في مديح الضجر

صالح العامري –

1-
أراه هناك قاعيا، كأنّه جاسوس محايد أو جندي يعتمر خوذته ويتأبط بندقيته لكنه لا يدخل المعركة ولا يفقه معنى الحرب. يتهاوى قبالتي، ليس من التعب، بل أغلب الظن من وظيفة الحراسة التي تدرب عليها في معسكرات اللامبالاة وتقفيّات الظلال. يهطل كعصيّات أو بويضات مشققة تنتشر في الفضاء الكتيم. ينكشف كقوس محدودب الظهر على فريسته الدافئة الدم. إنه لا يضغط على الصدر مباشرة، بل يدخن حباله وحبائله، فتتصاعد أشكاله المقيتة، لكنني، من فرط حبي للتقاسم والمشاركة، أدعوه أحيانا إلى تناول قطعة خبز أو شطيرة أو فاكهة.
في إحدى المرات الكارثية، وقد كاد الدم أن يصل حتى الركبتين وأن يبلغ السم الحلقوم، هجمت إحدى غوريلاته السمينة المشعرة، في لحظة مباغتة غير مفهومة. للغرابة وحدها، عوض أن أولي هاربا من تلك الغوريلا، أو أن أدافع عن نفسي بفأس أو شظية من زجاجة على الطاولة كان يفترض كسرها والاستفادة من حطامها في تسديد ضربة قاضية إلى قلبها المتغطرس، قمتُ، بدون وعي مني، باحتضان تلك الكتلة السمينة المشعرة، كمن يسلم نفسه إلى حبيب مفتقد أو إلى طيش مستفحل مرغوب فيه.
بأغلظ الأيمان أقسم لكم بأنها كانت هناك، تلك الغوريلا السمينة المشعرة، التي كدت أفقد صوابي لوجودها في غرفة صغيرة، كنتُ أرصف بشكل عشوائي كتبي المتوزعة في أرجائها. ما إن تقدمتْ تلك الغوريلا نحوي، حتّى سقطت الضغائن والأحقاد كلها، وأحسستني إنسانيا وصالحا في إنسانيتي، ظانا بشكل مفرط أن جوهري لن يتحقق إلا بأن أكون ضجرا وملولا ومفتتا إلى عناصر تتنازعها أيادي السأم الهوجاء. كنتُ مستسلما لتلك الروح الخلاقة التي سأختفي في صدرها للأبد، لكن ما إن فتحت عينيّ حتى أدركتُ أن تلك الغوريلا قد تمكنت من التحوّل، من الطيران، من الانمحاء التام من المشهد كله. فركتُ عينيّ لكي أفقه ما حصل لي حينئذ، ولم ألحظ أية كتلة سمينة مشعرة، وخطر على بالي بأنها ربما تحولت إلى فراشة أو إلى عصفور (لستُ أدري تماما)، لكنني متأكد حينذاك بأن شكلا ذا أجنحة هفهافة قد انزلق من عناقي له وطار، ثم كوّن له، في السقف، ما يشبه العش أو السكنى العلوية التي تحرس غواية ما أو تتبع أثرا.
2-
طوال معاقرته لي، أو طوال تشرابي وكرعي من أنابيقه وزجاجاته اللعينة، لم أجرب أن أرميه بأية حصاة أو بأيّ حجر، ولماذا أفعل ذلك؟، فأنا أؤمن تماما، بأنني إذا فرغتُ منه فقد يأتي حشد آخر من الغزاة ليتسلط على وجودي برمته، أو أنه إذا سقط صريعا مُدمّى أمامي، فكيف أتصرف بجثته، وهل سيصدقني الناس فعلا بأنني قتلتُ «الضجر»، وليس أيّ كائن آخر من لحم ودم، من حواسّ مستنفرة ومستفزة، كائن بشريّ، أو أسمى بقليل من كائن بشريّ، أو فلأقل: تشكلا بهيميا مفرط الحساسية وبالغ الانتقاء.
كل ما أرجوه فحسب، أن لا يداخلنّه الغرور أو ينسحرنّ بصبري العبثيّ، فلستُ على استعداد قط للتصالح معه، مع سحنته، مع انتشاره، مع انسرابه، مع وسوسته، مع غيمته المهيمنة. صحيح أنني لا أحمل منزعا عدوانيا طافحا تجاهه، وليس لدي النية حتما أن أستخدم سلاحا أبيض ضده أو منخاسا أو حتى مسطرة لكي أضع حدا محتملا له ولحضوره الطاغي، غير أنني أضيق ذرعًا، كلما بدا الأمر لي مبالغًا فيه وشططا استعراضيًا من ناحيته.
إنني أرغب في أن أخطب وده، لكن لا أتمنى على الإطلاق أن يتزوج أحدنا الآخر. أود، بإلحاح، أن يصير كلبًا إلى جواري أو جارًا حسن الصحبة والنوايا، لكن عليه أن لا يتعسف، بصوته وصورته ولسانه المتدلي، في مداهماته وتفشيه المقذعين. كما أنني أرغب في إحدى المرات أن أصعد على إحدى التلعات الصخرية هاذيًا بالنقائض والمدائح، ملقيًا عيون العرافات في خاصرته، مسترسلًا كما لو أن الضجر سيدي وصديقي، حبيبتي ورحلتي الأبدية، صائحًا في سنابل الأيام وفي عوسجها، بأنّ الضجر هو:
3-
الأب الشرعيّ لمحفّات الموتى، ابن ماء السماء المكفهرة، صبيّ الأرض الزلقة، السدرة التي نكّل بثمارها الغراب، الياسمينة التي لم تعد تسافر، الحصان النافق في الأعياد، البغل المشّاء في روح النمر، الكحل الذي يسيل على خد العصر، الرقش الذي يدبّ نمله على الأطراف، العقرب الذي يلسع البوصلة الخرقاء، الباب الذي يطّاير كخيط الريح، الدمعة المكنونة في الحجر، البسمة البلهاء المندلقة في حساء اليتامى، الرمّانة التي تختنق سُرتها، الحبر المسفوح على قصيدة لم تكتب بعد، البطريق الذي يخرق الجليد لسمكة مؤكدة غير موجودة، الأسد الذي يطير بين هاويتين، الدب النائم على ذيل الأبدية، السر المتفشي في عيني البومة، العِرق الناهض في عصب الوقت، النهد الواقع في بئر الحيرة، القدم التي تركل الحقيقة، الرأس الذي ينوس في الظلام، الشمعة التي تنطح عصفور الشمس، المجرفة المنسية الملقاة على كومة قشّ، المنجل الذي يوسّع صلاحيات الزمان، الدفتر الذي يرتعش في كبد الإسمنت، الأحرف التي تركب قطار المناحة، الطلل الذي يخر مغشيا عليه من أمثولة الصبر، الساحر الذي يتكدس في تعويذة أو تميمة، المغارة التي تنفتح بالسمسمم، الكلب الذي ينبح في عينيه، المحارب الذي يحرث البحر، البرميل حين يكون محل إقامة الفيلسوف، المصباح حين يكون دليل ظهيرة الشاعر، الفنار حين يصبح عادة السفينة، النجمة حين تلتهب لها حنجرة، القمر حين يتكسر له عود، المزرعة حين تتصابى، الحقيبة حين لا يكون لها مهرب، السفر حين ينحشر بين ضرسين، الصلاة حين تصير مهنة الحطابين، الوسادة حين تنفجر بالريش، الوردة حين تصاب بالصدفية، الحجر حين يقف وراءه شاعر، المحراب الذي يتأسس على خراب، الزيتونة التي يغمض لها جفن، النظارة التي تمتطي أرنبة، المسمار الذي يلج حتى أذنيه، المحارة التي لا تثابر على العقوق، الفقيه الذي ينصب المبتدأ، الطريق الذي يتصبب من العَرَق.