الروتين الوظيفي إلى أين ؟

صالحة عوض محمد العولقية –

أتعلمون كيف يموت الإنسان وهو حي يتنفس؟ عندما تكون المدة التي قضاها في الوظيفة نفسها هي ثلاثون سنة دون أن يطور من نفسه، ويرتقي بطموحاته وحتى بمهنته ودون تكوين علاقة قوية مع من حوله، أو بالأحرى دون أن يترك بصمة وأثرا في مكان عمله.
متى سأتوظف؟ مازالت الوظيفة أهم حلم لدى كل مواطن وخريج، سواء أكانت في مؤسسات حكومية أم شركات خاصة وأخرى تعتمد على الأعمال والمشاريع الحرة.
ولطالما كانت معظم التحديات التي تواجه المجتمع في السنوات الأخيرة هي مشكلة الباحثين عن عمل، وقلة الشواغر الوظيفية، وتكدس أعداد الخريجين والخريجات في كل عام، وكما أن أفواج كثيرة تناولت هذا الموضوع بصدى واسع في عالم الإعلام والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، والكل يغرد في سربه الخاص دون وجود حل ملموس لهذه المعضلة إلا بشكل طفيف.
إن من أعظم طموحات أي موظف والتي يتمنى أن يحصل عليها في بيئة عمله هي النجاح والترقية المهنية والتقدير المستمر، التي لا تأتي بمجرد أن يكون لك مكتب خاص وكرسي متحرك فقط وروتين وظيفي مميت يقتلك ويقتل من حولك وكأنه مرض معدي، فيتسمم من حولك لاقتدائهم بك ولاقتدائك بهم فهم يموتون معا وهم أحياء.
لا ننكر أن هناك الكثير من الوظائف التي بها روتين قاتل، مجرد تأدية للواجبات الوظيفية، ولكن هذا لا يمنع بأن يبدع الموظف في هذه الواجبات بشكل يلفت من حوله ويترسخ في عقولهم بأنك شخص مختلف عنهم تحب التطوير المستمر، وذلك من خلال وضع خطة تطويرية على فترات أنت من تحددها، ومن ثم تنظر الى النتائج، وليس شرطا بأن ترى نتائج عظيمة منذ الوهلة الأولى، ولكن مع الأيام سترى أنك تتغير نفسيا ومهنيا الى الأفضل والسؤال كيف أطور من نفسي وأغير من الروتين الذي يكبتني بشكل مستمر في بيئة العمل؟
أولا: عليك أن تعرف أنك أنت من يطور نفسه، لن يأتي أحد ويطور من شخصك ونفسك ما لم تنهض بنفسك وتثق بها، والأهم من ذلك أن تكون على استعداد في ذلك، بمعنى رغبة منك تأخذك الى التطوير وهذا لن يتأتى إلا بجملة من الخطط، أولا: في حالة حدوث أي مشكلة في مقر عملك أن تكون جزءا من الحل، من خلال بحثك عن أسباب المشكلة وكيفية الإتيان بالحلول المنطقية لكي تخبر بها مديرك في العمل، فأنت بهذا تظهر لهم بأنك جزء لا يتجزأ من هذه الشركة وأن دورك مطلوب لديهم في حالة حدوث أي مشكلة أخرى .
ثانيا: أن تفكر خارج الصندوق المحيط بك، أن تفكر بطريقة تختلف عن تفكيرهم، أن تكون هناك كمية إبداع في شخصيتك وحنكة وذكاء في تقديم كل ما هو صالح لهذه الشركة.
ثالثا: الوقت، التزامك بمواعيد الدخول والخروج بلا شك مهم جدا فهو يعطي انطباعا بأنك موظف ملتزم، وكما أن الاستراحات الخفيفة بين الأعمال هي ضرورية جدا لأنها تغير من نمط تفكيرك وتجدد النشاط الذهني والبدني، ولكن حذاري بأن تطيل في هذه الاستراحات في أشياء لا فائدة منها بل اجعل في كل استراحة خطة تزيد من رصيدك المهني، كالقراءة مع احتساء قهوة ساخنة، أو الاتصال بصديق أو مقرب لديك يجدد لك طاقة العمل، أو الانخراط في أقسام أخرى كي تتعلم منهم كل جديد الخ..
ثالثا: تكوين العلاقات القوية (وليست العابرة) مهمة جدا في بيئة العمل لأنها تفتح آفاقا جديدة في مسارك المهني، فمنها تأتي الخبرات وحسن التصرف مع المواقف التي تعترضك، والتعرف على كل ما يجري من حولك وتفهمه فهما واضحا.
رابعا التنفيس: قيام الشركات أو المؤسسات بأنشطة ودورات تخدم موظفيها، لهو بالأمر الجيد لتغيير نفسيات الموظفين سواء كانت أنشطة ترفيهية ثقافية رياضية تعليمية الخ، فهي تحفز الطاقات الى الأفضل، وحتى إن لم تتوفر في هذه المؤسسات/ ‏‏‏‏الشركات هذه الأنشطة والدورات لا تستسلم للأمر الواقع بل افعلها بنفسك من خلال المشاركة في أنشطة خارجية في أماكن أخرى. وأخير أقول بأن التدرج الوظيفي والترقي في سلمه، ليس بالأمر الصعب ولا بالسهل ولكن مع الإصرار والعمل الدؤوب وتغيير نمط التفكير ستجني ثمار ما كنت تزرعه طوال سنين تعبك وأن الروتين الذي تعيشه لن يصنع لك أكثر مما تكسبه، وتذكر بأن ثالوث الإتقان الوظيفي هو: الدقة في العمل– الاهتمام بالتفاصيل– المتابعة له حتى النهاية.