الإدارة والثقافة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

تتشابك المؤثرات في عالمنا المعاصر بحيث يمكن القول في النهاية بأن (كل شيء يؤثر على كل شيء) ، بيد انه يتعين على كل صاحب قرار أن يحدد أكثر العناصر تأثيرا في المنظومة التي يديرها ، ويمنح أوزانا لكل عنصر منها حتى يستطيع وضع خريطة طريق مناسبة للتعامل مع تلك المؤثرات وتطويعها لتحقيق أعلى نتائج ممكنة للمؤسسة أو الكيان. بتفصيل آخر فإن السياسي مثلا يؤثر على الاقتصادي والاجتماعي والإداري والثقافي والعلمي والتعليمي الخ ، والعكس بالعكس، فكل عنصر من تلك العناصر يؤثر على السياسي أيضا ، وليس معنى ذلك أن على صانع القرار السياسي أن يستدعي كل العوامل التي تؤثر في قراره أو تتأثر به في لحظة واحدة ، أو يوليها جميعا نفس الوزن في كل وقت، فأوزان المؤثرات (بل والمؤثر الواحد) تتفاوت بين وقت و آخر وحسب المناخ السائد والمزاج العام والعوامل المحلية أو الخارجية أو الفنية التي يتم التصدي لها .
أقول كل ذلك لأصل الى النقطة التي أريد عرضها اليوم ألا وهي العلاقة العضوية بين الإدارة والثقافة ، فمن المؤكد ان البيئة المحيطة بالقرار الإداري لها تأثير بالغ ليس فقط على سير الأعمال لكن أيضا على صناعة القرار وعلى القرارات التي تصدر أو تلك التي لم تصدر أو كان يجب أن تصدر ، ورغم سطوع هذه الحقيقة فقلما تعنى المؤسسات بدراسة المحيط الثقافي الذي تعمل فيه ، وفي أفضل الحالات فإن بعض الكيانات العامة أو الخاصة تنظم بين وقت وآخر أنشطة ثقافية لمنسوبيها من قبيل استضافة فنان أو مثقف في ندوة أو تنظيم رحلات إلى متاحف أو ترتيب مشاهدة جماعية لفيلم أو عرض مسرحي ، وفي القليل النادر حين يحدث ذلك أن يكون وراء ترتيب مثل هذه الأنشطة فكرة واضحة عن ماهية علاقة الثقافة بالإدارة والإدارة بالثقافة ، ومنذ أيام نظم المجلس الأعلى للثقافة في مصر (لجنة علوم الإدارة) مؤتمرا جديدا في نوعه بعنوان (ثقافة الإدارة وإدارة الثقافة) شارك فيه ممثلون من نحو ست دول عربية وخبراء معنيون ورسميون ورؤساء شركات خاصة وأكاديميون ، وتم فيه عرض نحو 60 بحثا تدور كلها حول الأمور الثقافية والإدارية والنفسية والسلوكية والاجتماعية والقيمية التي تؤثر في طريقة أداء الأعمال في مصر ، وقد استوقفني إلى أبعد حد عمل جديد في نوعه تماما وان كنت قد سمعت عن صاحبه من قبل ، وسمعت أحاديث له متفرقة في الإذاعة أو التلفاز ذلكم هو الدكتور عادل قاسم الذي أخذ على عاتقه متطوعا القيام بمهمة إعادة بعث الهوية الوطنية لدى أبناء سيناء مستخدما في ذلك المدخل الثقافي الاجتماعي بالأساس.
نعلم جميعا كم تعرضت هذه القطعة الغالية من أرض الكنانة لغارات وغزوات على مدار التاريخ ، وكم كانت مسرحا لمعارك لا تحصى ، غير أن أبشع ما حل بها هو الاحتلال الإسرائيلي لها منذ 1967 إلى 1973 الذي كان هدفه الأصلي اجتثاث هوية أبناء سيناء وانتمائهم المصري الضارب في التاريخ .
كان أول درس تعلمه الدكتور عادل من تجربته هو ان المدخل الى أهل سيناء هو أطفال سيناء وليس – كما اعتدنا – بالذهاب الى شيوخ القبائل والعشائر والبطون. فالعناية الصادقة والعلمية في آن واحد بالأطفال هي التي تجذب حماس الكبار لاحقا ، وكانت أول مؤسسة طرق أبوابها – وعن قصد – كمدخل ثان مؤثر هي المدرسة وكانت الخلطة السحرية التي استخدمها في التعامل مع الأطفال والتلاميذ هي شعار : أنتم أبطال وأولاد أبطال ، فقد فجرت فيهم الحكايات عن بطولات الأهل من الرجال والنساء شعلات من الوعي والحماس يصعب ان يطفئها مضلل بعد ذلك ، وتم تنظيم زيارات لهؤلاء التلاميذ الذين يعيشون في جوف الصحراء ولم يزوروا حتى عاصمة محافظتهم (العريش) الى القاهرة حيث الهرم وقلعة صلاح الدين والمتحف الحربي ثم الأزهر ، وهنا يقول المحاضر: نعم كان لابد ان يكون الختام بالأزهر فقد حاول الإرهابيون حلفاء الحركة الصهيونية ان يزرعوا في نفوس البعض هنا ان القاهرة وغيرها من مدن مصر علمانية بمعنى كافر وأهلها لا يعرفون الدين ويضيف:  نسيت ان أقول لكم ان المدخل الديني غاية في الأهمية في الخطاب مع أهل سيناء وبصفة خاصة في هذا الوقت. والى جانب ما تقدم كان يتم طوال الوقت تنظيم مباريات تنافسية بين أبناء سيناء وأنشطة اجتماعية كتشجير مساحات وإقامة نواد رياضية وتدريب التلاميذ على الحلم بطريقة مبتكرة لم أرها أي (الكاتب) من قبل كإشراك التلاميذ في عمليات تقديم الخدمات الصحية بحيث يرتدون أزياء الأطباء والصيادلة ويتواجدون جنبا الى جنب مع أطباء وصيادلة حقيقيين ويتم تدريبهم على تقديم بعض الخدمات البسيطة مثل نقل المحاليل وتسليم الأدوية وترتيب الصيدلية وهكذا ، وفي نهاية الأمر وبعد معايشات من هذا النوع في اكثر من موقع مختلف يتم سؤال التلاميذ والتلميذات عما يطمحون الى ان يكونوه في المستقبل ولم يكن من قبيل الصدفة ان تختار الفتيات مهنة التمريض بصفه غالبة وان يختار الأولاد ان يكونوا ضباطا او أطباء او مسعفين في نهاية المطاف واذ اصبح التاريخ الوطني حاضرا في الذهن وفي القلوب فان اكبر هدية قدمتها التلميذات الى المعلم (الدكتور عادل قاسم) كانت قيام إحداهن برسم علم مصر على جبهته .
التجربة مليئة بعشرات التفاصيل المدهشة ولكنها تنبه من ألقى السمع وهو شهيد الى أهمية تشخيص الوضع القائم بطريقة معمقة و أمينة ثم وضع تصور شامل للتعامل معه واختيار المداخل الأساسية لتحقيق هذه الرؤية أو ذاك التصور .
ثمة قصة معروفة وهي ان الإسرائيليين حاولوا إقناع شيخ مشايخ سيناء خلال الاحتلال بان يجعلوه أميرا على سيناء مقابل خلعها من مصر فتجاوب معهم في البداية الى ان رتبوا مؤتمرا عالميا ليعلن فيه ذلك وفاجأهم بالقول انه مواطن مصري يعيش ويموت مصريا ولا يسلم شبرا من ارضه وانه لا يعترف برئيس لمصر كلها سوى جمال عبد الناصر وعلى من يريد الحديث عن سيناء أن يتكلم معه. تصوروا وقع هذه القصة الحقيقية على أطفال سيناء حين تروى لهم في سياق تعريف شامل بتضحيات المصريين عبر التاريخ دفاعا عن بلدهم.
فلنقل ان سيناء في التجربة الماضية ومع الخلافات بالطبع هي هذه الشركة او تلك .هذه الوزارة او تلك. هذه الهيئة او تلك. وان خللا ما أصاب انتماء العاملين بها إليها ولابد من تصويبه فكيف يتم ذلك؟ . لقد تحدث الدكتور صديق عفيفي أستاذ الإدارة ورئيس المؤتمر المشار اليه وهو في نفس الوقت رئيس “ الاتحاد العربي للأخلاق والمواطنة” ، عن ضرورة تغيير المفاهيم السائدة، أي تغيير الثقافة لتغيير الإدارة ، فاذا كان قد تفشى في كياناتنا الكسل والتهرب من المسؤولية ومن الضرائب والإحباط والعمل بطريقة (على قد فلوسهم) ، وفقدان التكامل ، وشن الحرب ضد الناجحين ، وفي المحصلة التشتت والضياع فلابد إذن من تغيير كل ذلك بثقافة تنتصر للطموح والنجاح والابتكار والتجديد والثواب والعقاب الخ. ويلزم لكل ذلك وضع خارطة طريق واضحة المعالم لأحداث نقطة حقيقية في فكر وأساليب الإدارة على كل المستويات ونقطة البدء – بحسب الدكتور صديق ايضا – هي التربية الأسرية ثم المدرسية ثم العمل الإعلامي فدور المؤسسات الثقافية والخطاب الديني والعلم والتكنولوجيا واختتم بالدعوة الى التحلي بالشجاعة والوطنية والحرص على المال العام وإنفاذ القانون علي الجميع والتشاور المنتج والتخطيط العقلاني لتحقيق أهدافنا .
لا تقدم إداري بدون ثقافة مؤازرة ، وجدوى من ثقافة تدفع الى الأمام ما لم يرافقها إدارة واعية .. جادة وحاسمة .