سيح الدير بدبا .. قبر بشواهد أثرية

دبا، العمانية: يقع سيح الدير في ولاية دبا التابعة لمحافظة مسندم بشمال السلطنة، وهو عبارة عن مقبرة أثرية عثر عليها بمقر نادي دبا الرياضي الواقع على الطريق الموصل إلى مطار دبا وجامع السلطان قابوس.
يعد هذا الموقع الأثري من أهم وأندر وأكثر المواقع الأثرية التي تم الكشف عنها مؤخرًا على مستوى السلطنة بعد العثور عليه بالصدفة أثناء الحفر لأساسات المنشآت الإدارية لنادي دبا الرياضي من قبل وزارة الشؤون الرياضية.
وقد عثر على عدد من القبور الأثرية واقعة على عمق مترين تقريبًا عن سطح الأرض وغطاها طمي الأودية المحاذية للموقع بالإضافة إلى رواسب شاطئ بحر عمان الذي كان على ما يبدو يصل على مقربة من الموقع الأثري، وقد أدى هذا الأمر إلى المحافظة على الموقع الأثري على مر الزمن وعدم تعرض محتوياته للتخريب في الحقب اللاحقة.
وكشفت التنقيبات الأثرية عن عدة قبور أبرزها قبر مستطيل ذو زوايا بيضاوية الشكل يبلغ طوله 75ر14 متر في حين يصل عرضه إلى 5ر3 متر لتكون مساحته الإجمالية في حدود 49 مترًا مربعًا.
وقد بني هذا القبر بحجارة جلبت من الجبال المحيطة ومن الوادي القريب من الموقع وبنيت أساساته وجدار الجزء السفلي من حجارة جيرية كبيرة مستديرة بعض الشيء مع واجهة داخلية شبه مسطحة ترتفع إلى ستة أو سبعة مداميك في بعض أجزائه وتتميز حجارة المداميك العلوية أنها أصغر حجما وأقل انتظامًا، وغطي هذا القبر بكتل حجرية كبيرة مسطحة مرتبة ومتداخلة جزئيا باتجاه خط الوسط.
وتتجسد براعة ودقة بناء هذا القبر في الواجهات الشرقية والشمالية والغربية منه وبنيت جدرانها بحجارة جيرية بيضاء ذات وجهات مسطحة وناعمة في حين بنيت جدرانه الغربية والجنوبية بحجارة جيرية بنية وحجارة حصوية، كما زودت واجهته الشرقية بمدخلين مبنيين بحجارة جيرية بيضاء مستطيلة الشكل أحدها مسطح يستخدم كعتبة والآخر عمودي مائل قليلا من ناحية الوسط في جزئه العلوي ويلاحظ على واجهته الشمالية الغربية بصمة يد على إحدى حجاراته، ويبدو أن واجهة القبر الشرقية والشمالية الغربية كانت تحظى بأهمية بالغة فهي على الأرجح مخصصة لممارسة الطقوس الجنائزية وأسلوب الاهتمام بالواجهات باستخدام الحجارة البيضاء ذات الواجهة المسطحة والناعمة، وهو أسلوب كان معروفا في حقبة أم النار 2700-2400 قبل الميلاد وزينت واجهات مقابرها بحجارة جيرية منتظمة وناعمة ويبدو أن هذا الأسلوب استمر إلى هذه الحقبة على الرغم من تغير أشكال وأنماط الدفن في هذه الحقبة.
وتم العثور داخل القبر على ما يقرب من 2000 قطعة أثرية من البرونز والحجر الصابوني كالخناجر والفؤوس والأساور ورؤوس السهام والدلايات.
وقد أشار التحليل الكربوني لبعض العينات من العظام إلى أن تاريخ القبر الكبير يعود إلى 1200 ق.م و1020 ق.م وهي فترة نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي.
وعلى بعد 5 أمتار من القبر جهة الجنوب وبعد عملية تنقيب دقيقة تم اكتشاف 3 حفر بعمق نصف متر واكتشف في الجانب الجنوبي آنية من الحجر الصابوني وكوب من البرونز. أما في الجانب الغربي فقد تم العثور على حفرة يصل عمقها إلى حوالي 60 سم تحتوي على عشرات القطع الأثرية المكدسة بعضها فوق بعض، وكان الاعتقاد سابقا أنها مقابر إلا أنه اتضح من خلال مواصلة التنقيبات أنها حفر وضعت بها لقى جنائزية فقط.
ويدل وجود هذه الحفر حول القبر الكبير مع تراكم العديد من القطع الأثرية القيمة على أن هذه المنطقة كانت تعتبر مكانا مقدسا لدى السكان، خاصة هذا القبر الكبير الذي يرجح أنهم كانوا يهبون ما لديهم تقريبا لمن دفن في هذا القبر.
وقد كشف في هذه الحفر على ما يزيد على 1500 من القطع الأثرية بما في ذلك الأواني البرونزية وأدوات الحجر الصابوني والخناجر والأساور ورؤوس السهام، كما تم العثور على قرابة 5000 خرزة من أنواع ومواد مختلفة. كما عثر إلى الغرب من هذا القبر على قبر آخر من فترة زمنية لاحقة يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد وعثر فيه على جرة تعود إلى الحقبة البارثية.