رأس المال والدولة.. أفكار جديدة

مصباح قطب –

حضرت مؤخرا ندوة في مدينة مراكش المغربية الجميلة، نظمها منتدى البحوث الاقتصادية ، وكان موضوعها العلاقة بين رأس المال والدولة وكيف يمكن الفصل بينهما لتحقيق الشفافية والمنافسة والنزاهة وكسب ثقة الرأي العام في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي .
شارك في الندوة أساتذة اقتصاد من أرقى الجامعات العالمية في الولايات المتحدة وانجلترا وهولندا وغيرها، وخبراء وصناع قرار وباحثون بارزون من منطقة الشرق الأوسط ، ولذلك فان المناقشات كانت عميقة ومثيرة في آن واحد ، وبصفة خاصة عند عرض ومناقشة البحوث التي ترصد مظاهر المحسوبية التي تحظى بها شركات عامة أو خاصة في كل من تركيا وإيران والمغرب ومصر ولبنان .
وحسبما قال الدكتور احمد جلال – أستاذ الاقتصاد ومدير منتدى البحوث – فان العلاقة بين رأس المال والدولة هي علاقة هيكلية ومعقدة ، كما أن طبيعة النظام السائد هي التي تحدد طبيعة تلك العلاقة ، وأضاف جلال: قد لا توجد دولة شمالا او جنوبا وشرقا او غربا  ، ليس فيها صلات بين السياسة ورأس المال او يكون القطاع الخاص فيها «بريء» السلوك طوال الوقت ، لكن هذا لا يعني أن كل الدول سواسية ، كما ان لكل تجربة دروسها فالامتيازات التي تم منحها لشركات في كوريا او في الصين على خلاف بينهما كانت ذات مردود إيجابي من وجهة نظر كثيرين والسؤال : ما هي الترتيبات التي تجعل المحسوبية من هذا النوع او الاتصالية بين البزنس والسياسة تؤدي الى الأفضل ؟ ثم من يضمن ان تؤدي الشروط والترتيبات التي تتخذها دولة من الدول لدفع شركات خاصة او شبة عامة إلى الإمام لزيادة تنافسية الدولة الى تحقيق نتائج حميدة للجميع، وقال الدكتور جلال أيضا يبدو أن السياسيين مجبورون على منح مزايا للقطاع الخاص ولكن سيبقى عليهم حينئذ إقناع المجتمع بأن تلك المزايا هي لخدمة المصلحة العامة وليست لخدمة مصالحهم  .
وكان من الأفكار المهمة التي تم طرحها في الندوة ان لكل نموذج سياسي نوع خاص من المحاباة او التمييز،  بل ان النموذج الواحد للمحاباة قد تحدث فيه تحولات شديدة طبقا للتطورات السياسية في البلد ، وعلى سبيل المثال فان الصراع الذي دار في تركيا بين فريقين من الحزب الحاكم نفسه يوضح كيف تم في لحظة استبعاد فريق ممن يحصلون على امتيازات في مجال الأعمال لحساب فريق وتبرير ذلك بأنه للمصلحة القومية العليا (أتباع أردوغان وأتباع جولن) وقد تم لفت الانتباه الى ان دراسة العوامل الاقتصادية الداخلية – وبصفة خاصة ما يؤثر على ضع ميزان المدفوعات – والخارجية المحيطة بالبلد قد تفسر لماذا تأتي لحظة يتعين فيها تضييق نطاق الامتيازات جبرا  ، واستبعاد فريق من المجموع الذي تم تمييزه ، حيث يتعذر لتراجع الفوائض إرضاء الجميع  ، وعلي سبيل المثال فان الأزمة المالية العالمية في 2008 أدت إلى هبوط حاد في تدفق الاستثمار المباشر وغير المباشر من الاتحاد الأوروبي – وهو الشريك الأول لتركيا وللاقتصاد التركي – الى تركيا ، مما أدى الى اختلالات واضحة في ميزان المدفوعات ، وقد حاولت تركيا تعويض ذلك بالتدخل في شمال العراق وفي سوريا وغير ذلك بيد أن السياسة التركية أخفقت في عمل هذا التعويض ما حتم لحظة الصدام بين فريقي الحزب الحاكم وهما – وحسب باحث – الليبرالية المخلصة او التقية والتيار التقليدي في العدالة والتنمية – ، رغم ان الاثنين كانا حليفين على مدى سنوات طويلة.
وقد توقفت طويلا عند وصف احد الباحثين لفئات معينة في تركيا باسم البورجوازية المخلصة او التقية كما أشرت وهي الرأسمالية الأوسع افقا والتي تجاوبت مع النظام او حتى ذابت فيه وسارت معه جنبا إلى جنب في آسيا الوسطي والمنطقة العربية وشمال ووسط افريقيا ، من اجل تحقيق مكاسب مزدوجة للدولة وللبرجوازية معا ، وكيف هددت لحظة الصدام بين جولن وأردوغان هذا التحالف نسبيا على الأقل.
الطريف أنني لاحظت أن هذا التقسيم للبرجوازية قد نشأ على خلفية سعي تركيا للاندماج في الاتحاد الأوروبي مما يلزم معه وجود طبقة برجوازية ذات مسحة علمانية تستطيع ان تقود قطاعات السياحة والترفيه بالمعايير الأوربية ، وتكون مخلصة للنظام في نفس الوقت. وقادني ذلك الى ان اقترح في الندوة العمل علي إيجاد تيار يمكن ان نسميه «العلمانية المخلصة او التقية في العالم العربي» بحيث يقود هذا التيار عملية التحديث في بلادنا بانفتاح عقلاني علي العالم ومراعاة الاعتبارات الروحية والأخلاقية والعروبية اللصيقة بمجتمعاتنا .
وبشأن الحالة الإيرانية فقد تم عرض بيانات قوية ومتماسكة على نوعية وطبيعة الشركات الحكومية وشبه الحكومية ومعها بعض الشركات الخاصة التي تتمتع بميزات وحصص محسوبة بشكل دقيق بحيث لا يتم الإخلال بالتوازنات المالية الخاصة بكل من مؤسسة الأمام والحرس الثوري والجيش وطبقة التجار ورجال الأعمال، وكان اهم ما شغلني خلال مناقشة البحث هو هل تأتي على هذا النظام الغامض لتوزيع المزايا ، لحظة يحدث فيها انشطار شبيه بما جرى في تركيا؟ بحيث يتم الدفع ببعض المجموعات بعيدا عن إطار النظام التمييزي ام تستطيع ايران الاستمرار طويلا في هذا النهج ؟ وقد استدعيت في تلك اللحظة مقولة المفكر العراقي هادي علوي حول استحالة قيام نموذج اشتراكي واضح او رأسمالي واضح في ايران الراهنة بسبب ما اسماه ظاهرة التكابح بالنصوص، بمعنى انه كلما قدم فريق من أهل الحوزة نصوصا تخدم فكرة التوجه الى الرأسمالية مثلا قدم فريق آخر حججا لا تقل قوة تدعم التحول إلى الاشتراكية وعليه فان النظام سيظل يراوح بين هذين لمدة طويلة او بمعنى آخر يدور في دائرة غموض الهوية الاقتصادية التي اشرنا إليها .
وخارج قاعة الندوة قال لي الدكتور احمد جلال ان من المهم ان نأخذ في اعتبارنا طوال الوقت انه لا توجد خصائص ثابتة لشعب تجعله مختلفا تماما عن الآخرين ، فالبشر في النهاية وفي كل مكان يتوقون الى الحرية والعدالة الاجتماعية بمعناها الشامل والى الممارسات الشفافة والنزيهة والكفؤة ، وعليه فان ما قاله هادي علوي من وجهة نظره يبقي محكوما بإطار زمني ووضع سياسي قد يطول او يقصر لكنه يتغير وسيتغير .
في الشأن المصري قدم الدكتور اسحاق ديوان – الأستاد في جامعة هارفرد  – بحثا مهما عن الشركات ذات الحظوة والتي حققت معدلات ربح غير عادية في فترة ما قبل 2010 ، كما القي الضوء علي الجدل الذي دار في مصر بعد الثورة حول كيفية إنهاء أشكال المحاباة والوصول الى توافق على مبادئ جديدة للعلاقة بين رأس المال والدولة ، وقد أشار ديوان الى أهمية النظر الى السياق العالمي عند مناقشة الظاهرة ، وطبيعة العلاقات بين النخب الحاكمة والقطاع الخاص ، وكذا نوع المؤسسات القائمة وسياسات الطاقة والضرائب والسياسات الائتمانية وأساليب تخصيص الأراضي ، لنحكم بدقة على مدى استفادة الشركات ذات المحسوبية من الامتيازات التي حصلت عليها في مصر .
وقد اقترحت النظر الى الخلفية التاريخية لهذا النوع من المحسوبية في مصر ، وضربت مثلا بما حدث بعد 1974 حين تقررت سياسة الانفتاح الاقتصادي فجأة ، وكيف تم منح تراخيص الاستيراد والتوكيلات التجارية التي كانت بحوزة القطاع العام الى افراد بعينهم لخلق طبقة من الرأسمالية تستطيع ان تدعم النظام في مواجهة خصومه اليساريين والناصريين ، مقابل ما تحصل عليه من امتيازات، وكانت المحطة التالية المهمة في مصر منح كمية ضخمة من الائتمان غير المنضبط الى شخصيات بعينها لحثهم على المساعدة في إنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم إبرامه مع صندوق النقد الدولي في عام 90/‏‏91 . وقد ترتبت على هذا النوع من المحسوبيات آثار خطيرة على أنماط الاستهلاك والإنتاج والثقافة لاتزال مصر -وستظل لفترة طويلة- تدفع ثمنها. في لبنان كان مثيرا حقا ان من يملكون البنوك هم من يملكون الشركات التي تقترض منها ، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات وتداخل حتمي في المصالح مهما علم البنك المركزي..
الحديث يطول حول البحوث القيمة التي تمت مناقشتها في الندوة ، وقد تكون لنا عودة مرة أخرى الى هذا الأمر لاستخلاص العبر.