أشهر مائة كتاب غير أدبي:11 ـ الشمال

روبرت مكروم –
إعداد : أحمد شافعي –
بجانب صديقه تيد هيوز (وهو صاحب الكتاب الرابع في هذه السلسلة) كان شيمس هيني من أفضل شعراء القرن العشرين الذين كتبوا باللغة الإنجليزية. وكانت عظمة هيني ثقافية مثلما كانت غنائية، إذ كان يوجب على نفسه واجبا يرى أنه لا فكاك منه ذلك هو واجب السعي إلى مزاج تصالح مع مجتمعه. وكانت أعماله -الضاربة بجذورها في وطنه أيرلندا- دائمة الإبحار وسط أمواج الاضطرابات المتقلبة الدموية، ووسط الحرب الأهلية التي أوجعت أيرلندا الشمالية طوال ثلاثين من السنين الرهيبة ابتداء من مسيرة الحقوق المدنية في أكتوبر 1968 حتى اتفاقية الجمعة الحزينة في أبريل 1998.
كان على من يريد أن يكون كاتبًا، بل شاعرًا شهيرًا، في هذه المنطقة الحربية أن يواجه تحديا سياسيا، وفنيا، وقبليا. لقد كان والدا هيني ينحدران من أسرتين كاثوليكيتين في أولستر البروتستنتية. فكانت أصوله تضعه -طوال حياته- عند تقاطع دموي بين الصراع الطائفي والقومية الأيرلندية. وكان ذلك الموضع ـ في أفضل الأوقات ـ موضعًا خطرًا لا يحسد عليه أحد، فتعلم أن يكون شديد الانتباه للتاريخ عظيم القدرة على رصد تراث القمع. وتعلم كيف يتحرك بحصافة ـ على حد تعبيره ـ «كأنه عميل مزدوج [يعمل لحساب مفاهيم عظيمة».
يعكس كتاب «الشمال» لهيني الصادر أثناء أحلك فترات حرب كريهة، هذا التوازن الفارق الذي امتاز به، كما أن الكتاب في الوقت نفسه أحد أكثر كتبه توهجا عاطفيا، وأحد أقوى اعترافاته بكل من جذوره وولاءاته. والأمر الحاسم أن هيني على الرغم من أعمق مشاعره، لا يرفع صوته ولا يزعج قارئه. فعلى مدار كتابه ثمة تيار تحتي من التهكم، وهذا في رأي الشاعر جزء أصيل من الحياة في أولستر. ولقد حدث حينما أجريت حوارًا مع الشاعر في دابلن لصحيفة أوبزرفر سنة 2009 أن تكلم عن «السخرية السافرة» التي تكونت بين صفوف المقاتلين في الحرب.
قال: «إن السخرية شديدة الأهمية، فهي التي أتاحت للشماليين في الشمال أن يقفوا على حافة الجرف ويتصايحون منادين بعضهم بعضا برغم وجوده».
وتمتزج أيضًا مع السياسة فقرات بديعة الرقة، لا سيما ما اختص به الشاعر عمته ماري التي «تنفض الآن الغبار عن الطاولة /‏ ‏بجناح إوزة».
عند إعادتي قراءة كتاب الشمال بعد أربعين عامًا من صدوره في عام 1975، في القرن الحادي والعشرين، من المدهش أن أكتشف مدى الفطرة والعفوية التي يعبر بها عن بعض المشاعر.
ففي كتاب الشمال، وهو من كتبه المبكرة، لا يبدو هيني دبلوماسيًا كما سيكون في كتبه التالية، لا سيما ما صدر منها بعد فوزه بجائزة نوبل سنة 1995. في كتابه «مهما يكن ما تقول، لا تقل شيئا» يلاحظ بخوف ورهبة «تجشؤ الطبول البرتقالية» ويصف «بركان الطين الطازج» إثر انفجار قنبلة على قارعة الطريق و«رسائل المدفع الرشاش» الذي أقامه الجيش البريطاني، قائلاً: إن «هذا قدرنا البسيط».
وكان قدر هيني أن يسير في الطريق الأوسط. فقد كتب في قصيدة «كشف» الأخيرة من قصائد كتاب الشمال يقول: «لست في الحرب أسيرا ولا واشيا» بل يبقى «مهاجرًا في وطنه» لما بقي من حياته، متوصلا إلى رؤية لأيرلندا هي في نهاية المطاف أقرب إلى أسطورة آسرة متماسكة. فهو لا ينكر مطلقا ما ابتلي به جيل كامل من الأيرلنديين من مآس وعنف، لكنه يربط عتمة عصره بذكريات الغزوين الإنجليزي والاسكندنافي لبلده في الماضي، وكأنه يشير بذلك أن الحياة التي تعاش في الأوقات العصيبة قادرة على أن تعلمنا رؤى تتجاوز الرؤية الرعوية البسيطة.
والحق أن هيني يجد بعض العزاء في همجية الماضي، كما في حكاية بي في جلوب التي يحكيها كتاب «شعب المستنقع» لمحرره من دار فيبر «تشارلز مونتايث». هذا التأريخ المدرسي والشعبي لاكتشاف إنسان تولاند Tollund Man وكثير مثله من ضحايا طقوس ما قبل التاريخ والأعمال الوحشية المنسية كان ملفتا بصور التقطت بالأبيض والأسود لجثث بقيت في حالة مثالية داخل مستنقعات الدنمارك. «شعب المستنقعات» كان إلهاما مباشرا لأربع قصائد هي «ملكة المستنقعات» و«إنسان جراوبول» و«العقاب» و«الثمرة الغريبة»، كما كان إلهاما كذلك لإشارات للعنف البدائي في «شعائر جنائزية». ولكن ذلك كله يأتي بعد قصيدة «إنسان تولاند» التي نشرت في «الدفن» سنة 1972. أما الشمال فكان الكتاب الذي بدأت فيه هذه الصور الرهيبة تعني للشاعر ما هو أعمق بكثير، وتمده بما اعتبره «رموزا مكافئة لما نعيشه من مآزق».
ما من شك في أن النقاد سوف يستمرون في الجدل حول طبيعة هذه «المآزق» وتركيزها. أهي مآزق أهل الشمال بعامة، أم تراها مقصورة على الكاثوليك الرومان في مقاطعة هيني؟ أما الشاعر نفسه فلم يشأ يوما أن يقع في ذلك الجدال؟ والآن وقد مات في الرابعة والسبعين بات السؤال أكاديميا. فضلا عن أن كتاب الشمال المستظل بالفن يبقى مجاوزا للسياسة. وفي حين أن بعض القراء يفضلون كتاب هيني الأول «وفاة عالم التاريخ الطبيعي»، ويبقى في رأيي أنا أن التصالح الفذ بين الفن والسياسة هو الذي يجعل كتاب الشمال بارزا وسط مجمل أعمال هيني بروز جلال لافت.
لقد عثر هيني في «وفاة عالم التاريخ الطبيعي» على صوته، وفي كتاب الشمال جعل صوته ذلك في خدمة شعبه. قال لي في حوارنا: «إن للغة المرء علاقة كبيرة للغاية بثقته، وإحساسه بالمكان، وبالسلطة» وأضاف أن استعماله لغته، أي الإنجليزية الأيرلندية كان سعيا إلى كسب الثقة في النطق وفي خصائص المفردات الدقيقة وسعيا كذلك إلى «نوع من الصحوة السياسية».