ما الذي نجحنا في تحقيقه؟

جون كيري –
ترجمة قاسم مكي –
نيويورك تايمز –
مع تولي إدارة جديدة أمور الولايات المتحدة، وهو ما تم بالفعل، في 20 يناير الماضي ، فإنه من الطبيعي تقييم الإرث الذي خلفته لها الإدارة السابقة. هنالك البعض ممن لا يرون سوى المشكلات أينما نظروا ويصرُّون على أن النظام العالمي برُمَّتِه يتفكك وأن مكانة أمريكا كزعيمة للعالم في تدهور حاد. وبصفتي وزير الخارجية المغادر، لا يمكنني ادعاء الموضوعية. ولكني تركت الوزارة وأنا مقتنع بأن معظم التوجهات الدولية ستظل في صالحنا وأن زعامة أمريكا وارتباطها بالعالم ضروريان وفعَّالان الآن، كما كانا دائما. ثمة سبب رئيسي وراء ذلك وهو أن الرئيس أوباما استعاد الدبلوماسية الحازمة كأداة مفضلة لسياستنا الخارجية ووظَّفَهَا مرارا وتكرارا لخدمة أمننا وازدهارنا. لقد كان هذا واضحا أولا وقبل كل شيء في حملتنا ضد داعش. فقد كان هؤلاء القتلة قبل عامين ونصف يتقدمون عبر العراق وسوريا. وبدلا من الاندفاع في حرب بمفردنا، عملنا في هدوء على مساعدة العراق في تشكيل حكومة جديدة تضم الجميع. ثم حشدنا تحالفا من 68 بلدا لدعم الجيش العراقي بعد إعادة تأهيله بجانب البيشمركة الكردية وشركاء محليين آخرين لتحرير أراضي سبق لداعش احتلالها. كما أننا منخرطون في «ذروة» جهود لتحرير أكبر المعاقل المتبقية في العراق (الموصل) وسوريا (الرقة) واعتمدت هذه الجهود العسكرية على تعاون دبلوماسي بوساطتنا لمنع التمويل عن داعش وإبطاء تجنيدها ودحض دعايتها السامة في وسائط التواصل الاجتماعي بالمنطقة. لقد تولى الرئيس أوباما منصبه فيما كان البرنامج النووي الإيراني يمضي قُدُمَا وتتعرض بلادنا لضغوط متصاعدة كي تتخذ إجراء عسكريا. أوضحنا أننا سنفعل كل ما يلزم لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وبدأنا بالدبلوماسية فأنشأنا أقوى نظام للعقوبات شهده العالم. واختبرنا رغبة إيران في التفاوض حول اتفاق يضمن سلمية برنامجها النووي على نحو حصري. وكنتيجة لذلك ودون أن نطلق رصاصة واحدة أو نعرض جنودنا للخطر، توصلنا مع شركائنا إلى خطة العمل الشاملة والمشتركة التي سدت مسارات إيران إلى القنبلة النووية وجعلت بلدنا وحلفاءنا والعالم أكثر أمانا. وحين غزت روسيا أوكرانيا في عام 2014، كان يمكن للولايات المتحدة الرد على نحو ما فعلنا قبل ستة أعوام حين اقتصرت مواجهة التدخل الروسي في جورجيا على الخطب فقط. ولكن إدارة أوباما، بعد إصلاحها العلاقات الدبلوماسية التي تضررت بشدة بسبب حرب العراق، نجحت في تحدي المتشككين بالعمل مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات عزلت روسيا وألحقت ضررا بالغا باقتصادها. كما عززنا أيضا الناتو بزيادة كبيرة في مساعداتنا الأمنية للحلفاء في البلطيق ووسط أوروبا. وطوال الوقت، واصلنا العمل مع روسيا وقتما كان ذلك في مصلحتنا. ولكن لأننا وقفنا بصلابة، تعاني روسيا الآن رغم دعاوى قادتها من تقلص احتياطياتها المالية ومن ضعف تاريخي لعملتها وهزال علاقاتها الدولية. لقد أوضح الرئيس أوباما لحلفائنا وخصومنا المحتملين في آسيا أن الولايات المتحدة ستظل قوة رئيسية للاستقرار والازدهار في منطقتهم. وحشدنا العالم خلف عقوبات غير مسبوقة ضد تهديد كوريا الشمالية. كما زدنا من تواجدنا البحري في المحيط الهادي وعملنا إلى جانب قوى إقليمية لدعم حكم القانون في بحر الصين الجنوبي وصغنا شراكة استراتيجية مع الهند؟ أيضا وَحدنا شركاء أساسيين خلف اتفاق تجاري لافت ورفيع المستوى تمثل في شراكة عبر المحيط الهادي التي ما زلنا نعتقد بوجوب المصادقة عليها من الكونجرس. لقد حدث كل ذلك فيما ظللنا نحافظ على علاقة مع بكين كانت في الغالب مفيدة للجانبين. وحين تولى الرئيس أوباما مهامه الدستورية كانت جهود حماية كوكبنا من الآثار الكارثية للتغير المناخي لا تحقق تقدما وتقف في طريقها عقود من الانقسام بين البلدان المتقدمة والنامية. ولكن تواصلنا مع الصين أفضى إلى سلسلة من الاختراقات التي جعلت العام الماضي الأبلغ أثرا في تاريخ دبلوماسية المناخ. إن البناء على ذلك التقدم، بدلا من التراجع عنه، سيسمح بتحول تاريخي نحو الطاقة النظيفة ويتيح الفرصة لإنقاذ الكوكب من أسوأ ويلات التغير المناخي. ويمكن رؤية ثمار دبلوماسية هذه الإدارة في نصفنا الغربي (من الكرة الأرضية) حيث عززنا وضعنا بتطبيع العلاقات مع كوبا والمساعدة في إنهاء عقود من الحرب الأهلية في كولومبيا. وفي إفريقيا كسبنا أصدقاء بتدريب القادة الشبان وقيادة مجهود عالمي ناجح لاحتواء (داء) إيبولا. من الواضح أننا لم نحل كل المشاكل، خصوصا في الشرق الأوسط القابل للاشتعال دائما وأبدا. ولكن الولايات المتحدة معها كل الحق في التأكيد على الحاجة إلى حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وسأظل أيضا على قناعة بأن الصيغة التي اتبعناها لإنهاء الصراع المؤلم في سوريا كانت وستبقى الصيغة الوحيدة التي لها فرصة واقعية لإنهاء الحرب. إنها استخدام الدبلوماسية لحشد البلدان الرئيسية وراء وقف لإطلاق النار في سوريا كلها وإتاحة توصيل الإغاثة وتهميش الإرهابيين وتعزيز المحادثات التي يقودها السوريون لإيجاد دستور وحكومة ديمقراطية. سيدور الجدل لفترة طويلة حول تعامل المجتمع الدولي مع المأساة في سوريا. لقد ظل مسؤولو الولايات المتحدة يديرون نفس هذا النقاش لسنوات في «غرفة الأزمات». وتم استبعاد بعض الخيارات عن حق كإرسال قوات برية ضخمة. أما الخيارات الأخرى مثل نشر قوات خاصة إضافية في عمليات محدودة فقد تم تجنبها بمشَقَّة. وظللنا، شهرا وراء شهر، نقيِّم الأوضاع المتدهورة والمنافع غير المؤكدة للتدخل ضد مخاطر حقيقية جدا بما في ذلك التورط الشديد في حرب متمددة. وفي حين أنني لم أخرج فائزا في كل جدال (لا يحقق ذلك أي صانع للسياسات) لكن يمكنني أن أشهد بأن جميع الأفكار القابلة للتطبيق حصلت على فرصتها الكافية في النقاش. أنا لست مسالما (المسالم من يؤمن بعدم وجود ما يبرر العنف والحرب – المترجم). ولكني تعلمت كرجل شاب حارب في فيتنام أن على من هم في موقع المسؤولية قبل اللجوء إلى الحرب بذل قُصَاراهم لتحقيق أهدافهم بوسائل أخرى. لقد عدت لتَوِّي من فيتنام حيث حققت الدبلوماسية الذكية والمستدامة ما لم يكن بمقدور 10 سنوات من الحرب أن تحققه أبدا. فقد قادت إلى تطوير مجتمع رأسمالي دينامي وفتح جامعة على النمط الأمريكي مع وعد بإفساح الحرية الأكاديمية. كما أنها (وربما كان ذلك أبعد شيء عن احتمالا) عززت العلاقات ليس فقط بين شعبينا ولكن أيضا بين جيشينا اللذين كانا في السابق يعتبر كل منهما الآخر عدوا له. وإذا ما فكرت في المستقبل فإن أملي هو ألا يحجب الاضطراب الذي لا يزال واضحا في العالم على المكاسب غير العادية التي حققتها الدبلوماسية برعاية الرئيس أوباما أو أن تقود إلى التخلي عن المقاربات التي خدمت بلدنا جيدا. إن الدبلوماسية تتطلب إبداعا وصبرا والتزاما بعمل روتيني منتظم كثيرا ما يكون بعيدا عن الأضواء. ونادرا ما تكون نتائجها فورية أو يكون في المقدور تلخيصها في 140 حرفا (في إشارة إلى الحد الأقصى لحروف تغريدة تويتر ويلمح كيري بذلك إلى كثرة استخدام ترامب لتويتر- المترجم). ولكنها ساعدت على بناء عالم يغَارُ منه أسلافنا. إنه عالم يولد أطفالنا في معظم أرجائه، غالبا وأكثر من أي وقت مضى، وهم أصحاء ويحصلون فيه على تعليم ويعيشون دون فاقة. ستواجه الإدارة الجديدة العديد من التحديات مثلها مَثَل أية إدارة قبلها. ولكنها ستتولى الحكم وهي مسلحة بميزات ضخمة لمعالجة هذه التحديات. فاقتصاد أمريكا وجيشها هما الأقوى في العالم. كما أعانتنا الدبلوماسية على اتخاذ موقع يمكننا من النجاح وإشعار خصومنا بعزيمتنا ووضع أصدقائنا إلى جانبنا.

•الكاتب وزير الخارجية في إدارة أوباما