صناعة الشّر في رواية «أورشليم»!

ليلى البلوشي –
Ghima333@hotmail.com –

يقول هنري ميللر: «على أي حال، يجب أن أقول إني وجدت أناسا غير مثقفين أفضل -بكل ما في الكلمة من معنى- مما وجدت لدى المثقفين في هذا العالم، أفظع الجرائم التي ترتكب في هذه الأيام من قبل أناس نالوا مميزات التعليم».
عبارة هنري ميللر تكاد تتقارب مع الدلالات التي طرحتها رواية « أورشليم « للروائي البرتغالي «جونسالو إم.تافاريس» دار مصر العربية 2016م، ترجمة «أحمد صلاح الدين» و «محمد عامر»، هي الرواية البرتغالية الثانية التي يعبرها القارئ العربي بعد روايات «ساراماغو».
«أورشليم» تمسك بهذه الرواية بين يديك بتوجس كبير، ليس لأن كاتبها روائي شاب بل لأن ساراماغو الذي يعدّ أول أديب برتغالي نطالع أعماله العظيمة زكى صاحب هذه الرواية وقال لكاتبها حين استلم الجائزة التي وسمت باسمه «ساراماغو» في لشبونة مازحا: «كيف تكتب بهذه الطريقة وأنت لم تتجاوز 35، هذا يعطي رغبة في ضربك».

الرواية نفسها حصدت جوائز رفيعة في البرتغال وفرنسا أيضا، تبدأ الدلالات المتوالدة للرواية بدءا من عنوانها «أورشليم» وهي مدينة تاريخية شهيرة، شهدت أحداثا مهولة، وعبارة مأخوذة من سفر المزامير «إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني» أو كما غنّاها اليهود «شلت يميني إن نسيتك يا أورشليم»، تستحيل لاحقا على لسان «ميليا» إلى عبارة «إن نسيتك يا جورج روزنبرج تنسى يميني»، جملة ذات دلالات مكثّفة تختزل العنوان وصلتها بالرواية والمكان الذي خرجت منه «ميليا» منهوكة ومسحوقة إنسانيا.
رواية تدرس تاريخ العنف والشّر وفي الوقت نفسه تجيد بعض الشخصيات صناعة الشّر بل وتجريبه على أشخاص أبرياء هم أقرب لضحايا في مستودع كبير هو مشفى لأمراض عقلية يحمل اسم «جورج روزنبرج »، ارتبط باسم هذه المصحة شخصيات عدة منهم المرضى النفسيون «ميليا» و«ارنست» وأطباء منهم مدير هذه المصحة العقلية «جومبرز» والدكتور«ثيودور» المنكب على بحوث تثير جدلا عالميا ذات صلة بدراسة العنف ومدى تأثيره على الأشخاص العاديين في العالم.
علاقة هذه الشخصيات ببعضها تكاد تكون غاية في التعقيد، ينتج من لا معقوليتهم طفل يعاني من إعاقة يدعى«كاس»، في حين المجموعة الأخرى من الشخصيات ترتبط بصلات غامضة أيضا وهم «هانا»و«هينريك »،«جومبرز» و«كراوس» وغيرهم من الشخصيات، غير أنها تلتقي ببعضها عبر مصادفات غريبة من نوعها ولا يمكن للقارئ أن يتوقع صلاتها، بل يكاد القارئ يجد نفسه في هذه الرواية أمام لغز كبير وحده الكاتب «جونسالو» يفكّكها بمهارة خالصة، بأسلوب كتابي متجدّد، يعبّر عن شخصية كتابية شديدة الموهبة وذي خيال خطير، روائي يعرف جيدا ما يصنعه باحتراف عبر بناء سردي دون أي رتوش أو خروج لا داعي له خارج طوقه السردي.
تبدأ الرواية بمشهد محاولة انتحار «ارنست سبنجلر» ويظل مصيره معلقا للقارئ حتى صفحة 49 من الرواية، حيث يترك محاولة انتحاره جانبا، ليغيث صديقته القديمة التي كانت معه في المصحة العقلية «ميليا»، والتي تظهر في الفصل الثاني من الرواية كامرأة مريضة على وشك الموت تبحث عن كنيسة تريحها من صراعات جسدها، تتصادم الشخصيات عبر أحداث الرواية ثم تأتي حادثة التي تخبط حواس القارئ حين يعرف أن الطفل المدعو«كاس»من هذه الثنائية، قاما بإنجابه في لحظة خرق للقانون في مصحة جورج روزنبرج العقلية، ونتيجة فعلتهما وحفاظا على سمعة المصحة يحرمان من حق حضانة طفلهما الوحيد، بل تعاقب«ميليا» بعقاب مضاعف حين تجرى لها عملية جراحية تحرمها من نعمة الأمومة في حياتها، يكون ذلك في صفقة نفعية يقوم بها كل من مدير المصحة العقلية «جومبرز» مع «ثيودور» زوج «ميليا» الذي عرض عليها الزواج بعد زيارتها لعيادته النفسية مع والديها اللذان كانا يوصمانها بالمجنونة منذ بلوغها الثامنة عشر:

« – ستتزوج من فتاة مصابة بالفصام ؟ عمل جيد.
– أنا الطبيب هنا وأنا من يقرر.

– من الرائع أن شخصا ما يعرف الكثير عن رأسي!»
ويبدو أن هذا الطبيب حين يتزوجها يقرر عنها كل شيء بدءا بنوعية مرضها ثم دفعها في مصحة مع المجانين انتهاء إلى الاحتفاظ بابنها«كاس».
أما «هانا» التي هي عاهرة و«هينرك» الذي كان رجل حرب، الصلة بينهما يكاد لا يفهمها القارئ غير أنهما يتصادمان مع الشخصيات الأخرى في الرواية كما لو أنهم في دهليز واحد، كل شخصيات الرواية المحورية تلتقي في الليلة نفسها، يجمعهما توقيت عينه ولكل منهم دافعه للخروج، «ميليا» للخلاص من أوجاعها و«ارنست» الذي ينسحب من موت وشيك لنجدة«ميليا»فتكون بذلك«ميليا»دون أن تعلم منقذه، «هينريك» ليضع حدا لوساوسه الدموية أما«هانا»لتجد صيدا يشعرها بأنوثتها، كل منهم يلتقي بخلاصة «هانا» مع «ثيودور» و«ارنست» مع «ميليا» وهينرك» وقبلها «هينرك» مع «كاس»، ليلة تفقد توازنها وتتخبط فيها الذكريات ويتعاظم فيه الشّر لتقع فيها جريمتا قتل، الأولى بشعة والثانية كأنها جاءت كعقاب عبثي، الشّر الذي يأتي عن رغبة حقودة كامنة في سحق أي كائن بشري حتى لو كان الضحية يعاني من عطب نفسي أو خلل جسدي كحالة «كاس»، الشّر نفسه يأتي عبثيا أيضا في لحظة اختلال نفسي مبعثه خيبات متراكمة عطبت الروح حتى أهلكتها كحالتي «ارنست» و«ميليا» العبثية التي تفتك بروح ضالة، روح فقدت توازنها في مواجهات شّر عنيفة أهلكتها في مقابل روح اعتزمت الشرّ كحالة «هينرك».
«أورشليم» هي رواية تصنع صلات ثم تفكّها، رواية تجعلك في تصادم مع واقعك الذي ينجب الشرور، شرور نفسية بمعنى أدق، شرور تتلبّس بها كآدمي، تغدو في حضيضها كجلاد وضحية في آن..!
«أورشليم» هي رواية خارج توقعات القارئ، خارج كل التوقعات، بل يمكن اختصار موهبة «جونسالو» بكلمة، إنه ببساطة روائي خطير.