مستقبل القدس … واحتمالات مفتوحة !!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
تبقى القدس زهرة المدائن في قلب وعقل كل عروبي وكل مسلم ومسيحي حول العالم، ذلك لأنها مدينة الأنبياء المقدسة، وتاريخ القدس هو تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، وتعتبر القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن القدس الشرقية بشكل خاص أراضي واقعة تحت الاحتلال، ولهذا فإن الأوضاع المتأزمة هناك، لا تحتمل مزيدا من القلاقل أو الاضطرابات، حتى وإن كانت مواقف رمزية صغيرة، لكنها تحمل في باطنها معالم دراماتيكية أكبر وأكثر إيلاما.. ما الذي يدعونا لهذا الحديث في هذا التوقيت بشكل خاص؟  

بلا شك الأمر مرتبط بإشكالية وعد الرئيس الأمريكي المنتخب حديثا «دونالد ترامب» بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس، الأمر الذي يعني دون مداورة أو مناورة الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي للمدينة المقدسة، وبأنها عاصمة دولية لإسرائيل وهذا في واقع الأمر سوف يمثل تبدلا كبيرا في التوافق الدولي المستمر منذ 70 سنة، بل ربما يعني للبعض الآخر أن جهود البحث عن السلام الضائع بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد وصلت بالفعل إلي طريق مسدود أو أنها انتهت إلى الأبد.. هل للقدس بداية موضع مختلف في سياقات القانون الدولي والقرارات الأممية منذ عام 1947 وحتى الساعة؟
المعروف أن خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1947 تعتبر القدس «مدينة دولية مستقلة»، ولكن الحرب التى أعقبت إعلان استقلال دولة إسرائيل في عام 1948، أدت إلى انقسام المدينة، وعندما انتهت الحرب عام 1949 جرى وضع ما يعرف بـ «الخط الأخضر» الذي رسم بالفعل بالحبر الأخضر على الخريطة ليخضع القسم الشرقي من المدينة لسيطرة الأردن، بما في ذلك الأحياء القديمة الشهيرة، في حين تضع القسم الغربي تحت سيطرة إسرائيل.
بقية القصة تكاد تكون معروفة للجميع ذلك أنه غداة حرب الأيام الستة عام 1967، قامت إسرائيل باحتلال الجزء الشرقي من المدينة المقدسة، وأضحت منذ ذلك الوقت تحت سلطة الاحتلال، وأن أعتبر الفلسطينيون، والكثير من الأطراف الدولية أن القسم الشرقي من المدينة هو عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة.
يتذكر المرء القارئ المحقق والمدقق لقصة الدولة الإسرائيلية مع الأراضي الفلسطينية، والتعبير الذي قاله «بن جوريون» أول رئيس وزراء لإسرائيل من أنه لا فائدة لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون إقامة الهيكل ولهذا فإننا نجد التركيز الإسرائيلي دائما وأبدا قائما علي القدس، ولهذا فإنه في يوليو 1980 أصدرت إسرائيل قانونا يعتبر القدس عاصمتها الموحدة، ورد مجلس الأمن الدولي بقرار يدين ضم إسرائيل للقدس الشرقية معتبرا أن الخطوة تمثل انتهاكا للقانون الدولي.
خلال حملته الانتخابية الرئاسية الأمريكية تحدث «دونالد ترامب» باستفاضة عن دعمه لإسرائيل، ورفضه لمساندة إدارة أوباما القرار الخاص بإدانة بناء المستوطنات من مجلس الأمن، وفوق كل ذلك وعد الرجل بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
هنا ينبغي علينا التذكير بأمرين الأول هو أن دونالد ترامب في فوزه بالرئاسة وعلى هذا النحو الذي أدهش العالم برمته غير مدين للوبي اليهودي في الداخل الأمريكي بأي دور في وصوله للبيت الأبيض، فقد ساند ذلك اللوبي هيلاري كلينتون بوضوح بالغ، في حين دعمت الأصول الأنجلو ساكسونية ترامب، عطفا على قوى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
الأمر الآخر هو أن ترامب أشار في تصريحات عديدة قبل دخوله البيت الأبيض إلى أنه سيكون وعن جدارة الرجل الذي سيحقق السلام المستحيل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنه سيكلف صهره «جاريد كوشنر» بهذه المهمة، رغم أن الصهر لا علاقة له بالعمل السياسي، ولا دالة له على المفاوضات بشكل من الأشكال…. هل في المشهد تضاد غير مفهوم؟
مؤكد أن ذلك كذلك، بمعنى كيف يسعى ترامب إلى إحلال سلام بين الطرفين، وفي ذات الوقت يحاول إصابة الجميع في مقتل عبر نقل السفارة الأمريكية إلى هناك وهي خطوة وأن كانت رمزية، إلا أنها تطور دراماتيكي خطير يمكن أن يكون مدعاة لتطورات سياسية ودبلوماسية مشابهة على الأرض؟
والشاهد أنه لم يسبق للولايات المتحدة على الإطلاق وضع سفارتها في القدس بل اختارت تل أبيب على الدوام مقرا لها. وفي عام 1989 بدأت إسرائيل بتأجير قطعة أرض في القدس للحكومة الأمريكية من أجل بناء مقر جديد للسفارة وذلك بكلفة دولار واحد سنويا فقط على مدار 99 سنة، ومع ذلك لم تجر عمليات تطوير على قطعة الأرض وما زالت فارغة تماما.
والمعروف أيضا أنه لم يسبق لأي رئيس أمريكي منذ عام 1995، ويشمل ذلك الرؤساء بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما، اتخاذ قرار بنقل السفارة إلي القدس، وذلك بسبب «المصالح القومية» الأمريكية، ويستخدم الرؤساء في أمريكا عادة سلطتهم القانونية كل ستة أشهر لتأجيل نقل السفارة، ويحل الموعد المقبل لاستحقاق استخدام تلك السلطة في مايو 2017.
هل مجرد وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض يؤثر على العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية؟
يبدو أن ذلك كذلك بالفعل حيث زخرت الأيام الثلاثة التي تلت التنصيب بالكثير من التغيرات والحديث حول قضايا مختلفة، بدءا من موقع السفارة الأمريكية، مرورا بالعمليات المحتملة لضم تل أبيب مجمعات استيطانية كبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتملة عام 1967، ووصولا إلى ما إذا كان الفلسطينيون على شفا انتفاضه جديدة.
وزاد من الهواجس والترقب لخطوات ترامب القادمة نحو الوفاء بوعده، الاتصال الهاتفي الودود، الذي جرى بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الأحد يوم 22 يناير وخروج بيان بعدها يؤكد عقد لقاء يجمعهما منتصف الشهر الجاري .
لماذا يرفض العرب وغالبية دول العالم فكرة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في هذا التوقيت الحرج والحساس بالفعل؟
ليس سرا أن ذلك القرار سيعزز من الإرادة الإسرائيلية المتطلعة للسيطرة المطلقة على القدس شرقا وغربا وجعلها عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل، وهذا معناه عودة إلى ما قبل أوسلو 1993 ونهاية أو موت أية مفاوضات بين الطرفين، واشتعال المشهد مرة أخرى وعلى نحو غير مسبوق.
والشاهد أن الناظر إلى الوضع الآن في الداخل الإسرائيلي يدرك أن إسرائيل وحكومة نتانياهو تسابق الرياح من أجل تهويد القدس مرة وإلى الأبد، وأنها كانت تنتظر الوقت المناسب تحديدا لذلك، وربما تكون رئاسة دونالد ترامب هي الوقت الأنسب.
في الأسبوع الأخير من شهر يناير المنصرم، كانت إسرائيل تفتح أكبر نفق في الشرق الأوسط يربط ما بين القدس وتل أبيب في 28 دقيقة فقط، حيث سيكون بمقدور الإسرائيليين التنقل عبر المدينتين خلال 28 دقيقة فقط، عبر مجموعة من المسارات التى تشمل أطول نفق في الشرق الأوسط وأعلي جسر في إسرائيل والمرور عبر محمية طبيعية.
وقت الافتتاح قال نتانياهو :« نعرف أن هذا الطريق هو مسار مركزي يربط بين عاصمة إسرائيل وتل أبيب وباقي الدولة وهذه الانطلاقة هامة جدا من أجل تطوير القدس»، وتطوير الدولة وطنيا، وأضاف «لقد باتت القدس وجهة مركزية وفق هذا الحلم الذي يتحقق بسرعة، وذلك في العام الـ 50 على توحيد العاصمة».
يأتي هذا المشروع باعتباره أهم مشاريع البنية التحتية الإسرائيلية لترسيخ مبدأ ومفهوم قوامه أن القدس عاصمة أبدية للدولة اليهودية، والاحتلال بذلك يعمل على ترسيخ هذا المفهوم في ذهن المواطنين والأجانب (السياح) الذين يهبطون في كل دقيقة على أرض فلسطين المحتلة في مطار بن جوريون، لاسيما وأن هذا النفق، عمل على اختصار المسافة، وجعل المطار وكأنه يقع في ضواحي القدس المحتلة».
لا تتوقف مأساة «القدس التي في القلب» عند هذا الإطار فبالتزامن مع التواصل الجديد بين نتانياهو وترامب، تم السماح ببناء وحدات استيطانية في القدس الشرقية المحتلة، إذ منحت بلدية القدس الضوء الأخضر لبناء 566 وحدة سكنية في ثلاثة أحياء استيطانية في الجزء الشرقي المحتل من المدينة حسبما أعلن مسؤول في البلدية، فيما باشر الجناح اليميني الأكثر تشددا في الحكومة حملة لممارسة ضغوط على نتانياهو من أجل ضم مستوطنة معالية أدوميم، القريبة من القدس والواقعة في الضفة الغربية إلي الدولة العبرية.
هل تأثير ترامب سيمتد إلى المستوطنات الإسرائيلية ما يعني أن الآمال ستزول في كون الولايات المتحدة وسيطا نزيها بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ المراقب لتصريحات العديد من المسؤولين الإسرائيليين يدرك أن الأمر على هذا النحو بالفعل، فبعد يومين من تولي ترامب الرئاسة، قال نائب رئيس بلدية القدس «مائير ترجمان» الذي يترأس لجنة التخطيط والبناء لوكالة الصحافة الفرنسية أن تراخيص بناء هذه الوحدات تم تجميدها أواخر ديسمبر الماضي بطلب من نتانياهو في انتظار تنصيب ترامب.
وبحسب ترجمان، سيتم بناء هذه الوحدات في أحياء بسغات زئيف ورموت ورمات شلومو الاستيطانية، وقال إن «قواعد اللعبة تغيرت في وصول دونالد ترامب إلي السلطة، ولم تعد أيدينا مقيدة مثلما كانت عليه وقت باراك أوباما، ومضيفا «هذه الوحدات الـ 566 ليست سوى البداية، لدينا خطط لبناء 11 ألف وحدة بانتظار التراخيص» في أحياء استيطانية في القدس الشرقية.
أما رئيس بلدية القدس «نير بركات» ففي بيان له أوضح أنه سيتم بناء 105 وحدات سكنية في الأحياء الفلسطينية، وقال البيان «مررنا بثمانية أعوام صعبة مع باراك أوباما الذي كان يضغط لتجميد البناء».
كيف ستكون بداية ترامب مع القضية الجوهرية والمركزية للعرب القضية الفلسطينية والقدس في القلب منها؟
المعروف أن الكونجرس الأمريكي وفي عام 1995 كان قد أقر قانونا يصف القدس بأنها عاصمة إسرائيل ويقول أنها لا يجب أن تقسم، لكن الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين المتتابعين وكما اسلفنا، استخدموا سلطاتهم في السياسة الخارجية للإبقاء على السفارة الأمريكية في تل أبيب ودعم المفاوضات بين الطرفين بشأن القدس.
من جهة أخرى يرى دبلوماسيون أمريكيون أنه على الرغم من التشريع الأمريكي بشأن كينونة مدينة القدس، فإن السياسة الخارجية الأمريكية منحازة عمليا بشكل عام إلى سياسة الأمم المتحدة والقوى الكبرى الأخرى التي لا تعتبر القدس عاصمة إسرائيل، ولا تعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية العربية بعد احتلالها في حرب عام 1967…
هل إدارة ترامب ماضية في تنفيذ وعودها؟
الثابت أننا رأينا ترامب حتى الساعة يفي بعدد من وعوده أثناء حملته الانتخابية وفي المقدمة منها إلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير» ثم إلغاء اتفاقية التجارة أو الشراكة مع دول المحيط الهادئ، ولاحقا التوقيع على بناء سور مع المكسيك.
أما بشأن القدس ففي بيان صدر الأحد 22 يناير قال البيت الأبيض على لسان الناطق باسمه «شون سبايس» أن القرار في المراحل الأولى من المحادثات، وليس هناك إعلان وشيك بشأن نقل السفارة…
السؤال الآن :» ماذا يمكن أن يحدث بعد لقاء نتانياهو وترامب في منتصف شهر فبراير؟
هل سيعجل اللقاء باتخاذ إدارة ترامب قرارها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس أم أن عقلاء إدارته سينصحونه بالا يفعل لأسباب تمس الأمن القومي الأمريكي؟ ثم وهذا يبقى الأهم ما هي الأوراق التي جهزها العالم العربي لملاقاة مثل هذا قرار في الأوساط الدولية والمؤسسات الأممية كفعل إيجابي يستبق ردة الفعل كالمعتاد؟.