هرموش: السالمي عول كثيرا على فن التفسير و فن الفروق والفقه المقارن في فهم القرآن واستنباط الأحكام

أهم علامات «فقه النفس» عدم التعصب للمذهب على حساب الحق –
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني –
922172قدمت ندوة الاحتفاء بالعلامة نور الدين السالمي التي أقيمت بقاعة المحاضرات في جامع السلطان قابوس الأكبر الأربعاء الماضي والتي نظمتها اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم بالتنسيق مع مكتبة السالمي الأهلية بولاية بدية ست أوراق عمل. وقد وضح البروفيسور محمود مصطفى عبود هرموش في ورقته البحثية المنهج الأصولي عند الإمام السالمي حيث ذكر أن هناك سبعة شروط يجب أن تتوفر لدى المجتهد عند السالمي أولها: أن يكون عالما باللغة نحوا وصرفا، وأن يكون عالما بالأصول، وأن يكون عالما بالكتاب، ناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومطلقا ومقيدا، وظاهرا ومؤولا .. الخ، وأن يكون عالما بمثل ذلك في السنة. وأن يكون عالما بفقه النفس. كما فصل أنواع المجتهدين على رأي السالمي أنهم على درجات: الدرجة الأولى: المجتهد المطلق، والدرجة الثانية: مجتهد المذهب، ومجتهد الفتيا.
وأوضح الباحث في الفصل الأول من هذا المبحث الأصول التي بنى عليها السالمي اجتهاده وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس. وتطرق في الفصل الثاني إلى منهج السالمي الاجتهادي، وتضمن عددا من المباحث احتوى المبحث الأول: في استخدامه فن التقعيد، وفيه ثلاثة مطالب: القواعد الأصولية والقواعد الفقهية والقواعد العقدية والسلوكية. أما المبحث الثاني: في استخدامه الفنون، وفيه ثلاثة مطالب: فن التفسير وفن اللغة وفن الفروق. مشيرا إلى أن الإمام السالمي درس القواعد الأصولية كلها في طلعة الشمس إلا أنه بحث الكثير منها في معارج الآمال، منها: إن قاعدة (الإجمال خلاف الأصل)، كما أن الأحكام تعلق على المعاني لا على الأسماء وإذا أجمع المسلمون على وجه فليس لأحد بعدهم أن يجمع على وجه آخر وإذا اختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب فلا يحمل المطلق على المقيد وإذا تعارض واجبان قدم أوكدهما وإذا تعذر الأداء ارتفع الوجوب وإن تقدم سببه وإذا توفرت الدواعي على نقل الخبر ولم ينقل دل ذلك على كذبه وإذا جاء التخصيص من الوجه الصحيح بطل التمسك بالعموم وغيرها من القواعد. وأشار إلى أن السالمي بث في كتابه معارج الآمال طائفة كبيرة من القواعد العقدية التي تتفرع عليها مسائل فقهية لها تعلق بالعقيدة، منها: قاعدة (البراءة لا تكون على شبهة) وقاعدة (التكفير لا يكون إلا بالدليل القاطع). ونحو ذلك كثير.

فن اللغة

وفي المبحث الثاني في استخدامه فن اللغة أوضح الباحث أن السالمي يرى أن اللغة العربية هي لغة الخطابات الشرعية التي خاطب الله بها العرب، وهي أشرف اللغات على الإطلاق، وقد نزل القرآن على معهود العرب في تخاطبهم. وقد اختص الله هذه اللغة بخصائص ليست في غيرها من اللغات، ففيها الظاهر وفيها المجمل، والخفي والمشكل، وفيها العام والخاص والعموم الذي يراد به الخصوص، وفيها الحقيقة والمجاز، وفيها الإيجاز والإطناب، وفيها الزيادة والحذف، وفيها التصريح والكناية والتعريض، وفيها التورية، وفيها التقديم والتأخير، وفيها التعريف والتنكير، وهذه أمور تخل بالفهم وتبعث على الخلاف، وبقدر ما يمهر العالم في هذه اللغة بقدر ما يستطيع أن يبين عن الله ورسوله.
وفي المبحث الثالث في استخدامه فن التفسير أشار الباحث إلى أن الإمام عول كثيرا على فن التفسير في كتبه لأن فن التفسير فن عظيم به يقتدر على فهم كلام الله، واستنباط الأحكام، ومعرفة دلالات الآيات التي تشتمل على الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والناسخ والمنسوخ ومعرفة أسباب النزول وأساليب القرآن في البيان وغير ذلك. ومن أمثلة ذلك تفسيره في معنى قوله تعالى: (غير أولي الإربة من الرجال) ذكر رحمه الله اختلاف المفسرين في معنى الآية، فقيل هم البله الذي يتبعون الرجل إلى بيته من أجل الطعام ولا حاجة لهم بالنساء، ونسب هذا القول إلى الحسن، وقيل يحتمل أن يكونوا الشيوخ الصلحاء يتبعون الرجل إلى بيته ويغضون أبصارهم عنهن وينفون عن قلوبهم أمر النساء. وقيل الرجال الأحمقون الذين لا تشتهيهم النساء ولا يستهوونهن، وقيل هم الذين لا يستطيعون غشيانهن، وقيل قوم كانوا في المدينة طبعوا على غير شهوة النساء، وقال ابن عباس: الأحمق العنين، وقيل الشيخ الهرم، وقيل الخصي والمجبوب، وقيل المعتوه الذي لا إربة له بالنساء، وقيل جميع ذلك داخل في الآية، وقيل المراد به المخنث. فالسالمي اطلع على أقوال المفسرين وجمعها كلها لأنه يتعلق بها حكم شرعي وهو حكم دخولهم على النساء، وإبداء النساء زينتهن بحضورهم وفي جميع أقوال المفسرين زيادة فقه وعلم لأنه لا مانع من أن يكون هؤلاء جميعا داخلين في حكم الآية.

فن الفروق

وفي المبحث الرابع تطرق الباحث إلى عنايته بفن الفروق مؤكدا أن من لا يلحظ الفروق لا يحسن القياس، لأنه سوف يكون عاجزا عن التمييز بين المسائل المتشابهة، فيأتي قياسه فاسدا لعدم الاتحاد بين الأصل والفرع وهذا ما يسمونه بالقياس مع الفارق وهو قياس فاسد لا يعول عليه، وذكر الباحث بعض الأمثلة منها: «حكم النظر إلى المتبرجة» فقد ذكر السالمي رحمه الله أقوال أهل العلم في المرأة التي لا تستتر، فذكر أن كلام الأصحاب عدم جواز النظر إليها لأن تبرجها لا يبيح النظر إليها. وقال هشام بن غيلان: سئل أبو عبيدة عن نساء تهامة ونحوها اللائي لا يستترن ويتبرجن فقال: مثل الإماء، فقيل ذلك لبشير فقال: لا لعمري الإماء مال وأما الحرائر فغض عنهن بصرك ما استطعت. وقال السالمي: فهذا كلام من أبي المنذر يدل على ثبوت الفرق بين المتبرجات والإماء، فهو اعتراض على قياس أبي عبيدة حين قاس المتبرجة على الأمة. وفي المبحث الخامس: منهج السالمي في الفقه المقارن أوضح أن منهج السالمي في المناقشة يتلخص في النقاط الآتية: يرد الدليل النقلي لكونه ضعيفا بأحد وجوه الضعف عند المحدثين هذا في السنة، وأما في القرآن فيرده لكونه منسوخا أو مؤولا على غير وجه صحيح أو نحو ذلك. ويرد دلالة العموم لكونه مخصصا، أو دلالة المطلق لكونه مقيدا. ويرد الدليل لكونه معارضا بما هو أرجح منه. ويرد الإجماع بوجوه إما لثبوت المخالف له في عصره أو لكونه إجماعا غير معتبر كإجماع أهل المدينة، أو إجماع الخلفاء الراشدين أو إجماع الشيخين أبي بكر وعمر أو إجماع أهل البيت عليهم السلام، ويعتبرها مرجحة لكن ليست أدلة. ويرد القياس لكونه قياسا فاسد الاعتبار أو لكونه قياسا مع الفارق. وقد يرد الدليل لكونه قول صحابي عورض بمثله أو بأكفأ منه، أو لكونه اجتهادا منه لأنه إذا كان كذلك لا يعتبر قوله حجة على صحابي آخر. وقد يرد الدليل لكونه مفهوم مخالفة خرج عن شروطه لكونه خرج مخرج الغالب أو لكونه خرج مخرج التهويل والتفخيم وغير ذلك من الشروط. أو يرده لكونه ناقلا عن حكم الأصل من غير دليل. ويرد المصلحة إذا خالفت النص والإجماع. ويرد الاجتهاد عموما إذا خالف النص والإجماع ومن عباراته قوله: لا حظ للنظر مع النص والإجماع. كما أن الترجيح عند السالمي محكوم بهذه الضوابط، فهو يرجح المنقول الصحيح على المعقول، ويقدم النص والإجماع على القياس، والمحكم على المنسوخ، والخاص على العام، والصريح على الكناية، والظاهر على المجمل، ونحو ذلك من طرق الترجيح المعتبرة ليس للهوى سبيل إلى ترجيحاته ولا للتعصب سلطان عليها. أما عن عباراته في الترجيح فلم يختر كلمة واحدة وإنما تفنن في اختيار الكلمات نحو قوله: والراجح كذا، أو الصواب كذا، أو قلت كذا وكذا، أو الأقرب للصواب كذا، أو الحق كذا، أو كذا قريب من الحق.. وهكذا.

فقه النفس

وفي المبحث السادس تطرق الباحث إلى فقه النفس عند السالمي والمقصود به معرفة العبد حق الرب والقيام بجميع هذه الحقوق، وقد اتصف بفقه النفس الأئمة المجتهدون، فكانوا قدوة في الدين والورع والزهد والعزوف عن الدنيا، موضحا أن السالمي رحمه الله جُبل على محاسن العادات وكرائم الطباع تجسد فيه الأدب الجم ولا سيما مع أهل العلم، مؤكدا أنه لم ير في كتبه تغايرا أو حسدا أو انتقاصا لأحد، بل يذكر أقوال موافقيه ومخالفيه مع ذكر أدلتهم وافية غير منقوصة، فإن كان للمخالف وجه تأويل ذكره، وهذا من فقه النفس.
وأضاف الباحث: إن من أهم علامات فقه النفس عدم التعصب للمذهب أو الشيخ أو الأصحاب على حساب الحق؛ لأن الحق أحق أن يتبع، والإمام السالمي لم يحاب في الحق أحدا، بل كان يتحرى الحق ولو ظهر على يد الخصم. فهو يرجح مذهب أهل الظاهر في النهي عن البول في الماء الراكد سواء كان الماء قليلا أو كثيرا لا كما قال ابن بركة وهو حمله النهي على الماء القليل. ورجح مذهب بعض أئمة المذاهب على مذهب محمد بن بركة في استحباب الغسل في حق المشرك والمرتد عملا بظاهر قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) ورد قول صاحب الضياء إن أقل مدة الحيض يوم وادعى الإجماع على ذلك، قال السالمي: وهو زعم مردود بما تقدم من نقل الخلاف عن الموافقين والمخالفين فلا يلتفت إليه. ويرجح قول أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف في أقل النفاس على قول محمد بن بركة، ومثل هذا كثير عنده.
وفي المبحث السابع تطرق الباحث إلى قضايا مختلفة منها مواقف السالمي من البدعة والمبتدعة ومن الفقه التقديري وفقه المقاصد وفقه التعايش فأما موقفه من البدعة فهو موافق لرأي كثير من أئمة المذاهب وجماهير أهل العلم إن البدعة هي اسم لما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان لها أصل شرعي معتبر فهي محمودة، وإن لم يكن لها أصل فهي مذمومة. فالبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال. واستدل على تقسيم البدعة بقول عمر في التراويح: نعمت البدعة هذه. ورد على حديث: «كل بدعة ضلالة» أنه عام يراد به الخصوص أو عام دخله التخصيص، وهذا قول الحافظ ابن العربي وابن الأثير وابن رجب وابن حجر والنووي، والدهلوي وكثيرون لا يحصون. ولفظ البدعة حقيقة لغوية هنا لا شرعية فتسميتها بدعة لغة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها وحكمها حكم السنة لدخولها في عمومات الأدلة الشرعية.

فقه التعايش

أما عن فقه التعايش فهناك إطار عام شكل مدخلا لفقه التعايش انطلق منه الإمام السالمي يقوم على مبادئ ومن صور التعايش التي ذكرها السالمي: جواز إعطاء أهل الكتاب الزكاة والصدقات أو شيء من الجزية، وقال إن أهل الكتاب داخلون في عامة الفقراء. وجواز الصلاة في بيوت أهل الكتاب، وإسقاط لفظ الجزية عنهم لكون نصارى العرب من بني تغلب يأنفون من لفظ الجزية، والوفاء بالعهد، وإن ذبائح أهل الكتاب حل لنا، نص السالمي في مشارق الأنوار قال: إنما تحل ذبائحهم ونساؤهم إذا صالحوا المسلمين وتركوا الحرب، أما إذا حاربوا فلا يحل شيء من ذلك منهم.