«سندريلات مسقط» لهدى حمد.. أصوات السِّر في مدينة العلن

طارق إمام –

تنهض «سندريلات مسقط»، الرواية الأحدث للروائية والقاصة العمانية هدى حمد، (دار الآداب، بيروت)، على مفردةٍ أساس هي «التحوُّل». ليس غريباً أن يكون اختفاء الجنيات اللائي كن يتسللن إلى مسقط، حسب المنطق الروائي، هو تحوُّل المدينة نفسها الذي طرد ذلك الوجود الميتافيزيقي عندما انغمس في خرسانيته الزاحفة وتشيؤه المطرد: «الجنيات هجرن مسقط منذ أن أصبحت مضاءة بالكهرباء، ومنذ أن تجمَّد الناس في منازلهم الإسمنتية، وأصبح هدير مكيفاتهم وأصوات التلفاز أعلى من أصواتهن. بكثير من الدقة حدث ذلك، عندما انطفأ التأمل ومات الخيال. حتى إن واحدة منهن _ أعني الجنيات_ اصطدمت ذات مساء بـ«الدش» فوق سطح أحدهم وماتت دون أن يثير موتها أي ضجة تُذكر». هكذا، ومع المقطع التأسيسي، تقدم «سندريلات مسقط» اقتراحها الدلالي المبثوث في كل ثنيات النص: المدينة كفضاء صار طارداً للخيال، بتوغلها في الواقع الاصطناعي الذي أزاح الميتافيزيقي بل وقتله دون ندم. لكن المدينة التي حوَّلت جنياتها لسلالة منقرضة، ما تلبث أن تنتج بديلاً، نابعاً من المعطى «المديني» نفسه وخارجاً من شروطه القاسية، وهكذا تولد «السندريلات» كبديل أكثر اتساقاً مع الحاضر، يؤلف بين الواقعي والمتخيل ويعقد بينهما مصالحةً ما، أو بالأحرى، إمكانية أن يلتقي اليومي مع المفارق في جسدٍ واحد. السندريلات أقل عجائبية من الجنيات، فبينما تنتمي الجنيات بالكامل لعالم مفارق غير أرضي منتمين لشروط المُطلق ورحابة اللامعقول، فإن السندريلات قادمات من تلك البيوت الإسمنتية نفسها والغرف المقبضة والحيوات المحبوسة بين الجدران التي تؤلف ما صار في المدينة الحديثة. كل «سندريلا» من «سندريلات مسقط» هي ذات إنسانية قبل كل شيء، قابلة للتعاطي وفق قانون المحاكاة، لكنها ذات قابلة للتحوُّل أيضاً وفق قانون الفن. «التحوُّل» من جديد، لكنه هذه المرة ليس تحوُّل المدينة، بل تحول قاطنات المدينة ليتمكن من مجابهتها أو التعايش مع شرطها، وهو شرط ذكوري بحكم الثقافة والعرف: «السندريلات لسن كحالهن في البيت. لسن بالبيجامات الداكنة، ولا بالشعر المربوط والذي تفوح منه رائحة زيوت تقوية بُصيلات الشعر، ولا بمئزر الطبخ، وأظافرهن ليست متكسرة، ولو أن أحدنا تجرأ على لمس تلك الأيادي الآن، لما صدق أنها كانت تُعالج أشغالاً عديدة قبل سويعات قليلة. لو دققنا أكثر لاكتشفنا أن كعوب أقدام السندريلات ليست جافةً ومتشققة كما هي عادةً».
وهكذا، يُستعاض عن «ظلمة النخيل اللائي كانت الجنيات يختبئن خلفها، والأفلاج اللائي كن يسبحن فيها، والصحراء الرحبة اللانهائية، يستعاض عن تلك الأمكنة المتصلة بـ«الطبيعة»، بمكان يلائم تماماً واقع المدينة ويتسق مع شرطها الثقافي: مطعم حديث، يضممن فيه طاولتين ليمارسن الحكي. وفق هذه القراءة، فإن «سندريلات مسقط» ليست رواية إدانة للمدينة الحديثة أو حنين مجاني للماضي الفردوسي، بل هي، إن صحت القراءة، رواية «تحايل» على الواقع، تعترف به وتبحث عن شرط يجعله قابلاً للتعاطي. هي رواية تشبه اضطرار المرأة نفسها للتحايل على واقع مكبل، تهرب منه بالحكي، تلك الحيلة القديمة الموروثة عن شهرزاد. وإن كانت «السندريلا»، بألم ولام التعريف، تتحوّل على يدي هدى حمد لثماني «سندريلات»، فإن «شهرزاد» أيضاً تتحوّل إلى ثماني «شهرزادات»، إن جازت صيغة الجمع هذه، تروى كل منهن حكايتها لنفسها، لتكون المحصلة رواية أصوات يهيمن فيها ضمير المتكلم عبر ثمانية رواة.
***
ثمة، مثل ألف ليلة وليلة، حكاية «إطارية» منها تتولد حكايات أصغر. الحكاية الإطارية تسردها «زبيدة»، مؤسسةً للعالم الروائي، ومضمنةً حكايتها الخاصة داخل الحكاية الأشمل التي تختبئ تحت مظلتها ثماني شخصيات/‏ ساردات قادمات، حيث لن تنوب عنهن زبيدة، بل تتيح «حكياً ديمقراطياً» إن جاز التعبير، تتوارى فيه لتفسح لكل واحدة أن تقدم خطابها بصوتها، وهكذا لا تغيب «الأنا» عن هذه الرواية. في الحقيقة تتولى زبيدة القيام بثلاثة أدوار في هذه الرواية: الاضطلاع بدور الساردة الإطارية، تقديم حكايتها الخاصة في ثنيات الحكاية الأكبر، وتقديم الشخصيات السبع بمقاطع تلخيصية موحية، عبر «بورتريهات» كثيفة، تشي بالحكاية لكن لا تفصح.
زبيدة ستكتفي بخمس مقاطع تأسيسية غير معنونة لكن متلاحقة في تعقب خطي يرصد سيرة السندريلات في تقاطعها مع سيرة المدينة. تختفي زبيدة لتظهر مقدمة كل شخصية في مقطع كثيف، كأنها على خشبة مسرح تقدم شخصياتها، لتقدم كل منهن «مونودراماها» قبالة متلقيها مباشرةً. وبعد نهاية الحكايات السبعة، تعود زبيدة لتنهي النص، في «الساعة الثانية عشرة»، ساعة عودة سندريلا الجبرية إلى بيتها. لماذا أوكل إلى زبيدة أن تكون الساردة الرئيسية للحكاية الإطارية دون الباقيات؟ سؤال منطقي تجيب عنه الرواية بإجابة شعرية في سطرها الأخير: «امتد رقصي حتى ساعات الفجر الأولى، وأنا أصرخ لكل الأمراء الذين راقصوني، مُتعمدةً ألا أُفلِت فردة حذائي هذه المرة». باحتفاظ زبيدة بحذائها تحافظ على حقها كساردة، فضلاً عن أنها حققت قلباً عنيفاً لقانون حكاية سندريلا الأصلية، التي تنتصر للذكر، ففيما يراقص أمير واحد في الحكاية الأصلية قطيعاً منن الفتيات بحثاً عن حبيبة، فإن زبيدة تفعل العكس بالضبط، تحقق فرديتها عبر قطيع من الأمراء، وفوق ذلك، لا تختار أحدهم. تستحق زبيدة إذن النجاة وتستحق أن تمسك بأهداف هذه السردية لتقدمها ولتنهيها ولتكون المسؤولة عن تقديم شخصياتها.

***

لمن تحكي الساردات؟ فقبل المتلقي البعيد/‏ القارئ، يلزم متلقٍ قريب. هذا المتلقي هو «ريمون» رئيس الطباخين. الحكايات إذن تُروى لرجل، رغم أنها حكايات سرية، تمثل «المسكوت عنه» والذي يغدو أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بامرأة. الرجل حاضر كمستمع، في قلب أيضاً للمتعارف عليه في الثقافة، حيث يتحدث الرجل لتنصت المرأة. الرجل من جديد يتناص مع «شهريار»، لكنه بخلافه، ليس ملكاً يمتلك السلطة المطلقة بما في ذلك سلطة القتل، هو «طباخ»، أي شخص عابر بلا سلطة، وفوق ذلك، علينا أن ننتبه يمارس مهنة موكلة للنساء، هي الطهو. لذلك تنساب المحكيات بلا خشية على أذني ريمون، الذي لا يكاد يفعل شيئاً سوى الإنصات، كما يكاد يكون هو نفسه المخاطب في عبارات التصدير، المقتبس من «الأمير الصغير» لإكزوبري، والموجه بضمير المخاطب لذكر وليس لأنثى: «ينبغي أن تكون صبوراً. اجلس على مبعدةٍ منِّي قليلاً. سأرمقك بطرف عيني، ولا تقل شيئاً فاللغة هي مصدر الخلاف. لكن بإمكانك أن تقترب منِّي شيئاً فشيئاً». اللغة هنا آمرة، والمخاطب الغائب سيبقى غائباً، أقصى ما يستطيعه هو أن «يقترب شيئاً فشيئاً».
بوجود الرجل تعثر الحكاية على متلقيها، تتحول من موجود بالقوة إلى موجود بالفعل. وعلى جانبٍ آخر، فإن ساردات الرواية يبررن فعلتهن الخطرة بيقين مطمئن: «إن أسرارنا التي انتشرت في الهواء، لا تبدو شيئاً مهماً البتة الآن».