« 2334 » .. ليس أفضل حالا من « 242 » !!

محمد حسن داود –

,, مهما بلغت بنا درجة التشاؤم ، فلا يمكن إلا أن نسلم بأن قرار مجلس الأمن رقم 2334 هو نقلة سياسية نوعية لها أهميتها ودلالتها في مسيرة الصراع العربي – الإسرائيلي، ومهما بلغت بنا درجة التفاؤل فلا يمكننا كذلك الجزم بأن مصير أو حظ هذا القرار سيكون أفضل حالا من القرار الأشهر242 ,, هذا الرأي ليس محاولة للتوازن أو للإمساك بالعصا من المنتصف، وكذلك ليس تعبيرا عن حالة التباس في الفهم أو الرؤية بقدر ما يمثل محاولة للقراءة الموضوعية والميدانية للقرار «التاريخي» الذي أصدره مجلس الأمن الدولي برفض الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدم الاعتراف بالمستوطنات القائمة بالفعل، وربما لهذه القراءة أهميتها في ضوء حالة المبالغات الهستيرية في الاتجاهات السلبية والإيجابية وكذلك قبولا ورفضا أو فرحا وحزنا تجاه القرار ذاته، أضف إلى ذلك المواقف السياسية الغامضة لأطراف الموضوع والظروف المحيطة به، ولا نعني هنا ملابسات تقديم المشروع – قبل أن يصير قرارا يحمل رقم 2334 – ثم سحبه ثم التصويت عليه بالموافقة بأغلبية كاسحة ربما لم تتحقق من قبل بالنسبة لقرار دولي من شأنه إنصاف الفلسطينيين.
فقد كان مثيرا للدهشة على سبيل المثال حالة السرور البالغة التي هيمنت على جلسة مجلس الأمن فور إعلان النتيجة النهائية للتصويت وانعكست في شكل موجة من التصفيق الحاد والمتواصل الذي يكاد أن يكون قد وصل إلى حد الصياح على غير العادة ، ويمكن تفهم ذلك بكل تأكيد حيث جاء التصويت فريدا من نوعه بعد سنوات عجاف ظلت خلالها الولايات المتحدة عبر إداراتها المتعاقبة بما فيها إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما – تعطل الطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني داخل منظمة الأمم المتحدة بأكملها وتحول دون حمايته خارجها عبر مفاوضات مباشرة ثنائية أو متعددة الأطراف، ومن ثم فإن حالة النشوة التي انتابت أطراف الجلسة – حتى الطرف الأمريكي والأطراف الغربية ذاتها – يمكن تفهمها في ضوء ذلك باعتبارها محاولة جادة لإحياء جهود التسوية.
وكذلك لا غضاضة في اعتبار القرار الجديد صفعة قوية لإسرائيل على حد وصف مسؤولين فلسطينيين لأنه يتضمن بالفعل نقاطا وبنودا شديدة الإيجابية كتأكيده على أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية ليس له أي شرعية قانونية ويشكل انتهاكا صارخا لموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل والدائم والشامل وأيضا تأكيده على أن واجب إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال أن تتقيد تقيدا صارما بالالتزامات والمسؤوليات القانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، كما أدان القرار جميع التدابير الرامية إلى تغيير التكوين الديموغرافي ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة والتي تشمل إلى جانب تدابير أخرى المستوطنات وتوسيعها، ونقل المستوطنين الإسرائيليين ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وتشريد المدنيين في انتهاك للقانون الدولي والقرارات ذات الصلة، كما جدد المجلس تأكيده على أنه لن يعترف بأي تغييرات في خطوط الرابع من يونيه 1967 بما في ذلك ما يتعلق بالقدس سوى التغييرات التي يتفق عليها الطرفان من خلال المفاوضات.
ويعد هذا الموقف بالفعل خطوة كبرى ومفاجئة من جانب واشنطن تحديدا خاصة أنه في عام 2008 وخلال شهر سبتمبر منه، عقد مجلس الأمن جلسة علنية حضرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبومازن، ووزراء خارجية عدد من الدول الأعضاء للبحث في استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، بناء على طلب من المجموعة العربية، وحذر المتحدثون العرب حينها، من استمرار النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية ومخاطر ذلك على السلام في المنطقة وتقويضه لآمال التوصل للحل القائم على الدولتين. واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في فبراير 2001، ضد مشروع قرار مقدم من المجموعة العربية ومدعوم من أكثر من 100 دولة لإدانة الاستيطان الإسرائيلي والتأكيد على عدم مشروعيته.
وعلى الجانب الآخر برزت حالة هستيرية في الاتجاه المعاكس، كان خير دليل عليها الكلمة التي ألقاها السفير الإسرائيلي في الجلسة ذاتها حيث تحول إلى آلة من الأكاذيب الصارخة والمغالطات التاريخية بعدما وجد نفسه في حالة من الحرج والحصار الشديد داخل المجلس حتى من واشنطن قوة الحماية التقليدية لبلاده، وعلى وجه التقريب خرج السفير عن شعوره فبدا عصبيا ومذعورا إلى حد اتهام العالم بمساندة «الإرهاب» وتقويض السلام والديمقراطية، رغم أن واقع الأمر أن بلاده هي المسؤولة عن كل تلك الممارسات المروعة في المنطقة إلا أن كلماته وردود الفعل المبالغ فيها من جانب رئيس وزرائه نتانياهو وحكومته عكست حالة من التصرفات الهستيرية غير المبررة في ضوء النتائج النهائية المتوقعة للقرار إلا أنه يمكن تفهم هذا التطرف الهستيري في ضوء رغبة الدولة الصهيونية في إبعاد المجتمع الدولي عن ممارسة أية ضغوط عليها في سبيل التسوية النهائية وتجنبا لتحول هذه الضغوط إلى عملية مؤسسية كثيرا ما سعت إسرائيل على مدار عقود من الزمان للتخلص منها.
وهناك أيضا رد فعل هستيري أخر يعكس حالة من المبالغة غير المبررة وإن كان يسهل فهمها على ضوء الأحداث الجارية، وهو رد الفعل الأمريكي للادارتين الحالية والمقبلة بزعامة دونالد ترامب، فبينما اعتبرت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سمنتا باور أن استمرار البناء الاستيطاني يقوض بشكل خطير أمن إسرائيل وأن الولايات المتحدة ترسل رسالة سرا وعلنا منذ حوالي خمسة عقود بأن المستوطنات يجب أن تتوقف مؤكدة أنه لا يمكن للمرء أن يدافع عن توسيع المستوطنات الإسرائيلية وفي نفس الوقت يدافع عن حل للدولتين تتوفر له مقومات الاستمرار لإنهاء الصراع، فقد ندد رئيس مجلس النواب الأمريكي بول ريان والسناتور جون مكين وكلاهما من الجمهوريين بقرار إدارة أوباما الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لتمرير قرار المستوطنات.
واعتبر امتناع الولايات المتحدة عن التصويت «مشين بالقطع» و«ضربة للسلام» بينما قال مكين إن الخطوة تجعل الولايات المتحدة«متواطئة في هذا الهجوم الفظيع» على إسرائيل على حد قوله !
وفي السياق ذاته قال السناتور الأمريكي لينزي جراهام إن سياسة الولايات المتحدة في ظل أوباما «انتقلت من السذاجة والغباء إلى التهور التام» بعد امتناعها عن التصويت على قرار الاستيطان. وقال السناتور الجمهوري البارز على تويتر عقب التصويت :في وجود أصدقاء مثل هؤلاء.. لا تحتاج إسرائيل أي أعداء! وأضاف «بغض النظر عن الهجمات الإرهابية التي يعانون منها أو عدد الصواريخ التي تطلق عليهم.. إسرائيل دائما هي الشرير في الأمم المتحدة» وهدد جراهام في وقت سابق بالعمل من أجل تعليق المساعدات الأمريكية للأمم المتحدة أو خفضها بدرجة كبيرة بسبب القرار.

الواقع أننا بذلك أمام موجات متلاطمة من العصبية السياسية وردود الفعل المبالغ فيها لأسباب عديدة من بينها أن الموقف الأمريكي الجديد الذي يبدو مؤيدا للفلسطينيين لا يعبر بالقطع عن رغبة مخلصة لدى واشنطن لإنصاف الشعب الفلسطيني بعد طول غبن، وسواء كان الموقف واضحا في تصريحات سامنتا باور أوجون كيري فقد جاءت في الوقت الضائع بينما تفيض روح إدارة أوباما السياسية وأغلب الظن أنها أصدرته توريطا للإدارة المقبلة بزعامة ترامب الذي بالغ هو الآخر بشدة في ردود فعله لعلمه جيدا أن هذا القرار لن يلزمه بأي مواقف حادة تجاه إسرائيل أو أكثر ليونة تجاه الفلسطينيين وأن الأمر لا يتجاوز حدود الرغبة في عدم إحراج إسرائيل دوليا، وكذلك الأمر بالنسبة لنتانياهو الذي يعرف جيدا كيف سيتملص من هذا القرار ولدى دولته تاريخ طويل جدا من هذه الممارسات التي وقف المجتمع الدولي عاجزا عن معاقبتها عليها.
وذلك يدفعنا وبدون أية مبالغات أو رؤى متشائمة إلى التأكيد على أن الأمور والأزمات لو كانت تحسم من خلال مثل هذه القرارات الدولية لتخلص العالم من كل مشاكله منذ زمن بعيد، وأكبر دليل على ذلك القضية الفلسطينية ذاتها والتي صدر لصالحها عشرات القرارات المنصفة من جانب الأمم المتحدة وهيئاتها وأشهرها على الاطلاق القرار رقم 242 الصادر بعد حرب يونيو 1967 ويلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة إلى حدود الرابع من يونيو إلا أن كل هذه القرارات ظلت حبيسة الأدراج لغياب الإرادة السياسية والآلية الدولية لتنفيذها بل وازدادت الأمور سوءا طوال السنوات الماضية دون رادع لآلة العدوان الصهيونية ، مما يرجح التصور النهائي بأن القرار 2334 قد يحسن بالفعل من وضعية المفاوض الفلسطيني ويقوي موقفه في المطالبة بحقوقه المشروعة ولكن شواهد أخرى كثيرة تؤكد أن حظوظ هذا القرار لن تكون أفضل كثيرا من القرار 242 .