آمال بربورة: الشبكة العنكبوتية أتاحت للرداءة أن تتفشّى

تونس، العمانية: استطاعت آمال بربورة جبارة أن تحقق حضورًا في المشهد الثقافي التونسي رغم الصعوبات التي تواجه المرأة العربية عموماً في اقتحام المجالات الأدبية التي ظلت على امتداد قرون حكرًا على فحول الشعراء دون سواهم رغم المحاولات المحتشمة لبعض الأصوات النسائية التي استطاعت أن تخترق هذا الطوق الذي فرضته طبيعة المجتمع العربي وثقافته وتقاليده.
ومن خلال مجموعتيها «ألق الكلمات» و«نصفي سماء» لم يغب هذا التحدي العنيد لامرأة عربية عاشت في مدينة المهدية عاصمة الفاطميين وتغنت بروعتها بجلال الشعر دون أن تغيب صورة المرأة التي تشهر القصيدة والحرف بعناد المبدعين ورقة النساء الشاعرات.
ولآمال بربورة رأيٌ في الأدب النسوي في المجتمع العربي عبّرت عنه من خلال لقائها مع وكالة الأنباء العمانية بقولها إن الإبداع هو «القيمة المضافة للوجود عبر الفكر الإنساني»، فالأمر لا يرتبط بالجذر بل بالذائقة وبمستوى التناول، ومن هنا تأخذ المرأة مكانها ومكانتها لتكون مبدعة متى هفت روحها إلى جعل كل ما حولها ذا قيمة.
غير أن السؤال الذي يحاول باستمرار أن يستقرّ كالمسافة بين الذّات المبدعة والمنتج الإبداعي يحيل إلى مستوى التّعاطي مع إبداع المرأة في المجتمعات العربية، وهي التي ليس من حقّها أن تسرّح ذهنها خارج سور بيتها، وهي التي يجب أن توظّف ملكاتها وتسخّر كل ما لديها من قدرات لإدارة شؤون تلك المملكة، لكأنّ انصرافها إلى الكتابة سيحيد بها عن تلك الطّريق السويّة التي رسم حدودها مجتمع ذكوري أمعن في الاستخفاف بما تبدعه المرأة.
وهنا تكمن الصّعوبات التي تتعرض لها المرأة المبدعة بما يعيق انتشارها ويربك إبداعها الذي يتم إخضاعه إلى معايير ووسائل تقييم تنطوي على اشتراطات تتّصل أساسًا بجنس الذات المبدعة لا بمستوى إبداعها، فما يجوز للرّجل لا يليق بالأنثى على مستوى التّناول، وما يمكنها تحقيقه لا يمكن أن يتجاوز أعمال البيت ومتطلبات العائلة.
ففي قصائد آمال حزن ينفذ من خلال الكلمات، ومن ذلك قولها:
«للبدايات لذّة شاهقة…
لذلك نمكث طويلا على شاطئ العمر بصنّارة الانتظار جرح الذئب منفتح بما يدعو إلى تضميد كلّ الأقمصة وسبر النّشوح في البئر المريبة رسمت صوتي…
ولم أجد لوناً يناسب الشّجن السّاكن في حلقي كالعائد من قول الحقيقة…
أقلّب ببصر الذّاكرة حلكة المكان». ومن خلال ما ينتشر حديثًا من أثر للأدب النسائي في الشبكة العنكبوتية، فإن آمال بربورة ترى أن وسائل التواصل ساهمت في ظهور الأصوات وفتحت نوافذ التواصل بما أتاح فرص الانتشار والاكتشاف خاصة بالنسبة للمرأة التي ظلت محاطة بالعراقيل.
غير أن هذا المعطى الإيجابي يقابله ما يعادله سلبًا، حيث أن هذه الوسائل أتاحت للرداءة أن تتفشّى بما يسيء إلى الإبداع بشكل عام، كما فتحت الأبواب للسرقات الأدبية.
وتصوّر آمال مأساة الشاعر الأزلية في صراعه مع المكان والزمان والظروف التي لا تقدّر حجم معاناته المفرطة في تعامله مع الآخرين ومع نفسه التوّاقة إلى الحياة.
فتقول في أحد المقاطع:
«يجلس على ربوة الوقت يقشّر الكون من الغبش ينزل السّماء قليلاً إلى التّحت يزرع بها الغيمات يرفعها على صارية الرّوح وينام في العطش». وفي سياق حديثها عن الوضع في تونس، فإنها ترى أن الأدب ينبع من الواقع ليعود إليه، لذلك تظلّ الكتابة متّصلة به على مستويات شتّى، إمّا التعبير عنه أو رفضه أو التنظير لتجاوزه وتغييره..
وفي كل هذا تتجسّد عوامل التأثر والتأثير بما يؤكّد أنّ ما يحدث حولنا من شأنه أن يضخّ الأفكار على ضوء معطيات أو أحداث أو تغيّرات طرأت ليأخذ فعل الكتابة قياسات أخرى وألواناً مغايره، من هنا تتوالد الدّوافع في الوعي الجمعيّ وحتى اللاوعي ليكون للمرحلة منجز خاص بها.
والأكيد أن ما عاشته تونس أسال حبراً كثيراً وأنتج من النصوص الشعرية ما يمكن أن يجسّد الواقع بتفاصيل قد تعجز الأجناس الأخرى للكتابة على التقاطها.
وللمهدية أثر لا يغيب في كتابة آمال بربورة، ففضلاً عن عشق الشاعرة لهذه المدينة فإنها ترى فيها رمزاً لصراع الإنسان الدائم مع الموت والفناء، وهو ما عبّرت عنه في قصيدتها «المقبرة البحرية» حين تقول:
«هناك…
حيث ينام الأقحوان قيد قبور من البحر على بعد شهقة من (البرج)
تتسنى لي الحياة مرّتين ما بين قبر وعوسجه صخور الفصل مرهقة…
ترسم حدود الحياة والعمق يحثّ الزّبد يغازل الشّواهد المؤنّثة عاصمة الموت (الفاطميّ)..
تدلّك مفاصلها بمرهم المدّ شبق يحتدّ…
وتشهق في البرج الأعمدة للموت حضارات يجهرها الصّمت هناك…
بين القبور تتقاسم مع البحر كلّ الزّمان وبعض الأمكنة ينهزم الغياب في الكفّ الفاطميّ المخضّب تستبيح الأرواح ترك الغطاء الحجريّ…
آهلة أراها هاته المقبرة..