين لا يتفق مع المسار العام الذي أريد لها أن تكونه فيكون السخط مصيرها أيضا.
يتفنن الساخطون في تنويع استخدام شتى الوسائل الممكنة للتعبير عن سخطهم فيما لا يعجبهم وما لا يروق لهم، فلم يعد الكلام المباشر في تجمع بسيط يلبي حاجة الساخط لتعزيز صناعته، بل إن الأمر تعدى حتى استخدام وسائل الإعلام التي كانت دوما رمزا للساخط للتعبير عن سخطه، فتطور الأمر إلى اللجوء إلى وسائل أكثر انتشارا وسهولة في الاستخدام ولا تستلزم وجود رقيب أو عتيد عليها ليحد من انتشار هذه الصناعة، فكانت وسائل التواصل والتراسل الحديثة هي المنبر الجديد الذي يستخدمه الساخطون الذين زاد عددهم عن المألوف بسبب تطور وتسارع نمو الشبكات الاجتماعية.
الباحث في أمر هذه الصناعة يجد أنها في ازدياد وتطور مستمرين وشبكاتها تزداد يوما بعد يوم فتتعدد ألوانها وأشكالها باختلاف المكان الذي تتواجد فيه وباختلاف شخوصها المحركين لها، والراصد لهذا الحراك يستقرئ أن تفشي هذه الصناعة في مجتمع ما يمكنها أن تؤثر سلبا على نمو وتطور المجتمعات فلم تبن مجتمعات متطورة حديثة أو قديمة على سخط وكره وغضب بل بنيت على حب ووئام وتقبل لكل الآراء والأطياف واندماج لكل الثقافات والأعراق، لذا فإن على القائمين على أمر المجتمع وصلاحه أن يهموا ببحث أسباب هذه الظاهرة وتشخيصها ووضع الحلول التي تكفل عدم انتشارها في المجتمع وأفراده والوصول إلى عمق المجتمع للتحاور معه عما يؤرقه أو يقض مضجعه ويجعله ساخطا على أشياء قد تبدأ بسيطة وتستفحل حتى تكون سخطا عاما لا يمكن التحكم فيه إن تفشى.
هنالك يقين بأن أيدي تقوم بسقي وتغذية وشحذ هذه الصناعة ممن لهم مصالح وأجندات مسبقة يعملون على تحقيقها لسنوات وعقود طويلة، وهنالك يقين مترسخ أيضا من أن كثيرا من الممارسات المشروعة وغير المشروعة يمكن أن تمارس على بعض المجتمعات لإنعاش وإذكاء صناعة السخط فيها من خلال الضغط على بعض الجماعات لجرهم للقيام بأمور قد لا تراعي المصالح العامة في المقام الأول وإنما هي اعتبارات تبدأ شخصية لتكبر وتتعملق لتصبح كرة كبرى لا يمكن السيطرة عليها يمكنها زرع فوضى خلاقة في المجتمع تكون نتائجها وخيمة على الجميع.
علينا الرجوع إلى أنفسنا وعدم الانسياق وراء ما يقال وتكوين آرائنا بأنفسنا قبل أن نقع ضحية لمخططات الآخر وعلينا كذلك بالمقابل أن ننصت إلى الآخر ونستمع له ونحاوره وأن لا نصادر فكره كي لا نصل إلى مرحلة السخط ونبحث عن علاجات ناجعة له.