البابُ يُغلَق الآن…

حمد بن عبدالله المخيني –

(1)
الآن أُغلقُ الباب…
كان يجدرُ بي غلقه عليكِ لا عنك؛ لكنه القدر حين يفرض علينا سيطرته ويرمينا في متاهاته، وهو الذنب ربما. قلتِ لي مرةً: «لا تسمح لأحد من البشر أن يحاسبك على أي خطأ تقترفه؛ فهم يحكمون عليك من خلال مخاوفهم. الله أرحم». أتذكرين يوم ارتكبتُ ذنبكِ أول مرة؟
كنتُ عائدًا من العمل في ساعة متأخرة من ليلة داكنة، كنتِ تبكين مع السماء وتجلسين منزوية على رصيف الشارع، لم أفهم سبب وجود فتاة بعباءة وحجاب ملقى بإهمال تجلس وحيدة. أوقفتُ سيارتي جانبا، اقتربتُ منكِ وسألتكِ: «ماذا تفعلين؟ الوقت متأخر والسماء تمطر، من الخطر أن تبقي هنا». نظرتِ نحوي في شرود. قلتُ: «تعالي معي، لا تخافي. كما ترين، أنا ممرض، سلامتك جزء من وظيفتي. ستأتين معي لنرى ما الذي يمكننا فعله في الصباح». نهضتِ وأنت ترتجفين، ركبتِ السيارة إلى جانبي في المقعد الأمامي، فوجئتُ لكنني بقيتُ صامتًا أفكرُ في أمرك ولا أسمع سوى نشيج بكائك وضجيج قطرات المطر على زجاج السيارة. دخلنا إلى شقتي، دقّقتُ في ملامح وجهكِ، كان أنفك محمراً وعيناك متورمتين كحبتي خوخ، أدخلتكِ إلى الغرفة المجاورة، وضعتُ لك قنينة ماء وبعضا من الطعام وخرجتُ نحو غرفتي لأنام.

***
أنا لستُ أنانيًا. أصبحتِ تعرفينني جيدًا أليس كذلك؟ في تلك الليلة الأولى وأثناء نومي، أحسستُ برموشك المبتلة ودموعك الساخنة وهي تسيل على ذقني. كنتِ مستلقية إلى جانبي تبكين وتخبئين وجهك في حضني! فتحتُ عيني مصدومًا وحاولت أن أتمالك أعصابي؛ فسألتك: «ما بك؟ لن أتحمل مصائب أكثر مما أتحمل مع المرضى». كنتُ فظًا؛ فقد شككتُ في نواياكِ. لم تنبسِي بكلمة ولأنكِ لم تكوني بعد تعرفينني جيدًا؛ قلتُ:
«اسمعيني. أنا شاب من قرية بعيدة. نشأت على طاعة الله منذ صغري، أحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، دشاديشي المعلقة تلك قصيرة، عمري خمسة وعشرون عامًا ولم ألمس امرأة في حياتي. سأتزوج ابنة عمي خلال سنة حين أنتهي من تجميع المهر. لقد استأجرت هذه الشقة لها، أنا أحترمها جدًا فهي فتاة متواضعة أنهت المرحلة الإعدادية وظلت في المنزل. حين نسرقُ الفرص ونجلس على حافة الفلج تقص عليّ حكاياتها البسيطة عن الدجاجة التي لا تبيض وعن آثار طعنات إبرة الخياطة على طرف إبهامها. يا ابنة الناس ابتعدي عني ولا تلمسيني. لقد تربيت على الأخلاق والعفة؛ رفض أبي أن أكمل دراسة التمريض في سنتي الثالثة حين شاهد في إحدى صفحات كتابي رسمًا توضيحيًا تظهر فيه فتاة عارية وصورة مكبرة لجهازها التناسلي. لم يفهم أنني أراجع دروسي في مقرر فيسيولوجيا الإنسان؛ فمزق الكتاب ومنعني من العودة إلى الجامعة على أن يبعثني بحسابه الخاص لأدرس علوم الشريعة. ذهبتُ إلى شيخ الحارة وقبضت على يديه متوسلًا؛ كي يقنع والدي بالعدول عن قراره. ماذا تريدين مني الآن؟ ألا يمكنك التوقف عن البكاء؟ قضيت سبع سنوات في مسقط عفيفًا وشريفًا أقضي فيها خمسة أيام ثم أعود إلي قريتي ليومين وهكذا كل أسبوع. لا أعلم من أين أتيتِ اليوم لتحشري رأسك في حضني بكل هذه الجرأة، هيه ابتعدي أنتِ تقتربين أكثر مما يجب!».
صدقيني، لو أنك اكترثتِ لحديث تلك الليلة؛ لما أحببتكِ ولما أحببتني. لكنك لزمتِ البقاء في حضن ابن القرية العفيف الذي غفا معك ليهديك ساعدهُ وسادةً لأحزانك، ولم يصحَ ليصلي الفجر لأول مرة منذ بلوغه؛ حتى لا يقطع نومك.

***
يُحزنني أن تبتعدي، لكنني مُجبر على تركك تغادرين. تمامًا مثل عصفورتي التي امتلكتها في صغري. كانت صغيرة عندما وضعتها في قفص ضيّق من السعف. وحين كبرت، استأنست ضيق المكان، تتحرك في حيزه ولا تطلب أكثر من ذلك. ذات يوم أصرّ أخي الأكبر أنْ أُطْلِقها؛ كي تعيش بحرية مع العصافير الأخريات. رفضتُ: «تحبني وحتى إن فتحتُ الباب لن تطير». مددت يدي إليها مناغيًا ولم أنتبه إلى أخي الذي اندفع نحو القفص ليحطمه ويحرر العصفورة قسرًا. لم تستطع المسكينة الطيران، ظلت تتخبط في الوحلِ حتى تلقّفها القط وتلاشت بين أنيابه.
أتعلمين؟ تغيّرت أشياء كثيرة منذ أن دخلتِ إلي حياتي. تقبَّلتُ فكرة أن تعيشي معي تحت سقف واحد بعد أن أخبرتني عن حكايتك المؤلمة التي استقبلتُها كطعناتِ السكين على صدر عارٍ. هل كنتُ متعاطفا أم عاشقا؟ كنتِ شقيةً وكان لابد أن تتركي أثرك على كل شيء يقع في يديك. أرغمتِني على تقصير لحيتي وإطالة دشاديشي، تقولين أنني بدوت أكثر وسامةً بعدها. غيّرتِ أثاث الشقة؛ ليتناسب مع ذائقتك، استحدثتِ ركنا في زاوية الغرفة ثبّتي فيه رفوفًا عديدة؛ لتستوعب كتبك الكثيرة.
كنتُ أقول حين تنشغلين عني بالقراءة: «ما الفائدة من قراءة الفتاة لكتب الفكر والفلسفة والسياسة والبطيخ؟» تجيبين: «الكتب تهديك الحقيقة الصادمة دون أن تمُنَّ عليك. تلك التي تجعلك تفكر أكثر مما يجب بكل ما يدور من حولك». فأجيبك: «لن ولم ولا أفكر بعيدًا عني. الحياة قصيرة بالكاد تكفي أحلامي الصغيرة. وأنتِ إن تأملتِ في طريقة تفكيرك ستعرفين سبب تعاستك وتشردك!».
نبدأ في النقاش ثم تتعقد الأمور أكثر؛ فأخرجُ مثقلًا بالخسارة، إلا أن كل ذلك يجذبني فأنت بطبيعتك الغريبة هذه- بالنسبة إلى شابٍ عرف النساء في قريته بشكل مختلف- كنتِ تستفزينني لمعرفتك أكثر وتزيدين من تعلّقي بك، حتى أن شقتي صارت ملاذًا أنتظرُ انقضاء ساعات العمل بسرعة؛ حتى أعود وأجدك متمددة على الكرسي تقرئين كتابًا بعد أن فرغتِ من إعداد الطعام الذي يكون في الأغلب معلبًا، تستقبلينني بحب، تنادينني مازحة: «زوجي»؛ فأبلعُ حسرتي وألعن شرقيّتي ثم أبتسم بغباء.
كنتُ أكره الدموع في عينيك. حدث أن قبضت عليكِ ذات يوم متلبسة بالبكاء.
قلتُ: «زينب لماذا تبكين؟ ألست تعيشين بداية جديدة معي»؟
أجبتني بحسرة: «الجروح القديمة تلتئم لكنها في أعماق الروح لا تفقد وجعها».
قلتُ متبسمًا: «كل الأشياء مؤقتة… هاه؟ ما رأيك بفلسفتي؟».

***
الآن وأنت تبتعدين وقبل أن يُطبِق البابُ على فم الجدار، أفكر أن أصرخ باسمك، أقولُ بلغة كتُبكِ: زينب لا ترحلي؛ فقد كنتِ الحلم الذي أعيشهُ هانئَا، وحدث أن أفقت منه على صفعات يد غليظة تفوح منها رائحة عتيقة وخيال فتاة قروية تفك ضفائرها المخضبة بالحناء.
زينب اسكبي غيابك في جرة وجعي، وارسمي بظفرك الحاد على وجهي حزنا أبديا، ثم امضي…
هل يمكنكِ سماعي؟
سامحيني، لكنني اخترتُ الحياة التي لم تُلقها الصدفة أمامي ورقة خاسرة …
والباب أغلقه الآن بإحكام لن أتركه نصف مفتوح؛ حتى لا يخرج طيفك خلفك، فأبقى وحيدا.

(2)
لم يعد لي مكان هنا. أعلمُ أنها النهاية.
زينب التي تغادرك الآن- وفي ذاكرتها عامٌ من الحب مرَّ سريعًا كنسمةٍ دافئةٍ- تدركُ عيوبها جيدًا. تعرف أنها لا تصلح لرجل شرقي مثلك. حين التقتكَ أول مرة واختبأتْ في حضنك كانت ضعيفة جدًا، هشةً كورقة خريف، وضائعةً كقطة فقدت صغارها.
ظننتَ أنني فتاة ليل؟ لا ليس كذلك. كل ما في الأمر أنني لم أجد خلاصًا سوى في حضن غريبٍ أبكي؛ فيواسيني دون أن يؤدي دور الوصي. أردتَ أن تسمع حكايتي يومها؛ فأخبرتك عن كل شيء.
«لا أذكر من حياتي سوى العذاب. تخلت عني أمي لتتركني أعيش مع أبي وزوجاته اللاتي كان يُبدلهنّ كل فترة. درستُ الطب لسنتين بعدها أدركتُ أنني في المكان غير المناسب. ما الفائدة من علاج الجسد إذا كانت الروح عليلة ومُدنَّسة؟ انسحبت من الكلية وبقيت في المنزل أبحث عما يناسب ميولي الصعبة. فأنا لا أقبل أن أتبع الآخرين في أمرٍ ما لم أقتنع به. متحررة لكنني أعرفُ الله جيدًا، أجده حولي في كل مكان. ثائرة على كل الثوابت ولدي أسئلة أفتش عن إجاباتها بين الكتب. في عالم (الفيسبوك) تجدني أخط سطور التوعد على كل حوائط الظلم والتخلف والفساد. أحمل على عاتقي قضايا الأمة وجرحنا العربي الذي ينزف في شوارعنا دون توقف. هه المضحك أنني بدأت ثورتي بأبي. كان يمارس الفساد في عمله ويرتشي، وقفت في وجهه حتى يكفَّ عن أفعاله من دافع انسانيتي وحرقتي التي تقتلني كلما شاهدت مظلوما أو فقيرا يعاني في وطني. حبسني في غرفتي؛ لكنني لم أتوقف جمعتُ أدلتي ضده وقدّمت بلاغًا عن جرائمه. ضربني يومها وكدت أموت؛ فهربت مختبئةً في سكنٍ للطالبات عملت فيه كمشرفة بعد ذلك. عرَّفتني إحداهن على أخيها الذي كان يتردد على السكن دائماً. استطاع أن يستغل حاجتي لمن يسندني؛ فأغرقني بالحب وانقض على شرفي في لحظة تحول فيها إلى أسدٍ مفترس. عندها أدركتُ أنني وقعتُ في هوةِ ضياعٍ سحيقة. لقد كنت أعيش لأحمي حقوق الآخرين لكنني لم أجد من يحميني. لا أحد. خرجت هائمة على وجهي أسيرُ نحو المجهول وأبكي ما كان وما سيكون…»

***
أنا خُلِقتُ لأتشرد. هل تذكر أحلام يقظتي التي كنتُ أخبرك عنها؟ كانت تدور حول الحياة والسكينة والحب¬؛ وإلا لماذا نحلم إذا كنا نمتلك كل شيء؟
«مرةً وحبك يعتلي غيمة، حلمتُ أنني حبة رمل ظمأى…»
أخوك الأكبر يستحق الموت؛ فقد أماتني حين حرمني منك كما فعل بعصفورتك. بالمناسبة يمكنني إخبارك لماذا أحبت العصفورة قفص السعف الضيق: «أقصى ما يتمناه أي كائن منكسر هو الأمان» حين نعتكَ أخوك بالزاني ارتبكتَ وأغمضتَ عينيكَ نادمًا.
كنا في إجازة نهاية الأسبوع، قررتَ عدم العودة إلى قريتك والبقاء معي. طلبنا البيتزا، واخترنا فيلمًا نتابعه. رن الجرس، لم نكُ ننتظر أحدًا سوى عامل توصيل الطلبات. فتحتَ الباب لتتفاجأ بأخيك يأخذك في الأحضان؛ دفعك بقوة حين انتبه لوجودي، واحمرت عيناه غضبًا. لأول مرة ألمحُ في وجهك الخوف والندم، وكنتَ مصدوماً تستقبل شتائمه واتهاماته دون أن تدافع عن نفسك.
صرخَ: «اطردْ هذه السافلة حالاً».
وددتُ البصق في وجهه، ليتني فعلتها! لكنني بقيتُ صامتة أسمعك وأنت تتوسل إليه أن يهدأ.
غادرتَ الشقةَ معه ولم تعد.

***
الآن أنا أبتعد…
هل تتذكر منشوراتي على حائط الفيسبوك حين كنت تخاصمني لعشرة دقائق ثم أصير سيدة الدراما وأبدأ في تخيل فراقك وهجرك لي؟
كتبتُ مرة بأصابع عاشقة:
«حتى وإن انتزعتني إلى هوامش الغياب سأظل أنمو من أقصى الحنين مثل أغصان شجرة ممتدة في الجفاف».
ومرة وأنا أبكي:
«لا تتركني، كلانا سنخسر، لا خاسر وحيد في الفراق».
ومرة:
«اهجرني، وسأخبر الله أنك تركتني في ثقب تيه أسود أسقط إلى ما لانهاية».

سأبتعد…
أحمد لا تخف. لن ألتفت إلى الوراء؛ كي لا أرى ابنة عمك القروية تقف إلى جانبك. كي لا أراها تحتل مملكتي، تغير الأثاث، تتخلص من كتبي وأقراصي الموسيقية وتضع مكانها علب الصندل والسدر، مجمر البخور وعدة الخياطة. هل اعتقدت أنني لم أتوقع هذه النهاية؟ كنتُ أختنقُ حزنًا في كل لحظةٍ جميلة تجمعنا، لكنني أختبئ خلف السعادة؛ جميلٌ أن السعادة خدعة سهلة كلما اشتدَّ علينا الحزن مارسناها.
كيف كانت النهاية؟ موجعة كالخيانة، غامضةٌ مثل موْت. كان قد مضى أسبوعين منذ أن خرجتَ مع أخوك. خفتُ عليكَ وتخيلتُ أنك تتعذب في القرية، أبوك يقيدك في جذع النخلة، يجلدُ ظهرك حتى يتقاطر دمًا. ويوم طُرِقَ الباب ركضتُ، شممت رائحتك. فتحته فَرِحةً لكنني اندهشت… كنتَ أنت ولم تكن أنت. يا إلهي! ملامحك تغيرت، لحيتك أصبحت طويلة وشعثاء، في وجهك سكينة ودكانة وحزن وجفاء وقسوة وملامح لا أفهمها!
قلتَ لي: «زوجتي تنتظر أسفل العمارة. غادري الآن «. بقيتُ في مكاني ممتنعة لكنك جَذبتني من ساعدي بقوة إلى الخارج، حدّقتُ في عينيك أبحثُ عني، سألتك عن أشياء كثيرة كانت بيني وبينك يوم كنا شجرة وظل. لكنك كنتَ جامدًا كصنم.
أرحلُ الآن وأتساءل. أين يمكنني دفن الحياة التي قضيتها معك؟ الذاكرة ليست مكانا آمنا. أو…
لا يهم، فأنا أغادر، خطوةً بعد خطوة. وحيدة… لستَ أنت ظلي الذي يتبعني ولا طريقي المفروش بالورد. بعد أن أعبر هذا الباب، لن أعود! لن أرمي بنفسي من إحدى شرف العمارة، لن أعرج إلى منزل أبي منكسرة، بل سأجلس منزوية على رصيف الشارع أبكي، وقد يحل الظلام وتمطر السماء فتبدأ رحلة جديدة.