أوروبا … بين التحدي والفرصة !!

د. عبد الحميد الموافي  –

تواجه المجموعات الاقليمية ، وما تقوم به من محاولات للتكامل الاقليمي بين اعضائها ، بغض النظر عن مدى قوة او اتساع او نوعية هذا التكامل او التعاون او التنسيق فيما بينها ، تحديات عديدة ، في تحركها ومحاولاتها للانتقال مما هي فيه، الى ما تطمح إليه دولها وشعوبها من ترابط وتعاون وتكامل أعمق وأوسع يحقق لها مصالح مشتركة ومتبادلة ، أو يقوي قدرتها على مواجهة تحديات ومشكلات تتطلب قدرا اكبر من حشد الطاقات والعمل بشكل اكثر تقاربا في مرحلة أو أخرى .
ومن الأمور المستقرة في أدبيات التنظيم الدولي بوجه عام ، والتكامل الاقليمي بوجه خاص، ان رؤية الدولة وتقييمها لمصالحها الوطنية، ومدى قوة وعمق واستقرار ادراكها وقناعاتها بأهمية وضرورة الانضواء ضمن مجموعة اقليمية ما، ومدى خدمة ذلك لأمنها ومصالحها المشتركة والمتبادلة مع محيطها، وفي دفع أو الحد من التهديدات المحتملة، بأنواعها المختلفة، وحتى خدمة ذلك لسياساتها الداخلية أحيانا، كل ذلك، وغيره بالطبع ، يؤثر الى درجة كبيرة في تحديد موقف الدولة من المجموعات الإقليمية التي تدخل فيها ، ومن درجة استجابتها او حماسها لخطوات التكامل الاقليمي في إطار تلك المجموعة.
وبالنظر الى ان تقييم المصالح يتغير ، ويتأثر ليس فقط بتغير القيادات المؤثرة في الدولة، وبما قد يطرأ من تغير او تعديل في تقييم القيادات ذاتها، ولكنه يتأثر أيضا بالتطورات الداخلية والإقليمية والدولية ، ومدى تأثيرها في رؤية واهتمامات القيادات المعنية في مرحلة او اخرى، كما يتأثر ايضا بأداء المنظمة او المجموعة الإقليمية، وقدرتها على التجاوب مع طموحات، ومصالح او توقعات الأعضاء او بعضها، وشعوبها كذلك، فإنه من الطبيعي ان تشهد المجموعات والتنظيمات الإقليمية وتجارب التكامل الإقليمي – بدرجاتها المتفاوتة – الكثير من التحديات والفرص، وذلك وفق طبيعة ومدى تعقد المشكلات التي تواجهها ، او التي قد تفرض عليها من ناحية، ومدى التوافق والتلاقي بين أعضائها في تقييمهم للمخاطر، وطبيعة التهديدات القائمة او المحتملة ومصادرها، والمصالح المشتركة والمتبادلة الممكن تحقيقها عمليا من ناحية أخرى. وبينما ينسحب ذلك على مختلف تجارب التكامل الإقليمي، عربية وغير عربية، فإن ما يتعرض له الاتحاد الاوروبي في هذه المرحلة، أي بعد قرار الشعب البريطاني الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض ، برؤيته وبمواقفه الخاصة بالنزوع الى إعادة صياغة علاقة بلاده بأوروبا وحلف الاطلنطي ، وبحلفائها على امتداد العالم ، وإدخال عنصر التكلفة المادية والإسهام المتكافئ فيها – أو ثمن الحماية – كعنصر مؤثر فيها، من شأنه ان يؤثر بالضرورة في مستقبل الاتحاد الأوروبي ، وهو ما سيتحدد وفق كيفية التعامل الأوروبي مع التحدي الذي يتعرض له من ناحية ، ومدى قدرة أعضائه ، وفي المقدمة منهم الأعضاء ذات التأثير ، خاصة المانيا وفرنسا وايطاليا ، على استجماع إرادتهم المشتركة وقدراتهم على الحفاظ على تماسك الاتحاد الاوروبي والسير به نحو مزيد من القدرة على التكيف مع واقع بات يفرض نفسه عمليا ، بغض النظر عن قبول او عدم قبول أي طرف لما يجري على الأرض . وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد الى بعض الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :
■ اولا: انه بالرغم من قدرة الاتحاد الاوروبي، خاصة خلال السنوات الاخيرة ، على اظهار قدر من التماسك والتعاون ، بل والتضحية للحيلولة دون تدهور اقتصاد عدد من اعضائه في جنوب اوروبا، ابرزها واحدثها اليونان ، وبالرغم ايضا من قدرة الاتحاد على توسيع عضويته لاستيعاب دول اوروبا الشرقية ، بعد تفكك حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق ، وهو ما جعل منه وعاء اوروبيا واسعا، الا ان الاتحاد الأوروبي، الذي يعد عملاقا اقتصاديا، ظل قزما سياسيا – مثله في ذلك مثل اليابان، وسواء تم ذلك بإرادة أمريكية واضحة ومستمرة، حفاظا ودعما لدور واشنطن القيادي العالمي ، أو تم بفعل الاستكانة الأوروبية والاعتماد على الدعم والمساندة الأمريكية، والعلاقة الاستراتيجية بين ضفتي الأطلنطي، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فان الاتحاد الأوروبي يقف الآن في مواجهة تحدي العمل على امتلاك مصيره، وبناء قدرته الذاتية ، العسكرية والسياسية أيضا مرة اخرى، ليس انفصالا عن او طلاقا مع الولايات المتحدة، فهو لا يستطيع ذلك الآن، ولكن يقظة وانهاء لوضع الاستكانة والاتكال على الولايات المتحدة وحلف الاطلنطي.
ومع الوضع في الاعتبار ان دعوة ترامب لتحمل اوروبا نصيبا اكبر في نفقات حلف الاطلنطي، هي في الواقع دعوة امريكية قديمة، الا ان الفارق هو ان القيادات الامريكية التي دعت الى ذلك من قبل كانت تدرك وتتفهم ان الامر ليس اسهاما ماليا، وانه يرضي الولايات المتحدة ان تظل القوة الاعظم والاكثر قدرة على العمل بحرية في اوروبا وعلى مستوى العالم بدعم اوروبي ايضا، وانه لا يمكن لأوروبا الاستغناء عنها . وظهر ذلك بوضوح في حريق البوسنة والهرسك وتفكك يوغوسلافيا السابقة في منتصف التسعينات، وفي الازمة الاوكرانية الاخيرة، على سبيل المثال. ومع ان واشنطن لم تتحمس ابدا لاستقلالية دفاعية نووية اوروبية في اطار التحالف الغربي ، وكان ذلك سببا مباشرا لانسحاب الجنرال ديجول من القيادة العسكرية لحلف الاطلنطي في اواخر الستينات، الا ان واشنطن لم تستطع ان تحول دون حدوث تنسيق عسكري الماني فرنسي مشترك، أي على المستوى الثنائي، وان كان محدودا حتى الآن على الاقل، وعلى خلفية اهمية ان يكون لهما قوة مشتركة.
وليس من المبالغة القول بأن التطورات الراهنة من شأنها ان تبرز اهمية وضرورة توسيع تلك القوة المشتركة ، بشكل يتجاوب وحسابات أوروبا لمصالحها ، في ضوء توجهات الرئيس الأمريكي الجديد .
على صعيد آخر فان بريطانيا تاريخيا لم تنظر لنفسها على انها طرف او قوة اوروبية ، بل انها حافظت على مسافة بينها وبين القوى الاوروبية الرئيسية، خاصة المانيا وفرنسا، ولم يكن التنافس الفرنسي البريطاني، في الشرق الأوسط وغيره، سوى احد مظاهر ذلك.
واذا كانت بريطانيا قد قررت الانسحاب من الاتحاد الاوروبي، والعودة الى ذاتها ، والتخفف من مشكلات القارة العجوز، وخاصة مشكلات الهجرة من اوروبا الشرقية اليها، فان فرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا وغيرها من القوى الاوروبية المؤثرة تدرك أهمية وضرورة وقف تأثير الانسحاب البريطاني على الاتحاد الاوروبي، ليس فقط بالعمل على وقف تأثير النموذج البريطاني، حتى لا تسير دول اوروبية على نفس الطريق، وهو ما بشّر به ترامب، ولكن ايضا بالعمل على تعويض فجوة بريطانيا التي ستترتب على الانسحاب البريطاني، وهنا قد تميل اوروبا الى جعل انسحاب بريطانيا منها تجربة مكلفة، او على الاقل غير سارة او غير سهلة لبريطانيا، خاصة وان المفوضية الاوروبية كانت مرنة جدا في التجاوب مع طلبات بريطانيا للبقاء في الاتحاد الاوروبي، حتى جاء قرار الاستفتاء ليشكل صدمة تعمل اوروبا على الإفاقة منها دون خسائر كبيرة.
اما بالنسبة لدول اوروبا الشرقية التي انضمت الى الاتحاد الاوروبي ، والتي رفض عدد منها التجاوب مع اقتراحات بروكسل توزيع اعباء اللاجئين على دول الاتحاد الاوروبي ، حتى لا تتحمل اليونان وايطاليا وفرنسا العبء الاكبر ، فان عملية ادماجها بشكل اكبر في الاتحاد الاوروب، ثم تمسكها بالاتحاد كصيغة تنظيمية وكوعاء مشترك ، لا يزال يعتريه بعض التردد، من جانب بعض دول اوروبا الشرقية على الاقل، ويشكل الإبقاء على تماسك الاتحاد الاوروبي وتقويته تحديا حقيقيا لفرنسا والمانيا. ولذا فإنه ليس مصادفة ابدا ان تركز باريس وبرلين على اساليب محددة في دعوتها للتماسك والتمسك بالاتحاد الاوروبي والحفاظ على وحدته والعمل على حل المشكلات التي يواجهها الآن .
واذا كانت دول اوروبا الشرقية تحقق بالفعل مكاسب من عضويتها للاتحاد، فان تفكير ترامب في تقاسم الاعباء، والخوف من طموحات بوتين وربما سعيه لتوسيع نفوذ موسكو في الدول التي انشقت عن الاتحاد السوفيتي السابق، من شأنه ان يدفع دول اوروبا الشرقية للبقاء ضمن الاتحاد الاوروبي، خاصة اذا وجدت ان الانسحاب يمكن ان يسبب لها مشكلات أكبر هي في غنى عنها، وسيتضح ذلك من خلال ما سيتم مع بريطانيا عند تنفيذها للانسحاب عمليا، مع الفارق بالطبع بين بريطانيا كدولة كبيرة، وبين أي من دول اوروبا الشرقية الأخرى.
وفيما يتعلق باحتمالات صعود دعاة الشعبوية في اوروبا الغربية ، وتحقيق التيارات اليمينية الداعية الى الانسحاب من الاتحاد الاوروبي، سواء في المانيا – حزب البديل – أو في فرنسا – حزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان -وهولندا- حزب فيلدرز – مزيدا من التأييد داخل مجتمعاتها، فان الأثر الكبير يمكن ان يحدث اذا حققت مارين لوبان في فرنسا نجاحا في انتخابات الرئاسة القادمة المقررة في مايو القادم، لأن نجاحها سيعني عملها على الخروج من الاتحاد الاوروبي عبر استفتاء الشعب الفرنسي.
وفي ظل انتعاش الاتجاهات الشعبوية واليمينية الاوروبية فان نتائج الاستفتاء لا يمكن التنبؤ بها، خاصة في ضوء ما حدث في بريطانيا وفي امريكا ايضا ، ومن هنا فان ما ستشهده فرنسا في الاشهر القادمة سيكون له تأثيره الشديد على مستقبل الاتحاد الاوروبي ، لأن فرنسا تشكل مع المانيا قيادة اوروبا والاتحاد الاوروبي .
■ ثانيا: انه مع الوضع في الاعتبار ان العلاقات بين فرنسا والمانيا والمفوضية الاوروبية في بروكسل، وبين الرئيس الامريكي دونالد ترامب، لن تكون مريحة او دافئة، خاصة في ظل التصريحات التي صدرت من المستشارة انجيلا ميركل، ومن الرئيس هولاند، ومن مسؤولين في المفوضية الاوروبية، الا ان اهمية وضرورة الحفاظ على قوة العلاقات بين ضفتي الاطلنطي ، أي بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة تظل اهمية استراتيجية، لن يقوى أي من الطرفين على دفعها نحو التفسخ لاعتبارات المصالح المباشرة للولايات المتحدة ولأوروبا ايضا.
وفي ضوء ذلك، ومع افتراض ان قمة الدول الصناعية السبع القادمة، التي ستعقد في ايطاليا في مايو القادم ستعمل على التقريب بين القيادات الاوروبية وترامب من ناحية، كما ان الفترة القادمة ستمكن ترامب من الاطلاع على ما يتصل بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، مع اوروبا ومع الاطراف الدولية المهمة الأخرى من ناحية ثانية، فإنه يمكن القول ان دعوة ترامب لاقتسام الأعباء مع حلفاء واشنطن، سواء في نطاق حلف الاطلنطي، او على صعيد تكاليف حماية الامن الاوروبي، لن تصل الى حد التباعد او التفريط في العلاقات مع الاتحاد الاوروبي، لأن المصالح والمنطق والتهديدات المحتملة تدفع جميعها نحو الابقاء على تلك العلاقات ، بل تقويتها تحسبا لما هو قادم.
ومن هنا فإن ترامب، حتى وان ابقى على تغريداته، فانه يمكن ان يتراجع او يعيد حساباته، او يختار اسلوبا اقل تصادمية وبما يبقي على قوة العلاقة مع الاتحاد الاوروبي ، وقوة حلف الاطلنطي كمصلحة امريكية.
غير ان ذلك لن يلغي حقيقة ان ترامب بقدر ما وضع اوروبا امام تحد مباشر ، فإنه يمنحها فرصة العمل لتحقيق قدر أكبر من تماسك الاتحاد الاوروبي والحفاظ عليه وهو ما تدركه المانيا وفرنسا جيدا وستعمل على استثمار تلك الفرصة، وسيتوقف الكثير في النهاية على تطورات الأشهر القليلة القادمة في اوروبا والولايات المتحدة ايضا ، والأغلب ان اوروبا ستنجح في الحفاظ على تماسكها والتحول الى قوة سياسية متزايدة التأثير.