انطلاق الملتقى السينمائي الأول «سينما الصحراء» بالنادي الثقافي

بقراءة نقدية في فيلم «أصيل» –

كتبت – خلود الفزارية :

انطلقت مساء أمس الأول أولى فعاليات الملتقى السينمائي في دورته الأولى تحت عنوان «السينما في الصحراء» بحضور عدد من المهتمين والمدعوين من النقاد العرب بقاعة رواق الفنون بالنادي الثقافي.
وألقى سما عيسى المشرف على الملتقى كلمة عن مفهوم الملتقى وما تعنيه السينما وأهمية البحث في مكنوناتها وصولاً إلى تحقيق أهداف السينما في كافة المجالات، كما ركز على ثيمة الصحراء في السينما وما تعنيه في الأثر والسينما.
كما ألقى سعيد السيابي نائب رئيس النادي الثقافي كلمة أشاد فيها بالمبدعين السينمائيين العمانيين، وأشار إلى أن الملتقى يسعى إلى نشر الثقافة السينمائية كرسالة من خلال الأعمال المقدمة، مضيفًا إن اختيار الصحراء جاء كقيمة أساسية للتجارب السينمائية المطروحة للعرض والحضور الإبداعي والحوار الخلاق في دورة الملتقى الأولى لهذا العام لما لحضور الصحراء في المخزون الثقافي العماني والعربي والعالمي، ولما تشكله في ساحة إبداعية.
وتم عرض الفيلم العماني «أصيل» للمخرج الدكتور خالد بن عبدالرحيم الزدجالي الذي أبرز الصحراء والحياة البدوية على أنها الموئل الأول للفيلم، وتجولت الكاميرا طويلاً بين الرمال مستعرضة الجمال والعشش والعادات والتقاليد في جانب، وفي جانب آخر تركز على فوج سياحي يزور الصحراء مستعرضة ما في الصحراء من مميزات سياحية وجمالية.

دراما الصحراء والمدينة

وأوضح الدكتور عبدالكريم بن علي بن جواد في قراءةٍ نقديةٍ تبعت الفيلم أن فيلم «أصيل» هو فيلم روائي أنتج في السلطنة مما يعد مغامرةً بكل المقاييس، وتحديًا لصعاب لا حصر لها؛ لذا أرى أنه من الأهمية بمكان عند الكتابة النقدية أن تؤخذ ظروف الإنتاج بعين الاعتبار، لا من باب التبرير، وإنما من باب تحري الموضوعية والدقة، ومن باب معرفة صعوبات ما خلف الكاميرا وما حولها وليس فقط ما يقف أمامها ويظهر في الصورة، الأمر الذي يؤهلنا في نهاية المطاف لخلاصات قادرة على التطوير والارتقاء.
مضيفا: إن كاتب السيناريو وظف شخصيات في الفيلم بمساحة أوسع وبتداخل في الأحداث أوقع، مثل شخصية سالم الذي يطمع في المشيخة، وشخصية الأم الغاضبة على زوجها الشيخ عبدالله خوفا على ولدها، وشخصية العمة الطيبة، وشخصية التاجر صاحب الجمل في مسقط.
الحقيقة كان الفيلم حافلاً ببدايات أحداث ومعالم شخصيات قابلة للاستثمار والتوظيف بما يثريه ويسرع من إيقاعه ويعزز من مقولاته، ولكن تلك الشخصيات قننت في مساحات أرى أنها ضيقة حالت دون ذلك.
ويرى الدكتور جواد أن الاستعراض السياحي والجمالي كان سيبدو أكثر فاعلية لو كثف في خمس دقائق على الأكثر، ولو جاء ضمن سياق الأحداث مجدولا بها، لا كمقدمة مستقلة بذاتها، فالحدث الدرامي الحقيقي في هذا السيناريو يبدأ بعد مضي عشرين دقيقة من الفيلم، ويبدأ تمامًا في اللحظة التي يلدغ الثعبان فيها الشيخ عبدالله، وعلى الطرف المقابل عندما يتوه ريتشارد في الصحراء، كما أشار إلى أن الحدث الدرامي في الفيلم كان محدودًا وقصيرًا وذا محور تصاعدي واحد، فقد افتقد الحدث الرئيسي إلى ضفيرة من الأحداث الجانية التي تنبع منه وتتشعب ثم تعود إليه لتقوي حبكته، وهذا الحدث الوحيد كان يمكن معالجته في فترةٍ قصيرةٍ زمنيًا لا تستقيم وتقاليد الفيلم الروائي الطويل، لذا كان هنالك إسهاب في المشاهد الجمالية في استعراض الصحراء، ومشاهد الاسترجاع، الفلاش باك، والحلم.
مبينا أن الفيلم جاء حافلاً ببدايات أحداث ومعالم شخصيات قابلة للاستثمار والتوظيف بما يثريه ويسرع من إيقاعه ويعزز من مقولاته، ولكن تلك الشخصيات قننت في مساحات أرى أنها ضيقة حالت دون ذلك.
كما عرج لبعض التساؤلات في السيناريو مثل: ما المبرر أن يستعان بأدوية من السياح الأجانب الذين وجودهم وجود ظرفي طارئ بينما كلنا نعرف أن في البادية علاجاتهم ومعالجيهم المتمرسين على معالجة لدغات الأفاعي؟؟
وفي السيناريو أيضًا نتساءل لماذا كانت زوجة ريتشارد حاملاً؟ ما الضرورة الدرامية للحمل هنا؟ خصوصا عندما نتذكر المقولة المهمة: إن الحدث الذي لا يخدم الدراما في العمل الفني يكون عبئا عليه.
على أنه يحسب للسيناريو والفيلم اقتحامه لبيئة الصحراء توظيفه الجميل للأغاني والأهازيج الشعبية، كما يحسب له كسر النمطية في شخصية الغريب ريتشارد حيث اعتاد المشاهد أن تكون تلك الشخصية شريرة متعالية فاذا بريتشارد رجل لطيف وفي متذوق للصحراء وتقاليدها وفنونها، ويحسب للسيناريو أيضا كسر نمطية الشرير في صورة الرجل الشرير العنيف المتآمر الطامع في المشيخة، فهو طامع نعم ولكن ليس في صورة الشرير النمطية، ويكسر الفيلم النمطية أيضًا في موقف التاجر في مسقط، حيث يصل المشاهد إلى قناعة أنه سيهب الجمل لأصيل، ولكنه لم يفعل.

الممثلون والإخراج

وأشار الدكتور عبدالكريم جواد أن معظم الممثلين لعب دوره بما أتاحه الدور له، وقد برز من الممثلين من هم من ذوي الخبرة مثل الفنان إبراهيم البلوشي، الفنانة نورة البادية، الفنان خليل السناني، الفنان سعود الخنجري، ومن قام بشخصية ريتشارد، وبلا شك الطفل الجميل الذي كانت نظراته معبرة جدا واستطاع المخرج أن يوظفها في لقطات مقربة عديدة.
وبالفعل بدا الطفل هو نجم الفيلم، وهو نجم صاعد لا غبار عليه يحسب لفريق عمل الفيلم والمخرج، ولكنني كمشاهد ناقد كنت أتمنى أن تعطى مساحات أوسع لبقية الشخصيات لتبرز من حيث الأداء والبناء الدرامي لها خصوصا أنها شخصيات قابلة لمثل ذلك، ويؤديها ممثلون محترفون أو شبه محترفين.
فمثلا عندما تبدو الأم «نورة البادية» غاضبة على زوجها خوفا على الابن لم تتجذر هذه الفكرة، ولم يتضح مصدر خوفها أو مبرراته المقنعة، وكذلك سالم فطمعه في المشيخة جاء مفاجئا، وأحسب لو أنه جذر منذ بداية الفيلم لبدت شخصيته أكثر إقناعا، وذات الأمر ينسحب على معظم الممثلين الذين كانوا بحاجة إلى أن تكون شخصياتهم أكثر عمقا وتفصيلا مما يساعدهم على الأداء الأفضل، وجميعهم فيما قدموا جديرون بالإشادة.
أما رؤية الدكتور جواد في الإخراج فكانت في معالجة المخرج خالد عبدالرحيم لمحدودية مساحة الدراما في السيناريو، ومحدودية الحوار باحترافيته كمخرج يعتمد على الصورة في المقام الأول وهو مجهود جدير بالثناء، فقدم لنا في الفيلم لقطات جمالية مهمة من عمق الصحراء والرمال وحياة البادية وبزوايا منتقاة بعناية، ثم من العاصمة مسقط، حيث كانت الكاميرا تمضي بنعومة وسلاسة لتستعرض الحدث وكل الجو الحاضن له، ولعلي أشير إلى بعض تلك اللقطات الجمالية التي لفتت الانتباه وهي: أغصان الشجرة المتضافرة، وثنائية مزج المشاهد بين لدغة الأفعى وسقوط السائح الأجنبي ريتشارد تائها في الصحراء، ومشاهد الطفل أصيل وهو يقود جمله في وسط شوارع العاصمة مسقط.
كما أشار إلى بعض الملاحظات الفنية في سياق الإخراج والتقنيات الفنية تتلخص في «رغم أني أعرف صعوبة إيجاد خبراء في مجال المكياج والملابس عندنا في عمان لا سيما في تقاليد البادية، إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن المكياج وتصفيف الشعر والحواجب لدى بعض الشخصيات كان خارج السياق لا سيما عند العمة التي بدت كأنها فتاة من المدينة، وكذلك معظم الثياب لا سيما دشاديش الرجال بتفصيلاتها ومعالم الكوي الواضحة عليها بدت لا تنسجم وبيئة الصحراء والعشش حيث الغبار وعدم وجود الكهرباء، كما أن استخدام الجرافيك في الفيلم سلاح ذو حدين وكذلك الصور أو المشاهد التحمل دلالات غير موظفة قد تربك مسار الفيلم، وأود هنا أن أشير إلى الجرافيك الذي ظهر كحلم لسالم الذي ينهض ويتحدث عن الأفعى، أعتقد أن الجرافيك هنا لم يكن دقيقًا، وكذلك صورة أنابيب استخراج البترول التي أقحمت ضمن خيالات الطفل أصيل لم أجد لها موقعا من الإعراب، وكذلك مشهد الرجل الطائر بالبراشوت، وموسيقى البداية ما بعد المقدمة كانت موسيقى حالمة تعزف لحنا لا يستقيم مع البادية، ومع الأحداث المقبلة، بدت كأنها موسيقى خلفية تجميلية لا موسيقى من لحمة العمل الفني عكس موال النهاية العماني الذي كان منسجما تماما مع الأحداث والمزاج العام للفيلم فبدا مؤثرا جدا، والإيقاع العام للفيلم كان بطيئا في البداية لتأخر الحدث الدرامي، ثم اشتد مع بداية أحداث لدغة الأفعى وتيه ريتشارد، إلا أنه مرة ثانية تباطأ مع استغراق أصيل في أحلامه وتخيلاته ومشاهد الاسترجاع وهو نائم في بيت ريتشارد، ومشكلة الإيقاع هنا تنبع من مصدرين، الأول له علاقة بالفيلم من حيث السيناريو، والثاني من العادات المكتسبة لدى الجمهور المعاصر من هيمنة السينما الأمريكية التي تعتمد على الإيقاع المتسارع جدا والمؤثرات الصاخبة جدًا، والفيلم الذي يميل إلى التأمل والاستعراض الجمالي المتأني الذي يبدو كأنه خارج السياق، فضلاً عن أن هنالك بعض الملاحظات الفنية فيما يخص تبدل الجمل وعدم دقة بعض أحداث البادية الواقعية كما أشار بعض الزملاء في مناقشات عديدة للفيلم سابقًا، ويمكن في هذا السياق أن نناقش فكرة الواقعية الحياتية والواقعية الفنية، هل المطلوب من الفنان التقيد الحرفي بمجريات الحياة الواقعية أم أن عليه أن يقدم الواقعية بالصيغة الجمالية التي يراها فيها هو كفنان مبدع، والخيط الرفيع بين هذا وذاك، كما أدعوكم إلى مناقشة اللهجة التي تحدث بها الممثلون إلى أي مدى كانت بدوية أو قريبة من لهجة أهل البادية في الصحراء؟ وأخيرًا أدعوكم إلى مناقشة المقولة التي يبرر بها التاجر في مسقط كذبه على الطفل أصيل عندما يلومه ريتشارد، فيقول: أنا كذبت على طفل صغير… بس أنتو العالم كله ما خليتوه… السؤال الذي أطرحه هنا: هل العبارة تنسجم مع بنية الفيلم أو موضوعه، أو مع شخصية ريتشارد… أدعوكم إلى مناقشة ذلك…».
واختتم الدكتور عبدالكريم جواد قراءته بقوله: أود أن أشيد بمخرج فيلم أصيل السينمائي المخضرم الدكتور خالد الزدجالي، فهو أحد مؤسسي الفن السينمائي في السلطنة إن لم يكن الأبرز بينهم، كما أشكر كل من شارك في هذا الفيلم فقد قدموا لنا تجربة جمالية تستحق التوقف عندها وهي جديرة بالتأمل والحوار، وإن ما قدم من ملاحظات في هذه المداخلة إنما هي وجهات نظر تعتمد على حاسة التذوق والمدرسة الفنية النقدية التي ينتمي إليها الكاتب.
الجدير بالذكر أن النادي الثقافي سيستضيف خلال فعاليات الملتقى عددًا من النقاد والمخرجين من داخل السلطنة وخارجها، أبرزهم المخرج المغربي داود أولاد السيد الذي سيعرض فيلمه «باب البحر»، مع عدد من الأفلام العربية والعالمية.
ومن الأفلام التي ستكون على قائمة العرض والنقد الفيلم التونسي «الهائمون» الذي ستتحدث عنه الدكتورة منيرة حجيج، والفيلم الأسترالي «دروب» الذي سيقدمه عبدالله خميس، واليوم الأخير سيعرض الفيلم المغربي «باب البحر» مع إضاءة نقدية لداود أولاد السيد.