أعظم مائة كتاب غير أدبي 1 ـ الانقراض السادس

روبرت مكروم –
ترجمة أحمد شافعي –

«سيظل الانقراض السادس هو المحدد لمسار حياتنا بعد انطماس كل ما كتب الإنسان وكل ما رسم وكل ما بنى، وبعد أن تكون الجرذان العملاقة قد ورثت ـ أو لم ترث ـ الأرض بما عليها».

يعرف الحيوان البشري أنه يولد ليشيخ ويموت. وهذه المعرفة ـ بجانب اللغة ـ هي التي تميزنا عن بقية السلالات. غير أنه حتى القرن الثامن عشر، لم يتأمل أحد ـ ولا حتى أرسطو الذي تأمل بكل شيء تقريبا ـ إمكانية الانقراض.
وهذا أمر مدهش للغاية، لأن «نهاية العالم» ثيمة قديمة ـ ذات وقع رنان ـ متجذرة في الثقافة الشعبية، أثمرت العديد من السيناريوهات القيامية، من الاحترار العالمي إلى الحرب العالمية الثالثة. ومواطنو القرن الحادي والعشرين يواجهون حاليا قائمة متكاثرة بالسيناريوهات المحتملة للنهايات المستقبلية.
كتاب إليزابث كولبرت «الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي» تعبير شديد الذكاء عن هذا الجنس الكتابي، وهو في الوقت نفسه كتاب محكم وممتع. كتابها هذا ـ الذي يأتي بعد تقريرها عن الاحترار العالمي الصادر سنة 2006 بعنوان «تقرير ميداني من الكارثة» Field Notes from a Catastrophe ـ يوشك بالفعل أن يصبح أحد الكلاسيكيات المعاصرة، وهو منطلق ممتاز لهذه السلسلة الجديدة بالعناوين غير الأدبية الفارقة في اللغة الإنجليزية.
في الصفحة الأولى من تحقيقها هذا في مستقبل كوكبنا تنقل كولبرت عن عالم الأحياء العظيم إي أوه ويلسن قوله: «لو أن على المنحنى البشري خطرا، فما هو خطر بقاء سلالتنا بل تحقق المفارقة التامة لتطورنا العضوي: أي أنه في اللحظة التي يتسنى فيها الفهم الذاتي للعقل الإنساني، تهلك الحياة وقد بلغت تمام خلقها الجميل». هذه الملاحظة التحذيرية تحدِّد مزاج الفصول الثلاثة عشر التالية، في تقرير عصري وضروري عن «الانقراض السادس».
المنظور الذي تتبناه كولبرت خائف مخيف، وهائل بالقطع، وهذا هو المتوقع من كتاب يقوم على فرضية بـ«هلاكنا جميعا». تقول لنا الكاتبة إن الأرض شهدت خلال نصف المليار الأخير من السنين خمسة انقراضات كبيرة عندما «مرَّ الكوكب بتغير بلغ من الفداحة أن تهاوى فيه تنوع الحياة تماما».
وتلاحظ كولبرت أن تاريخ هذه الأحداث المأساوية بدأ يُسترَدُّ في الوقت الذي بدأت الإنسانية تدرك فيه أنها موشكة على التسبب في حدث مأساوي آخر. وهي تجد في قرننا هذا أن العلماء في شتى أرجاء العالم يرقبون الآن الانقراض الكبير التالي الذي يحتمل أن يكون أضخم خراب منذ أن ضرب كويكبٌ الأرضَ فمحا الديناصورات. غير أن الفارق هذه المرة هو أن ضحية الكارثة التالية ستكون … نحن.
في ثلاث عشرة حلقة، لا تخفى دلالة عددها، وفي سرد بارع من صحفية في مجلة ذي نيويوركر، تستكشف كولبرت إمكانية هلاكنا الوشيك من خلال حياة الضفدع الذهبي البنمي ووحيد القرن السومطري على سبيل المثال ومن خلال الطائر الماوي أسود الوجه «أجمل طيور العالم».
من ضمن اهتمامات كولبرت أن تعلّم القارئ الحديث تاريخ الانقراضات الكبرى. في حين أن المفهوم ـ حسبما تقول ـ «قد يكون أولى البيانات العلمية التي يدركها الصغار» وهم يلعبون بدماهم التي تتخذ شكل الديناصورات، وتعلمنا كولبرت أن فكرة الانقراض في واقع الأمر فكرة حديثة نسبيا ترجع إلى فرنسا في عصر التنوير. فحتى هذه اللحظة في التراث الفكري الغربي، لم يكن أحد قد نظر ـ ولا حتى أرسطو في «تاريخ الحيوانات» المؤلف من عشرة أجزاء ـ في إمكانية أن يكون للحيوانات ماض. ولاحقا، في العصر الروماني، يحتوي «التاريخ الطبيعي» لبلايني على أوصاف للحيوانات الحقيقية والخيالية على السواء، لكنه لا يحتوي إشارة إلى الحيوانات المنقرضة. فكلمة «الحفرية» fossil نفسها كانت تستعمل في وصف أي شيء يستخرج من بطن الأرض مثل «الوقود الحفري». حتى كارولوس لينايوس ـ رائد نظام التصنيف في منتصف القرن الثامن عشر لم يصنف من الحيوانات إلا نوعا واحدا، هو الحيوانات الموجودة.
كان اكتشاف بعض عظام الفيلة المنقرضة في ما يعرف الآن بولاية أوهايو الأمريكية ـ في القرن الثامن عشر ـ نتيجة غير مقصودة للاستكشافات الاستعمارية الفرنسية وهي التي أثارت السؤال الجوهري التالي الذي طرحه جورج كوفييه خبير التشريح بالمعهد الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، إذ تساءل عن الأرض المكتشفة: «ما الذي كانته تلك الأرض البدائية؟ وأي ثورة تلك التي أمكنها أن تمحوها محوا؟»
كانت فرنسا الثورية تحتفي بحقوق الإنسان، فلم يكن كوفييه ليدرك حقيقة انقراضات تالية، وحقيقة أن سلالتنا نحن، سلالة إنسان الهومو سابينز هي المشكلة. أما كولبرت في تناولها الكارثة التالية والوشيكة بشيء من التلذذ السوداوي فتعلن نتائج أبحاثها: «ثلث الشعب المرجانية، وثلث رخويات المياه جميعا، وثلث أسماك القرش، وربع الثدييات جميعا، وخمس الزواحف، وسدس جميع الطيور، في طريقها إلى العدم»، مصرحة بذلك ومثله على مدار الأوديسة التي تقوم بها في كتابها عبر تاريخنا الطبيعي وخرابه الذي تكمن من ورائه يد البشر. إدانة كولبرت للبشر قاسية ومقنعة «فالخسائر قائمة في كل مكان» في المحيط الهادي الجنوبي، وفي شمال الأطلنطي، في القطب وفي الساحل، في البحيرات وعلى الجزر، في قمم الجبل وفي الوديان».
وسيعجز قراء الانقراض السادس عن تحاشي نتيجة مفادها أننا بالفعل على شفا كارثة محققة، لن يكون السبب الكامن وراءها عنصرا جامدا (ككويكب على سبيل المثال) أو قوة جيوفيزيائية (كالاحترار العالمي الرهيب الذي شهدته الأرض قبل 250 مليون سنة)، بل كائنات واعية هي: نحن. ربما يكون إنسان الهومو سابينز قد حقق نجاحا مذهلا على كوكب الأرض ولكننا لم نحققه إلا على حساب كل سلالة أخرى بلا استثناء تقريبا. فنحن بحسب ما كتب روبين مكاي في أوبزرفر «جيران من الجحيم».
ينتهي كتاب الانقراض السادس في غرفة بلا شبابيك في معهد بحوث الوقاية بولاية كاليفورنيا تعرف بحديقة الحيوانات المتجمدة وهي أكبر مجموعة سلالات مجمدة في العالم. تشير كولبرت إلى أن هذا قد يكون الخيط الرفيع الذي سوف تعتمد عليه الأرض في المستقبل. من يدري؟ فهي تؤكد على رسالتها الختامية بمقتطف تنقله من بول آر إيرليتش أستاذ علوم البيئة بجامعة ستانفورد إذ يقول «إن الإنسانية بدفعها كل السلالات الأخرى إلى الانقراض إنما هي مشغولة في واقع الأمر بقطع الغصن الذي تجثم أصلا عليه». فلا تقولوا إن أحدا لم يحذرنا.