رماد: الرمق الأخير

عبدالله بن محمد المعمري –
shinas1@hotmail.com –

كان يومه الأخير غير اعتيادي، ليس لأنه تميز بشيء غير مألوف، أو فعل أمرا خارقا، بل على العكس تماما، قام بفعل اعتيادي، اعتاد على فعله في سائر أيامه الماضية، وهو وضع أفكار مفيده له ولغيره، يعمل قدر ما يستطيع على تنفيذها، إلا أن هذا اليوم كانت فكرته المتحققة هي الأخيرة بالنسبة له.
بعد أن انتهى من وضع الفكرة بدقة تفصيلية ونقلها من ذهنه إلى الورق، وبعد أن أجرى اتصالات مع من هم شركاء في التنفيذ، وأرسل لهم المخطط التنفيذي بحسب أدوارهم على بريدهم الإلكتروني، وضع القلم جانبا وهو يتكئ على كرسيه، لتغادر روحه جسده بالموت.
الرمق الأخير له كان نهاية عمل مفيد، عمل من سلسلة أعمال قام بها في مسبرة حياته، فهو كان بذرة العمل التي يغرسها في تربة صالحة للزراعة، يخرجها من عقله المفكر، ويدفعها إلى فريق عمل ماهر يحب العمل على أفكاره الجميلة.
لفظ رمقه الأخير في يوم استثنائي، ونهاية متوقعة لمن كان دينه خدمة البشرية، فهو من عرف عنه أنه “مفكر”، ولكن دون أن يعلم عنه متخذو القرار، ودون أن يعيره المستفيدون من أفكاره أي اهتمام، ودون أن يجد زاوية يسطر من خلالها قوالب أفكاره فيقرأها من هم يحبون الأفكار، بل ويريدونها لتنير طريق أعمالها.
لم يكن لرمقه الأخير ذكر حتى ممن يحيطون له، فقط أرسلوا رسالة فيما بينهم مفادها (إن فلانا قد مات) وانتهت سيرته.
هكذا يكون حالنا حينما لم نلتفت لقيمة الأفكار، ولم يعد للقب “مفكر” وجود بين مسكياتنا الوظيفية ودرجاتنا العلمية ، لهذا لم يكن للأفكار منبع يجري منه نهر الإبداع في العمل، بل على النقيض من ذلك، من يقدم أفكار باستمرار يقال عنه إنه صاحب كلام، يحلم، ينظر إلى البعيد، طموحه زائد عن اللزوم، وإن قدم فكرة واضحة الملامح والخطوات ونفذت، يكون الشكر والتقدير لمن نفذها، دون أن يذكر صاحبها. فما أكثر الراحلين من المفكرين بيننا، غفر الله لهم.