هوامش .. ومـتون: «حارة» المتعة، بلا «بخت»

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

قبل شهور قليلة، شاهدت عرضا كوميديّا قدّمته فرقة مسرح عُمان في قاعة نادي «المصنعة» الرياضي، حمل عنوان «صلبوخ، وعائلته الكريمة»،وكان من بطولة الفنّان فيصل طلال العامري، ووجدت في العرض خطوة لمدّ جسور تواصل مع الجمهور المتعطّش للأعمال الكوميديّة العمانيّة، التي لن تجد لها مساحة إلّا في المناسبات، والأعياد، والمهرجانات، وخير مثال على ذلك تواصل الحراك المسرحي في «صلالة»، وأهميّتها تأتي من بناء علاقة مع المسرح، ستنعشه، وتغذّيه من خلال إيرادات شبّاك التذاكر، لميزانيّات الفرق، وتمدّ العاملين بالخبرة، وجاء مهرجان مسقط السياحي ليتيح لنا فرصة مشاهدة عرض كوميدي لفرقة «تواصل» هو «حارة البخت»، وذلك على مسرح المدينة بحديقة القرم الطبيعيّة، واعتبرتها خطوة جيّدة من بلديّة مسقط بإفساح المجال للفرق العمانيّة لتقديم عروض جماهيريّة، بتذاكر تباع بأسعار رمزيّة، على المسرح نفسه الذي وقف على خشبته كبار النجوم العرب، كعادل إمام الذي قدّم عليه «بودي كارد»، وسمير غانم «مراتي زعيمة عصابة»، ومحمد هندي «طرائيعو»، إلى جانب نجوم خليجيين عديدين.
ووجدت في عرض « حارة البخت» الذي كتبه، وأخرجه مالك المسلماني، فرصة لمشاهدة عرض كوميدي عماني، قدّمته الفرقة على قاعة مسرح جامعة السلطان قابوس، ولاقى أصداء طيّبة، شجّعت أعضاء الفرقة على إعادة عرضه في أماكن أخرى.
تدور أحداث العرض في حارة تدعى « حارة البخت» يسكنها أناس بسطاء يعتقدون أن البخت جافاهم، فجاءت التسمية لتشكّل مفارقة كوميديّة، وتراجيديّة في آن واحد!
ومن سياق الأحداث يتّضح أنّ امرأة ثريّة تدعى «حمامة»، تتحكّم بأهل الحارة، تقيم في شرفة عالية، في إشارة دالّة من المخرج على التعالي، والغرور، والتفاوت الطبقي، والهيمنة الاجتماعيّة، ولكونها تمتلك المال، فهي تقدّم قروضا لسكّان الحارة، فتتمكن من التحكم بحياتهم، ولم يجدوا مهربا من واقعهم سوى اللجوء للأحلام، وبخاصّة حلم الفوز ببطاقة يانصيب، ولو عن طريق الاقتراض، أو بيع الممتلكات الشخصيّة، إلا أنّه لم يحالف أحدهم الحظ، ولا مرّة، في الفوز بجائزة اليانصيب التي تبلغ مليون ريال، لذا تقرّر الجهة المنظمة لليانصيب تخصيص الجائزة لأهالي الحارة، وعليه، فمن المؤكد أن يكون الفائز أحدهم، فتقرّر «حمامة»، ولأوّل مرّة أن تشتري أكبر عدد من الكوبونات، لتفوز بها، وتتابع المشاهد، وتنزل «حمامة» من شرفتها لتتصاعد الأحداث، التي اختلطت بها علاقات الحب، والبغض، وحسّ التآمر، ليكتشف الجميع أن الكوبون اختفى، وهنا تظهر أحداث جديدة، ويبدأ سكان الحارة رحلة البحث عن الكوبون المفقود وسط مساومات «حمامة» مع مندوب الجائزة، التي تنجح في تشديد قبضتها، على سكّان الحارة، وتتواصل أحداث العرض الذي به أكثر من ذروة، وكلما نصل ذروة حدث ما نعتقد أنّ العرض أشرف على نهايته، لكنّه فجأة يبدأ خطّا جديدا يوصلنا لذروة جديدة، وهذا جعل العرض عبارة عن دوائر متصاعدة، ينتظمها خط واحد ينتهي نهاية مفتوحة، فـ«حمامة» تنتصر في النهاية، لتظلّ (الحارة)، بلا (بخت)!عكس ما كنّا نتوقّع، بسبب عدم توحيد أهل الحارة كلمتهم، وهذا ما جعلني أسأل مساعد المخرج الفنّان طاهر الحراصي، إن كان في نيّة الفرقة تقديم جزء ثان منه.
ومن حسنات العرض إنّه كشف عن طاقات كوميدية جميلة، يقف في مقدمتها الفنان عبدالحكيم الصالحي، إلى جانب بقيّة الممثلين: وفاء البلوشية، وتاج محمد نور وسامي البو صافي، وسليمان الرمحي، وعدد من الممثلين الشباب، وكأيّ عرض جماهيري، وضع المخرج الفرجة نصب عينيه، وطعّم المشاهد بالعديد من الأغاني، والرقصات الشعبيّة، والمؤثّرات الصوتيّة، ووجّه بعض الرسائل التوعويّة وظّفها خلال ثنايا العرض، و(القفشات) التي رسمت البسمة على شفاه الجمهور، فتفاعل مع الممثلين، وهذه أولى بوادر بناء العلاقة، وكان الديكور دالّا، ومعبّرا، فقد اقتصر على مقهى الحارة، وظهر بئر على يسار المسرح، وبيت على يمينه، ووسط هذه المساحة دارت الأحداث.
وقد ساهمت بعض الحوارات الطويلة، وتراكم الخطوط الثانويّة في مطّ زمن العرض الذي تجاوز الساعتين بقليل، رغم انتباه فريق العرض لهذه الملاحظة بدليل إنه اختصر ساعة عن العرض الذي قدّم في الجامعة، كما أخبرني مساعد المخرج الفنّان طاهر الحراصي، ومع ذلك تحتاج مفاصل العرض إلى لملمة بعض الأجزاء، ورفع الزوائد، من أجل أن تكون المشاهد أكثر تماسكا، وأقوى بناء، وأكثر امتاعا.