وتر: هناك حقيقة أخرى

شريفة بنت علي التوبية –

أتأمل كل أولئك الغارقين في حياة الواقع بكل ما فيها من ألم وعذاب وهوس ومشاحنات وبغض وحقد أو حتى محبة زائفة، أولئك الذين لا يكلفون أنفسهم عناء فتح نافذة مغلقة في جدران واقعهم فتمكنهم من الهرب، أحسد تلك القدرة الجبارة لديهم في الاستمرار بحياة لا خيال فيها ولا أجنحة تعينهم على التحليق، وتلك القدرة العجيبة على الاستمرار في حياة مرسومة لهم بإتقان ممل دون أن تعتريهم رغبة التجاوز.
قد تكون الحياة ليست هي الحقيقة التي يجب أن تصدقها وتؤمن بها إذا لم تكن هذه الحقيقة مقرونة بحقيقة أخرى تدعمها وهي حرية أن تملك حق اختيار هذه الحياة، وأن تقف في مواجهة هذه الحقيقة وأنت تعلم أنك أتيت دون اختيار ولك اسم لم تختره وعائلة تنتمي إليها وعقائد وأفكار راسخة في عقلك تحتاج لعمر آخر وزمن آخر لو حاولت تغييرها فلن تستطيع، فلا هي تختصر لك دروب التيه التي من الممكن أن تتوه فيها ولا هي تمنحك حرية أن تختار ما شئت، ومع كل تلك الخيوط التي تشدك وتربطك بتلك الحقيقة الباهتة تصل إلى درجة الشغف الكبير والتعلق بحياة قصيرة قد لا تتجاوز 100 عام وتكون لحظتها خارج معنى الحياة لأنك ترتد حيث ابتدأت لتتجه إلى الغيب وإلى مواجهة تلك الحقيقة الأزلية التي تؤمن بها وتصدقها دون أن تعرفها، فهل هناك شيء يستحق أن نتألم لأجله أمام ما نحن عليه في هذا العبور؟! أتأمل أولئك البشر الغارقين في واقعيتهم المفرطة بالتفكير والقلق مؤمنين بما قاله ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) رغم أن هذا الوجود لا يمكن أن يكون مرتبطا بالتفكير فقط، فهناك أدلة أخرى على الوجود، كالشعور بالألم أو حالات الحب أو الرغبة في الأكل والشرب أو حتى الشعور بالخوف أو حتى تلك الشجاعة التي تعتريك فجأة لتجعلك تتجاوز تلك الخطوط الحمراء مخلّفاً خوفك وراء ظهرك ومطلقاً قلبك للريح دون أن تلتفت لتلك الأصوات التي تصرخ خلفك والتي قد تتهمك بالجنون داعية لك للعودة إلى رشدك، والرشد في ثقافة المجتمع هو ذلك القيد الذي يربطك بالواقع ويجعلك سجين فكرة عمياء تجعلك نسخة أخرى من غيرك بحيث لا يكاد يعرفك من يراك لأنك تشبههم، تلك كلها أدلة على الوجود وما عليك سوى اختيار دليلك حتى وإن تجاوزت الواقع بأميال في سبيل الوصول إلى نفسك.