«كل ما صنع الحداد» لمحمود خير الله.. حياة القصيدة وموتها

طارق إمام –

في مجموعة محمود خيرالله الأحدث، كل ما صنع الحداد، يهيمن الخصام كفضاء، كملاذ للذات. الخصام اختيار لابد منه إن أرادت القصيدة تأكيد موقعها من الوجود الذي يصنعها وتعيد هي تشكيله، في جدلية موارة، لا يسبق فيها أحدهما الآخر ولا يستبقه.
خصامٌ، يبدأ من لغة شعرية تنحاز لذلك الكيان المفتوح على احتمالات شتى، وهي قصيدة النثر. ليست قصيدة النثر شكلا منبتا، الموقف من القالب الشعري هو خصام أعمق للقالب الوجودي.. لذلك، فالقصيدة نفسها، «موضوع» في نص كل ما صنع الحداد.
الانحياز للنسبي، دون أن يعني النسبي تهميش السؤال الإنساني، النسبي في الحقيقة هو تكثير للاحتمالات، وبالتالي تكثير للأسئلة وطرق الصياغة، وليس أبدا تنحية لها. الالتفات للهامش ليس إنكارا لوجود المتن، لكن طريقة لتقويضه. تؤكد القصائد على ذلك، لغة وفضاء، طارحة تساؤلها الخاص جدا، تعريفها الشعري، لقصيدتها نفسها.

القصيدة كذات شعرية
من الملفت أن أكثر من نص يتخذ من «القصيدة» كمفهوم، كتصور، ككائن، موضوعا له. نص «عالق كقبلة» مثلا، مكرس، عبر مقاطعه السبعة، لتملي أوجه القصيدة عبر الذات الشاعرة، التي تصحبها منذ الطفولة، وتكبر معها:« جاءتني مرة/‏ وأنا صغير/‏ كنت أمسك جلباب أمي/‏ وكان الناس كلهم/‏ في السوق/‏ خائفين/‏ إلا هذه المرأة/‏ التي أخرجت ثدييها للعالم/‏ لكي تقول لجارتها إنها بريئة/‏ كانا أبيضين تماما/‏ وكتبت عليهما العروق الزرقاء/‏ أجمل القصائد».
القصيدة امرأة عابرة في سوق، تأسيس لا ينبغي أن نغفله، عري أمام جميع المتشحين، وجرأة وسط خائفين.
العلاقة، التي تفجرت من تلك الصدمة، لن تكون أبدا متهادية، لكن فيها الشقاق، والشجار، والخصام:« صفعت القصيدة الباب وراءها/‏ وخرجت غاضبة/‏ لأنني لم أحسن استقبالها بالأمس».
وفي نقض للتصور العام عن علاقة الذات بقصيدتها، تنزع الذات الشاعرة عن نفسها قناع تبني الشعر كمعادل دائم للوجود: « أكتبها حين أفلس تماما/‏ وحين لا يقبلني الناس في أي عمل/‏ وحتى وأنا أتذكر ذلك الرجل/‏ الذي مات منذ ثلاثة عشر عاما/‏ دون أن يسلم علي/‏ ودون حتى أن يعرف/‏ كيف يكتبها».
نحن أمام هدم لتصور فوقي يجعل من القصيدة بديلا عن الوجود، ويرتقي بالشاعر ليصبح نبيا، رائيا، أو حتى قناعا مفارقا. إن هذا التفكيك يؤسس لتصور جمالي في الحقيقة، بقدر ماهو فكري، فاللغة الشعرية هنا، أزاحت حمولات بلاغية عديدة، باحثة عن جوهرها الشعري دون أن تفقد بعدها التداولي.
ليست القصيدة أيضا ذلك الخطاب الموجه للجميع، على القصيدة، أن تختار متلقيها، وأن تستبعد من لا يليقون بها. إنه تصور آخر يجعل من اختيار «المتلقي» حقا أصيلا للقصيدة، مثلما يحق له بالمقابل اختيار قصيدته « يا من أخذتم كل الهواء/‏ وكل الزهور/‏ لأجل بلكوناتكم ومقابركم/‏ يا من تذكروننا دائما بالسؤال:/‏ من أنتم؟ ومن أين/‏ لا تقرأوا هذه القصيدة/‏ فهي مكتوبة لغيركم/‏ لغيركم بكل تأكيد».
اتساقا مع ذلك التأسيس، تُسقِط الذات الشاعرة قناعا آخر، هو الإيهام، بمنطق بريختي ربما، ما يجعل من عملية الكتابة عرضا عاريا. نص « مثل سيارة مستعملة»، على سبيل المثال، هو لعبة، فالقصيدة نفسها التي نقرأها هي مشهد للذات الشاعرة أثناء كتابة القصيدة. بهذا، تصبح القصيدة التي تحققت، التي نقرأها كخطاب جمالي تام، هي نفسها القصيدة التي لم تُكتب بعد:« العاشق الهش/‏ الذي لم يخسر شيئا/‏ لأنه لم يكن لديه ما يخسره/‏ الضعيف إلى حد النكسة/‏ وإلى حد الجلوس طوال الليل/‏ هكذا/‏ لكي يكتب قصيدة عن نفسه».
«أنسنة» القصيدة، طريقة أخرى لنزع القداسة عنها، لخمش ألوهيتها التي تجعل منها كائنا غير متجس ولإنزالها من عليائها المُصطنع: « تدلت ضفيرتها/‏ صغيرة جدا/‏ وشاحبة/‏ وآخر ما تبقى لها من طفولة/‏ خسرتها لعبة/‏ لعبة/‏ وحين خرجت من العيادة/‏صفعت الباب وراءها/‏ كأنها تلومني».
تتنقل الذات إلى ضمير المخاطب. إنه تحول لافت، لأن العلاقة، وإمعانا في تأكيد الجدل، تتخذ شكل المواجهة: « ليس ذنبي أنني صدقتك/‏ حين جئت إلي/‏ وحيدة وعارية/‏ وصدقت الموتى/‏ الذين يأتون دائما معك/‏ كأنك ابنتهم جميعا». إنها علاقة رجل وامرأة هنا، غير أن حتى هذه العلاقة، ستصنع قانونها لتخرق القاعدة، ما نسميه «الإخلاص».
القصيدة، قادرة على خيانة شاعرها، هذه المرأة، بالضرورة، تنام دائما في سرير رجل آخر، « تركت أصابعها في يدي/‏ ذات مرة/‏ وانصرفت متعجلة/‏ وحين أغلقتُ الباب على نفسي/‏ وجدتُ خاتما من شاعر آخر/‏ في واحد من هذه الأصابع». إنه، مجددا، تصور يهدم النقاء المفتعل، ويؤكد على حقيقة هامة نسميها «التناص».. الشعر في جوهره اختلاط أنساب، ولا وجود لقصيدة من صلب شاعرها بالكامل.

مراوحات الذات
جدل فائر، بين توحد الذات وتبنيها لصوت جماعة، بين همسها وزعيقها، بين عبارة شعرية مقتصدة جافة بلاغيا، وأخرى منداحة متشبعة بالصور.. بين كل ذلك، تتخلق القصيدة.
الذات، في تراوحها بين الداخل والخارج، تغير من زاوية رؤيتها لتكشف في كل مرة تفصيلة من وجودها، ولا يكتمل المشهد إلا باكتمال القصائد. الذات الشاعرة تلتفت لنفسها، تحتل الصدارة، ليتحرك الخارج كله على خلفيتها، عبر صوتها المفرد، ثم تفعل عكس هذه التقنية بالضبط، فتصير صوتا ينوب عن جماعة، صوتا متعديا، تتكشف ذاته على خلفية ما تنفتح عليه من ذوات أخرى، ذوات هي مرايا للذات في الواقع.
ينتظم هذا التراوح البنية الأشمل للمجموعة ـ عندما نقرأها كنص كبير ـ لنكتشف أن هذين المنحيين يتناوبان الحضور بالعدل. بين حضور الذات كوجود متجسد يتملى نفسه، وحضورها كصوت يتأمل عالمه، تتوزع القصائد.

تبدأ الذات الشاعرة النص بتأمل يدها، مناط الشر فيها، سوءتها الحقيقية.
لا تعري الذات جسدها، لا ترفع ورقة التوت عن عضوها الذكري، بل تعيد تعرية اليد ـ العضو العاري منذ نولد ـ مجازيا.
تنزع الذات الغطاء عن الكف التي تكتب، كأنها تقترف القصائد، اليد، المستقلة عن مشيئة الجسد، كأنه سلطتها التي يجب أن تحاربها.
اليد عورة الذات. اليد هي الفردية المنبتة عن قطيع أعضاء ملتصق بها، هي «يد تذهب إلى الموت بمفردها ».
اليد هي القطيعة مع النقاء الأول، « ولدت مسالمة/‏ وبعد دورة أو دورتين/‏ لم تعد يدا بريئة».
هكذا تطلق الذات الشاعرة تعريفها الشعري لنفسها، بمجاز يتكئ على عضو، «لا يتداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، يلخص وجود الذات كلها. تؤسس الذات عبر هذا النص الافتتاحي بالفعل، لوعيها بالوجود، لانقسامها على نفسها: « أخفيها عن نفسي أحيانا/‏ كأنها جثة/‏ لم تعد خشنة/‏ ولم تعد قادرة على ارتكاب شيء».
ذلك المنحى التأملي، هذه اللغة الشعرية المكتظة بالصور الصغيرة المتكثرة، خالقة صورة كبيرة، يشبه هدوءا يسبق عاصفة. الخصام الذاتي، لن يلبث أن ينفتح، كموجة عاتية، على السياق، في النص التالي مباشرة، «كل ما صنع الحداد»، الأطول بين نصوص المجموعة، والمجزأ على عشر قصائد. إنه أيضا النص الأكثر غضبا، والذي يحضر اسمه عنوانا للمجموعة، كأنه الأجدر بأن ينوب عن كل عناوين القصائد على الغلاف.
ليس من همس في هذا النص، ليس من مواربة في الطرح، ليس من التفاف حول المباشرة. في هذا النص، أنا تواجه أنتم، تقيم قطيعة، حد أنها تمنع هؤلاء حتى من قراءة قصيدتها. أنا، هي صوت جماعة لا صوت فرد، حيال جماعة أخرى، تملك كل شيء.