عدنان إبراهيم يدعو الحاضرين لاستعادة دورهم الحضاري ليكونوا رسل هداية وتنوير للعالم

أكد أن عمان أنموذج للتوافق المجتمعي على اختلاف أطيافه –
922201ضمن إطار التعاون بين جامعة السلطان قابوس ممثلة بدائرة الإرشاد والتوجيه الديني بعمادة شؤون الطلبة ونادي نزوى استضافت الجامعة المفكر الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم، وذلك بالمسرح المفتوح، وقد ألقى محاضرة بعنوان «الحضارة الإسلامية ودورها في ترسيخ القيم والتسامح»، وذلك بحضور سعادة خالد بن هلال المعولي رئيس مجلس الشورى ومجموعة من الأكاديميين والموظفين والطلبة من داخل الجامعة بالإضافة إلى عدد كبير من المثقفين والمهتمين من خارج الجامعة.

تطرقت المحاضرة إلى عدة جوانب أهمها التفصيل في مفهوم الحضارة والثقافة، واستعراض للقيم الكلية العليا تبعه شرح للقيم الحضارية والقيم الخلقية الأخرى التي تنظم سلوكيات المرء إزاء الآخرين، كما لم يغفل المحاضر أيضًا عن نقد بعض أنماط التفكير الشائع لدى بعض المسلمين.
بدأ الدكتور بالإشارة إلى التجربة العمانية الممتدة منذ مئات السنين كأنموذج لحالة التوافق التامة داخل المجتمع على اختلاف أطيافه ومؤكدًا على ضرورة أن تستلهم بقية الدول منها، كما توجه كذلك بالثناء على سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة على ما يمتلكه من صفات حسنة تعد بدورها تجليًا في كل شخصية عمانية اتصل بها.
انتقل بعدها لتعريف الحضارة، وذكر أنه في بعض اللغات الأخرى يتم تجريد تعريف الحضارة للجانب المادي فقط الذي إذا ظهر واستبد في المشهد فإنه مؤذن بأفول حالة التمدن لدى الإنسان، وأجمل تعريف الحضارة أنها الجهود الإنسانية أو البشرية التي يوجد بها الإنسان دافعا بين الاستجابة الغريزية والاستجابة العقلية، وفصل في فارق هذه الاستجابة بين الإنسان والحيوان، ليتحدث بعد ذلك عن تسلسل التطورات التي لحقت باستجابة الإنسان إزاء الطبيعة وما حوله منذ أن كان بدائيا حتى عصره الحالي، وقال إن الإنسان لم يقف ساذجا بل بدأ يستخدم إمكاناته وقدراته العقلية ليصل إلى آفاق بعيدة جدًا من تأملاته الميتافيزيقية، فبدأ يدرك الوجود بما هو ليدرك لبه وجوهره، ومن هذا نشأ التفكير الفلسفي.
كما تطرق الدكتور عدنان إلى قضية أن الإنسان مر بفترة تدعى الاحيائية تتلخص في اعتقاد أن العالم مروحنا أي أنه كالإنسان تسكنه روح، وقال إن الاحيائية شلت قدرة الإنسان على بناء الحضارة لأن المنظور الاحيائي أودى بالإنسان في مراحل كثيرة إلى التعبد للطبيعة فنشأ التعبد للظواهر الطبيعية المختلفة.
وفصل في الفارق بين تعريف الحضارة والثقافة وهل هما متعادلان أم مترادفان، حيث وضح أن الثقافة هي الصور المختلفة من الإنتاج الحضاري الإنساني التي يبرز فيها المنظور العقدي أو الرؤيوي للإنسان، وأردف أن الإنسان يمكنه أن ينتج منتوجا ماديا، فإن ألقى عليه طابعا أو ظلا من منظوره الرؤيوي استحال إلى ثقافة، إذا فإن المظهر الحضاري يتلبس بطابع ثقافي.
وعرج بعد ذلك على إصرار بعض العلماء والدارسين على أن تسمى الحضارة الإسلامية بالحضارة العربية متذرعين بأن الذين ساهموا فيها ولهم نتاجات علمية مختلفة فيها هم من العرب، وقال إن هذا صحيح في الجملة، ولكنه ليس صحيحًا في الأفراد؛ لأنه هنالك أيضا آداب إسلامية فارسية وأوردية وتركية، وعلى كل حال فإن الحضارة الإسلامية هي حضارة المسلمين عربا وغيرهم.
وتطرق لموضوع القيم، حيث قال إن ثمة تعريفات تنطلق من أن القيم هي معايير أو مقاييس بموجبها نصدر أحكامًا إزاء المواقف والأشخاص والأشياء، وهناك من يقول بعكس ذلك حيث إنه ينظر للقيم على أنها أحكام تطلق على الموضوعات والأشياء والمعاني، وأضاف أن الحضارة هي أحكام ومعايير تستهدي برؤية كونية.
وذكر الدكتور عدنان أنه في القديم تحدث الفلاسفة عن أنواع من القيم ولكن لم يتم تصنيفها إلا في الفلسفة الحديثة، فذكروا ثلاث قيم شهيرة رئيسة، وهي الحق والخير والجمال، لكن الفيلسوف أو المفكر والمثقف المعاصر لا يقف عند حدود هذه الثلاث بل يزيد عليها قيمة الحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية.
ذكر أيضا أنه كان يزعم أن المنطق الأرسطي هو الذي يتولى تحديدها وتبيينها، ويمكنه تمييز الحق من الباطل عبر هذا المنطق ولكنه منظور قاصر جدا وفيه مغالاة غير مقبولة، والصحيح أن الحق يعتمد في تبيينه وفي الوصول إليه وإصابته على المناهج المختلفة كمناهج الفكر والعلوم وغيرها وهكذا يمكن أن نميز الحق في باب من الأبواب بالاطلاع في منهج معين وليس فقط في المنطق الأرسطي كما كان يعتمد.
وأشار بعدها إلى أن مجموعة من المفكرين ربط القيمتين الأوليين ببعضهما البعض، وقالوا: إن الحق والخير يتعادلان كثيرا ويرتبطان في معظم الموارد إن لم يكن كلها، ومنهم من قال عكس ذلك حيث إن الخير يرتبط بالجمال.
وحول رؤية المنظور الإسلامي إزاء هذه القيم الثلاث قال إنها وإن لم تتعادل (وهي غير متعادلة بلا شك) فهي لم تتعارض أو تتناقض، حيث أشار إلى مبحث التناقض القيمي، وقال: إنه مسألة فلسفية مطروحة بقوة في الفلسفة العالمية، وأضاف أن بعض المفكرين الإسلاميين قديما وحديثا لهم وقفات كثيرة في هذا الباب.
كما التفت للآية الكريمة «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم»، وذكر أنها تعطينا مثالا لتحديد معيار يمكن أن نرجح به عند تعارض القيم.
كذلك تطرق إلى القيم الحضارية في الإسلام، ونقل عن أن بعض المفكرين ممن يقولون: إن هنالك قيما كلية عليا هي الأعلى في منظومة القيم يأتي في رأسها توحيد الله تبارك وتعالى، لتأتي بعدها قيمة العبادة التي هي مقتضى العبودية، وحول الفارق بين العبادة والعبودية أوضح أن العبادة أبلغ من العبودية؛ لأن العبودية هي التذلل أما العبادة فهي غاية التذلل، وغاية التذلل لا تكون إلا لمن له منتهى وأقصى أمد الإنعام والإفضال.
أما عن آلية تحديد وعد القيم الحضارية الإسلامية والتي تأتي تسلسلا بعد القيم العليا وضح أنه يمكن أن نحددها بمعيار بسيط جدًا، وهو أن ننظر في منظومة القيم الإسلامية لنرى القيم التي يمكن أن تؤثر في تحفيز الطاقة الحضارية والفعالية الحضارية، فيأتي التوحيد في رأسها بالطبع، ليشير هنا إلى مقولة المفكر الإسلامي محمد عبده «عبدا لله وحده وسيدا لكل شيء بعده»
وأكد أن الإنسان بتوحيده لله تبارك وتعالى يتحرر من المظاهر العبودية والطبيعية ومن الخوف من بعضها ولكنه لا يدخل في حالة صراعية من بعض هذه المظاهر وهذا هو مزلق الفكر الغربي الذي بات يهدد مصير الكوكب، حيث إنه وضح طبيعة العلاقة بين الإنسان والطبيعة أو الوجود في المنظور الإسلامي، واصفا إياها أنها ليست علاقة صراعية بل ارتفاق وانتفاع عبر عنه بمفهوم التسخير.
وأضاف الدكتور عدنان أن المؤمن يشعر بتناغم مطلق مع هذا الوجود، وأن القرآن الكريم بإشارات بعيدة الغور ذهب يرشد المفكر المسلم إلى طريقة وسبيل إدراك القوانين التي قننها الله كحاكمة لهذا الوجود، حيث إنه بإدراكها واستنباطها يمكن أن نستكمل خطة ارتفاق الوجود، فنستفيد منه إلى آخر مدى ممكن بإذن الله تعالى.
وناقش بعد ذلك قيمة الاستخلاص التي تأتي بعد قيمة التوحيد، أي استخلاف الله للإنسان للأرض لعمارتها، وتوقف عند السلبية التي يعيشها المسلم في العصور المتأخرة أو كما يقول البعض عصور الانحطاط، معقبا أن كل مؤمن بإمكانه أن يكون إنسانًا كاملاً إذا خضع وصدر وأفرج عن منطق القرآن العظيم.
وقال: إنه في الاستخلاص هناك عامل مهم وهو عامل الاهتداء بالشرع، ودلل بالآية القرآنية «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه» ليتم بعد ذلك إهباط آدم إلى هذا العالم الذي سيمارس فيه دوره الخلافي على هدى من الله، ثم انتقل إلى الآية «قلنا اهبِطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهِم ولا هم يحزنون» وقال: إنها تشير إلى أن بداية ونهاية المسار شيء واحد وهو التسليم الإلهي في القضية، وصرح أن مأزق الحضارة الغربية أنها كفرت بهذا الأصل الإلهي وأرادت أن تستعيض عنه بالعقل وهذا هو باطل لأن العقل لا يقوم إلا على إيمان.
ويفصل فيما سبق بالفكرة التي نورها الفيلسوف طه عبد الرحمن، حيث قال: إن العقل حتى نستطيع الاعتداء به لا بد أن يسبق ذلك إيمان بجدواه وأجدريته، مما يعني أن العقل لا ينطلق من نفسه وإنما من قضية إيمانية، وأضاف الدكتور أن المشوار البشري يدل على أن العقل لا يمكن أن يتسم بهذه الأجدرية المطلقة، حيث يضيف أن الأجدرية المطلقة هي للشرع الإلهي، وهذا ما دللت عليه قضية سيدنا آدم عليه السلام.
ويعرب الدكتور عدنان عن شعوره بالأسى والحسرة من أننا كمسلمين صامتون وعاجزون عن قولبة هذه المفردات في سياق فكري أوسع وأعمق لتصديرها للعالم.
ويدعو جميع الحاضرين من الدارسين في الكليات والجامعات وغيرهم؛ لأن يستعيدوا دورهم الحضاري ليكونوا رسل هداية وتنوير للعالم، ويستدل باقتباس من كتاب مغامرة الإسلام «في حالة تبين أن الإسلام كدين قادر على تنوير الضمير العالمي فإنه سيكون لجميع البشر مصلحة في هذه النتيجة حتى أولئكم الذين لا يؤمنون بالأديان ويناضلون ضدها نضالاً مسلحًا».
وخلال المحاضرة تم التطرق للسبب الذي دفع بعض الناس لأن يفقدوا ثقتهم في الدين، وفي المتدينين، وقد يسخرون من فكرة صحوة المسلمين من جديد، حيث ذكر أن منبع ومسار هذه السخرية هو فقدان الحس التاريخي، وأضاف الدكتور: لو أن مثل هؤلاء درسوا تاريخ الأمم والحضارات وتاريخ الشعوب والأفكار لما أمكنهم أن يتشاءموا كل هذا التشاؤم وأن يحقروا ويبخسوا من أنفسهم.
كما كشف الدكتور عن الدلالة الكامنة أو الحكمة من وراء استخلاف سيدنا آدم بعد معصيته، فقال: إنه ثمة قيمة بعد توحيد الله قد لا تعلوها قيمة وهي الأم لسائر القيم وبدونها ستصبح التراتبية بين القيم على اختلافها تعاني من نقطة انكسار هي الحرية الإنسانية، وتعني أنه لا يمكن أن يفهم الهدى الإلهي والهدي الشرعي إلا في ضوء تقرير تام لحرية الإنسان التامة، والقرآن فعل هذا في أغلب الآيات وفي أخطر باب من الأبواب وهو الاعتقاد.
وذكر أن المستخلف حر في أن يؤمن أو يكفر، ليشير إلى أن الحرية التي أعطانا الله إياها في أن نؤمن أو نكفر دليل على أنه موجود، فلو كان الإله باطلا من الأباطيل غير موجود لأعرب في رسالاته لأنبيائه أنه لا يسمح بهذه الحالة وحين تقع يجب أن تمحى بسرعة ويجب أن يقتل الكافر أو الزنديق من فوره لكن الله يقول «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، واستأنف حديثه: إن هذا الإله الذي أعطى الإنسان ومكنه بشرعه واضح أنه إله غني مثلما هو واضح أن سلطانه لا ينتقص بكفر كافر كما لا يزداد بإيمان مؤمن.
ويلفت الانتباه إلى أن التنوع بين الناس هو الذي أفرز التنوع العقدي بين مؤمن وكافر ومشكك، ويوجه رسالته إلى أبناء وبنات المجتمع الذين يعانون من مشكلة جدال الملحدين أن يضعوا في اعتبارهم أن الجانب الأعظم الذي يعزى إليه تشكك المتشككين وإلحاد الملحدين في معظمه نفسي وليس معرفيًا فكريًا.
وكما عرج لمفهوم التسخير أو قيمة التسخير وعرفها بأنها قيمة من أهم القيم على الإطلاق كقيمة حضارية وتدلل عليها آيات قرآنية كثيرة وهو يفتح للإنسان هامشا جديدا لكي يشارك في ارتفاق الكون عبرها.