تقرير: الصحفيون في ساحات القتال .. سلاح القلم وحده لا يكفي

مونتريال – (د ب أ) – ليفون سيفونتس: كما أن طبيعة الحرب تتغير، فإن المخاطر التي تواجه الصحفيين الذين يغطون أخبار الحروب أيضا تتغير.
وتعكف العديد من المؤسسات الصحفية الآن على توظيف أخصائيين لتقييم هذه المخاطر وإعداد المراسلين لمواجهة الأخطار التي قد يتعرضون لها. ودار تساؤل حول القرار الأخير الذي واجهه الصحفي الألماني فولكر هاندلويك قبل أن يتعرض لإطلاق النار على رأسه، هل يظل واقفا أم يقفز؟
كان هاندلويك يتنقل على متن مركبة قتالية تابعة لسلاح المشاة في أفغانستان ضمن مجموعة أخرى من الصحفيين كانت ترافق جنود تحالف الشمال.
وقد ومضت فوهات ما يقرب من ست بنادق طراز ايه كيه – 47 وانطلقت مئات الطلقات من مدفع رشاش لتضيء ظلمة الليل على مسافة نحو 25 مترا فقط إلى اليمين.
وقفز العديد من الجنود أو سقطوا، بينما اختل توازن المركبة الروسية الصنع أثناء نزولها من الربوة وهي تترنح كحيوان جريح، وهم يحاولون تفادي الكمين الذي نصبه لهم جنود طالبان. وقفز هاندلويك، وتدحرج على الأرض ثم ما لبث أن اختفى عن الأنظار. ولم يره الصحفيون الذين كانوا يتنقلون معه على متن المركبة مرة أخرى.
ولكن صورة هاندلويك، الصحفي الذي يعمل بمجلة شتيرن الألمانية، وهو يرتدي البالطو الأفغاني الثقيل، وخصلات شعره المجعد البنية اللون المعقودة خلف رأسه، وهو يتدحرج ليخفف من حدة سقوطه على الأرض من على متن حاملة الجنود السريعة، ظلت عالقة في الأدهان، وظل من كانوا معه يتذكرون هذه الصورة حتى بعد مرور خمسة عشر عاما.
ولقي أيضا صحفيان أوروبيان آخران هما جوهان سوتون من «راديو فرنسا الدولي» وصديقها بيار بيلو من إذاعة وتلفزيون لوكسمبورج «أر تي أل»، حتفهما في الحادث الذي وقع في 11 نوفمبر عام 2001.
وأصبح مقتل هؤلاء الصحفيين أثناء عملهم حافزا لإحداث تغيير رئيسي في كيفية تغطية المؤسسات الإعلامية للحروب والصراعات.
وقال الصحفي المخضرم، ميشال كورمييه، رئيس قسم الأخبار والأحداث الجارية باللغة الفرنسية في هيئة الإذاعة الكندية: إن العديد من المؤسسات الإعلامية توظف الآن خبراء وظيفتهم الأساسية توفير الأمن للصحفيين، والتأكد من انهم مجهزين ومدربين للذهاب إلى أماكن الحروب وإحداث العنف المحتملة مثل الاحتجاجات وأعمال الشغب.
وأضاف كورمييه: إن محرري الأخبار والمراسلين وخبراء الأمن يعكفون الآن وبشكل مستمر على تقييم المخاطر المحتملة لأي مهمة، وما إذا كانت هناك أي مخاطر يمكن تبريرها من الناحية التحريرية.
واستطرد كورمييه الذي غطى العديد من الصراعات، ومن بينها الحرب الأفغانية لصالح مذياع كندا وهيئة الإذاعة الكندية: «لقد كنا من قبل مجرد أطفال في الغابة».
وقال كورمييه لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ): إنه قبل عام 2000 لم يكن العديد من الصحفيين على دراية بالأخطار، ولم يكونوا مجهزين لحماية أنفسهم من الرصاص والشظايا والأمراض وحوادث السيارات، كما أن معظم المراسلين لم يتدربوا على الإسعافات الأولية.
وأضاف كورمييه: «أعتقد أن أفغانستان غيرت طريقة تغطيتنا للحروب، وذلك لشيء واحد هو أننا لسنا في حرب تقليدية، أما الآن فقد أصبح ينظر إلينا على أننا جزء من العدو»، وقال الصحفي المخضرم: إن مؤسسات الأخبار والمراسلين يتعين عليهم التكيف مع الحقائق الجديدة للحرب، حيث لا توجد خطوط أمامية واضحة في تلك الحروب.
وأضاف كورمييه: «لقد تعلمنا أنه يتعين علينا أن نعرف كيف تدار الحروب: أي نوع من الأسلحة سنواجهها، ما مسار ومدى الرصاص والمسافات التي يقطعونها في السفر وحقيقة الأماكن التي سيجتازونها، وما إذا كانت جدران من الطوب أم إطارات سيارات».
ولكن ما حدث من تطوير في التدريب على أساليب الأمن لم يكن كافيا لحماية كل الصحفيين في الحرب. فقد لقي أكثر من نصف الـ48 صحفيا الذين قتلوا في عام 2016، حتفهم أثناء تغطيتهم الحروب أو الصراعات حسبما تقول إيلانا بيسيير مديرة تحرير لجنة حماية الصحفيين (سي بي جي).
وأضافت بيسيير: إنه من واقع التاريخ فإن نحو ثلثي الصحفيين الذين لقوا حتفهم أثناء تأدية وظيفتهم، قتلوا في انتقام مباشر بسبب تقاريرهم.
واستطردت قائلة: «لكن هذا العام كانت هذه النسبة أقل بشكل كبير وبدلا من ذلك رأينا الكثير منهم يقتلون في الحرب».
وأضافت بيسيير: إن الوظائف الأكثر خطورة لتقارير تغطية الحروب أصبحت بشكل متزايد من نصيب الصحفيين المحليين أو الصحفيين المستقلين الذين غالبا ما يفتقرون لتلقي التدريبات المطلوبة، وذلك إما بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة للصحفيين الغربيين أو لصعوبة التمكن من دخول مناطق المعارك.
وقالت بيسيير: إن تسعة من بين كل عشرة صحفيين قتلوا أثناء تغطيتهم الصراعات في عام 2016 كانوا من الصحفيين المحليين.
وأضافت بيسيير: إن لجنة حماية الصحفيين تؤيد توفير حماية في ميادين القتال وتجهيز ملائم للصحفيين المستقلين الذين يغطون الصراعات وأنها تحاول أيضا توجيه رسالة مفادها أن الصحفيين مدنيين، ثم فإنهم يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي.
وقال روبرت ماهوني، نائب المدير التنفيذي للجنة حماية الصحفيين: إنه برزت ظاهرة جديدة ألا وهي خطف الصحفيين، حيث إنه من الممكن أن يكون الصحفي مفيدا لجماعة ما تطالب بفدية أو لأغراض دعائية أو سياسية.
ووفقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين فإن تنظيم داعش الإرهابي مسؤول عن اختفاء 11 صحفيا على الأقل منذ عام 2013م.
ويشير التقرير إلى أن العدد المرتفع لوفيات الصحفيين في السنوات الأخيرة يرجع إلى أنه لم يعد هناك سوى القليل منهم لقتلهم وقد يكون احد الأسباب لانخفاض جرائم القتل في عام 2016، ووفقا للجنة حماية الصحفيين فقد شهد العام الماضي وحده مقتل 72 صحفيا.
وقال التقرير: «إن أعمال القتل في الصومال كان لها بالغ الأثر، فقد تركت سنوات العنف والترويع وتضاؤل الأمل في إحلال العدل، مجتمع الإعلام هناك في حالة خوف وضعف وإنهاك».