أعظم مائة كتاب غير أدبي «لا شــــعـار»

886121روبرت مكروم –
إعداد: أحمد شافعي –

«إن النمو الفلكي الذي تحقق للشركات متعددة الجنسيات في الثروة والتأثير الثقافي على مدار السنوات الخمسة عشرة الماضية يمكن تعقب أصله إلى فكرة واحدة سافرة الأذى قال بها منظرو العلوم الإدارية في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وهي فكرة أن الشركات الناجحة هي التي تنتج في المقام الأول علامات تجارية لا منتجات».
من بين كتب هذه السلسلة ما يلتقط روح العصر، ويدين بكثير من نجاحه أو تأثيره للطريقة التي نقل بها ـ سواء أكان ذلك عن وعي أم بغير وعي ـ مزاج الزمن الذي نعيشه. ومن هذا الصنف من الكتب كتاب «لا شعار» لنعومي كلاين.
عندما صدر للمرة الأولى في كندا والولايات المتحدة بعيد اندلاع مظاهرات سياتل المدوية ضد منظمة التجارة العالمية في نوفمبر 1999 التي أبرزت مناهضة العولمة في الأجندة الإعلامية العالمية، كان لكتاب «لا شعار» عنوان فرعي إشكالي (هو «استهداف العلامات التجارية المستقوية») واعتبر الكتاب مزيجا من الصحافة الراديكالية والدعوة إلى حمل السلاح. ويمكن بأثر رجعي تفسير رد الفعل الذي أحدثه الكتاب بوصفه أثرا لنوع ما من حمية ما قبل الألفية.
ترى كلاين أن «مناهضة العولمة» اصطلاح خاطئ. «فالهدف الإصلاحي هو مناهضة الشركات، والهدف الراديكالي هو مناهضة الرأسمالية. أما سر تفرد الكتاب فيكمن في إصراره على عالميته». بات «لا شعار» بمثابة المانيفستو لنقد الطريقة التي يتحرك بها العالم، مجسدا في شخصية مؤلفته نعومي كلاين الواضحة البصيرة التي وصفتها أوبزرفر البريطانية بأنها «مرجل غضب ذكي إيجابي».
يكمن سر كتاب كلاين في الطريقة التي أنسنت بها حججها وفي التقارير الصحفية الفاتنة التي أعدتها حول مساعي الشركات الأسيوية وحول الجانب المظلم من الرأسمالية الغربية في أفريقيا. علاوة على ما في كتابها من نبرة إصرار دون وعظ، وتحليل تفصيلي بلا غموض. حتى لقد وصفها أحد النقاد بـ»الوريثة الشابة الأنيقة لنعوم تشومسكي( الفيلسوف اللغوي الأمريكي)»، وكذلك كانت، ولو على نحو ما.
نعومي كلاين ابنة هيبيَيْن (من جماعة الهيبيز المتمردة) مناضلين انتقلا من مونتريال إلى الولايات المتحدة سنة 1967 لمقاومة حرب فييتنام. نشأ والدها في أوساط الشيوعيين الأمريكيين، وكانت له صلات بعيدة بهوليود. أما كلاين نفسها فقضت طفولتها في احتجاج جزئي على أجندة أسرتها الراديكالية، لا سيما نسوية والدتها.
قالت إنها قضت أغلب مراهقتها في مراكز التسوق، مفتونة بالعلامات التجارية الكبرى، رافضة قيم والديها. قالت كذلك إنها استشعرت «القهر» في أن تكون لها أم «مغالية في النسوية» وإنها تراخت في تبني قضايا حركة المرأة. ولكن حدثين ـ شخصيا وعاما ـ هما اللذان كانا حافزين لتغير موقفها.
وقع الحدث الأول وهي في السابعة عشرة إذ أصيبت أمها بجلطة أفضت إلى عجز جزئي خطير، فتوقفت كلاين عن الدراسة لعام لتساعد الأسرة في الاعتناء بالأم. وتلك كانت تضحية نأت بها عن «أن تكون فتاة تافهة». ثم حدث أثناء الدراسة في جامعة تورنتو سنة 1989 أن تأذت أشد الأذى من مذبحة تعرضت لها بعض طالبات الهندسة في مأساة (عرفت بمجزرة مونتريال) شهدت مجنونا في الخامسة والعشرين من العمر يجري صائحا إنه «يحارب النسوية». وبينما كان يجري صائحا في من يقابل في طريقه من النساء بأنهن «حفنة نسويات» كان يطلق الرصاص على 28 منهن قاتلا 14.
وتلك كانت صيحة الإفاقة لكلاين.
بصدور «لا شعار» اعتبرت نعومي كلاين مقاتلة من أجل الحرية والثقافة الراديكالية ما بعد الاستهلاكية. وجاءت تحية النسوية الأمريكية العظيمة جلوريا ستاينم بمثابة تسليم للشعلة إذ قالت «ما كاد يقع في أنفسنا أن الشركات متعددة الجنسيات والنزعة الاستهلاكية المسعورة أضخم من أن يقاومها أحد حتى جاءت نعومي كلاين بمعلومات وروح وأخبار عن مناضلين ناجحين وموجودين فعلا بيننا». برز «لا شعار» بقوة حجته، ونصوع جهده الصحفي. وفي مفتتح الكتاب أشارت كلاين نفسها إلى أن ما في هذه الكتاب «ليس نبوءات، بل معاينات». فمست بذلك وترا لدى أيقونات الثقافة الشعبية ممن لديهم إحساس بالمسؤولية الاجتماعية. فأعلن فريق راديو هيد Radiohead على سبيل المثال عن تأثره بكتاب كلاين أثناء إعداد ألبوميهم الرابع والخامس Kid A (2001) و Amnesiac (2001). وأوصى الفريق جماهيره بالكتاب من خلال موقعه الإلكتروني.
ليس من الصعب أن نفهم سر جاذبية «لا شعار» في أوساط الثقافة الشعبية. فقد كانت تكمن من وراء ملاحظات كلاين فكرة أنه ما دام العالم قرية معولمة فإن شعارات الشركات (مثل نايك وولمارت وستاربكس) تمثل لغة عالمية يفهمها الجميع وإن لم يملكوا إليها سبيلا. ورأت في ميلاد العلامات تجارية وسائل الشركات إلى دعم الابتذال في التسويق الضخم. وفي حين تتبعت تقدم الشعار عبر أربعة أقسام هي «لا فضاء» و»لا خيار» و»لا وظائف» وأخيرا «لا شعار» تنقلت عبر الآثار السلبية لنشاط الشركات القائم على ترويج العلامات، قبل أن تقيم حجتها المركزية على الصراع بين سيطرة الشركة والهوية الشخصية والمناهج العديدة التي يتبناها المستهلك الفرد للمقاومة.
يكمن جزء من جاذبية «لا شعار» في اعتراف كلاين الصريح بسذاجة مسعاها. وهي في الختام حينما توازن بين الاستهلاكية والمواطنة ـ وتختار المواطنة ـ تتحلى بصراحة فاتنة. تكتب «حينما بدأت هذا الكتاب، لم أكن أعرف بأمانة إن كنت أغطي مشاهد هامشية للمقاومة أم ميلاد حركة تحمل بداخلها بذور الضخامة. ولكنني بمرور الوقت بدأت أرى بوضوح حركة تتشكل أمام عيني». وهي حركة لم تزل كلاين تروجها حتى اليوم.
بعد عشر سنوات على صدور «لا شعار» نظرت كلاين إلى الوراء لتتأمل دروس تجربتها. جزئيا، يبدو أنها تدرك أن الظاهرة التي وضعت يدها عليها سنة 1999 موجودة لتبقى. «حينما رأيت للمرة الأولى فيديو [أي: «نعم نحن قادرون» وهو شعار حملة أوباما الرئاسية] وفيه مشاهير يقولون الشعار أو يغنونه على خلفية خطبة لأوباما على طريقة مارتن لوثر كينج، قلت لنفسي: أخيرا، يأتي سياسي بإعلان في جاذبية إعلانات نايك».
وبعد إفاقتها لاحقا على الحقيقة ـ شأن كثير من اللبراليين في أمريكا الشمالية ـ حينما لم ترتق أفعال أوباما إلى أقواله السامية، رضخت كلاين لحقيقة أن غرام العالم بأمريكا أوباما التي أعيد تقديم علامتها التجارية هو غرام مؤقت. فكتبت في اعتراف دال تقول إن «أوباما لم يعد تقديم علامة أمريكا التجارية وحسب بل أحيا المشروع الاقتصادي النيولبرالي بعد أن كان على أبواب الموت. وما كان لغير أوباما ـ الذي تصورناه مخطئين فرانكلين روزفلت جديدا ـ أن ينتشله من هناك».
لا تزال كلاين على موقفها من إعادة تقديم العلامات التجرية وما يترتب
عليها من عواقب اجتماعية أوسع نطاقا، لكنها تعترف أن «التبني العالمي لعلامة أوباما التجارية» لا يزال يظهر قبولا استثنائيا للتغيير التقدمي، وهو نوع التحول الاجتماعي الذي تتوق إليه كلاين. وبذلك تبقى راديكالية شبابها كما هي في جوهرها، وإن تكن حوافها قد لانت بعض الشيء. فتكتب في لغة تتنكر للتأثير الذي كان لظاهرتها ذات يوم قائلة إن «المهمة القادمة هي تكوين الحركات، وهذا هو العمل الحقيقي». وفي معرض استشهادها بستاد تيركيل ـ المؤرخ الاشتراكي الراديكالي العظيم في أمريكا الشمالية ـ تلاحظ أن «الأمل لا يذوي، بل يتفجر دائما وأبدا».
ومع تقدمنا في هذه السلسة التي تستشكف جوهر التراث الأنجلوأمريكي سوف نكتشف بعض الصلات الفاتنة بين كلاين وبعض الصحفيين الراديكاليين في الماضي والساسة الخارجين على الأعراف مثل دانيال ديفو وتوم بايني. فبرغم كل ما في «لا شعار» من اضطراب يبقى على أقل تقدير منحدرا من «المنطق» لبايني، ويبقى لدى كلاين الكثير الذي يمكن أن تتناقش فيه مع دانيال ديفو مؤلف «جولة في جزيرة بريطانيا العظمى كلها».