تضليل.. أم صناعة تأثير؟

آن بنت سعيد الكندية –

تقف حائرا مشتت الذهن أمام كم كبير من الأخبار والصور والانطباعات الذهنية التي تتشكل في ذهنك محليا وعالميا، وتتمنى لو بوسعك معرفة الحقيقة، ويصيبك الإعجاب بعد الامتعاض بمدى كفاءة أساليب إدارة الرأي العام العالمي نحو قضايا هامة كصورة المسلم الإرهابي، أو صورة الشرق النمطية لدى العالم رغم أنها قد تكون بعيدة عن الواقع آخذة جزءا بسيطا منه. هي البروباجندا يا عزيزي أدوات اذا ما احسن استخدامها تمّكنا من كسب الرأي العام، وتوجيه الشعوب نحو مصالحها القومية.
لا يقاد الرأي العام بالنوايا الحسنة، ولا شيء أخطر من فقدان الثقة بين مكونات الوطن رغم أن هناك جهودا مبذولة وإن كانت ذات طابع غير متكامل، فليس اعتباطا ما تقوم به الحكومات من ترويج لاستراتيجياتها وجهودها. إن الإحباط هو أسوأ ما يصيب المجتمعات. ولا يتبادر بذهنك يا أيها القارئ إن أزمات الثقة بين الحكومات ومواطنيها فقط توجد في العالم الثالث، بل هي حاضرة وبقوة في العالم الأول الديمقراطي إلا أنها تدار بحرفية ومنهج علمي مبني على استخدام لعلم النفس الشعبي، والتركيبة النفسية للمواطن.
إن إدارة المشهد العام في 2011 كان بحكمة أشادت بها الصحافة والتقارير الدولية، لم يُترك فيها المجال لمسؤول قد يعتقد ان اجتهاده الشخصي كفيل باحتواء الموقف، وقرارات اتُخذت كانت ما اذا توجت باختيار بعيدا عن عاطفة شعبية سرعان ما هدأت لترى نتائج اختياراتها لكان اليوم مشهدا قريبا من تطلعات المواطن، لذا جاء احد المطالب الشعبية بضرورة وجود متحدث رسمي للحكومة. والواقع هو أن المتحدث الرسمي ما هو إلا جزء يسير من منظومة متكاملة تتبعها الدول بإنشاء مكاتب أو وحدات اتصال حكومية تتبع مباشرة أعلى سُلطة لإدارة الرأي العام دون تأخير أو تفادي، لذا رأينا أن بعض دول المنطقة تنبهت لذلك في السنوات الأخيرة الماضية.  إلا أن جميع مكاتب الاتصال الحكومية تنبع من مدرستين أساسيتين في هذا الشأن المدرسة البريطانية منذ عهد ونستون تشرشل، والمدرسة الامريكية التي يترأسها كبير موظفي البيت الابيض وتحت إدارته مراصد لقياس النبض العام، وتطلعات المواطن الامريكي، ومهمته وضع سيناريوهات متعددة للتعامل مع الإعلام، بالإضافة الى مهمة ادارة الصورة الذهنية عن الرئيس والبيت الأبيض. كما يروج المكتب للسياسات والقرارات فعلم التسويق ليس حكرا على المنتجات .
أما غرفة المحرك البريطانية كما تسمى Engine Room  فهي التي تعمل الإطار العام لتنسق الخطوط العامة لخروج القرارات والسياسات التي تصدرها مؤسسات الدولة، ذلك أن توقيت الإعلان عنها عامل حاسم لتقبل الرأي العام أيا كان، وفي اي بقعة من الارض.
إن ما ارمي له اليوم يتعدى النشاط الإعلامي التقليدي، ويتجاوز مفهوم مخاطبة المواطن لإبلاغه بجملة قرارات بعيدةً عن التفاعل المطلوب، فسرعة تداول الاخبار قد تضاعفت اضعافا مضاعفة مما شكل عبئا إضافيا على الحكومات لا يمكنها تغافله ببساطة دون وضع آلية للتعامل مع هذا الواقع الجديد، وفي ظل غياب الإطار التنسيقي المنظم الذي يتفاعل من خلاله المسؤولون، مما يظهر تضاربا في تصريحاتهم في بعض الأحيان ابسط ما يظهر للناس إحساس بالتخبط الحكومي كان من الإمكان بسهولة اختيار توقيت وآلية إيصاله للناس. مما يعرض مصداقية القيادات الحكومية الى مستوى التشكيك وهو خط احمر في علم القيادة … فلا يصدق الرأي العام بعدها، وكيف للمستثمر المحلي والأجنبي الإقدام على وضع أمواله في ظل انطباعات سلبية، وترويج غائب؟!!.
فالواقع الذي يجب أن نتعامل معه اليوم أن الصورة الذهنية السائدة مهما كانت خاطئة أو سلبية تبقى أقوى من الحقيقة وتبقى هذه الصورة حائلا أمام تقبل اي قرار حكومي. كما أن بناء الصورة الذهنية الإيجابية هي إحدى فنون “صناعة التأثير” ، علم قائم بذاته ولا يتوقع أن يحدث التأثير المطلوب دون استخدام الوسائل المناسبة للفئات المستهدفة. وليس هناك مثال حي افضل من نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة عندما خلق الإعلام الموالي لهيلاري كلينتون عالما افتراضيا وصدقه وسوقه للناس، حتي ساد اعتقاد جازم بأنها سوف تفوز لا محالة، وكانت الصدمة فوز ترامب الذي اعتمد على التواصل الاجتماعي، وقرأ جيدا المزاج الأمريكي المعادي للمؤسسة التقليدية The Establishment. نحن اليوم في عهد ما يسمى بـ “إعلام ما بعد الحقيقة” Post-Truth Media الاعلام الذي يُفبرك الحقائق ويصدقها فليس مستغربا أن اعتبره قاموس اكسفورد “ مصطلح العام”.
إن الحلول مطروحة، والتأخير في تبينها بأعذار ليس لها من الطموح والمعرفة بالقدر الكافي وتحميل الخصوصية العمانية معان خارج نطاقها متجاهلين باستعلاء تجارب دول في قيادة الرأي العام وتوطيد الثقة مع شعوبها له ثمن يزداد يوما بعد يوم، وليست هي دعوة لإنشاء كيانات حكومية جديدة لزيادة ضخامة الجهاز الإداري للدولة بل التوظيف الكفء لموظفيه وتوجيه طاقاته نحو ما يخدم المصلحة العامة.
هل المواطن اليوم راضٍ عن آلية التواصل الحكومي ؟ فلا نتحدث هنا عن الأداء الحكومي فالأمران مختلفان… أما تساؤلاته في ازدياد ابتدأ بالأزمة المالية وماذا اذا كانت هناك خطة لإدارتها، وهل تم قياس مدى ثقة المواطن بالقرارات الوزارية التي متى ما صيغت بتبني مفاهيم التسويق كان لها وقع مختلف، فما الحل؟
وحدة او مكتب اتصال يلحق بمجلس الوزراء يضم كفاءات في علم الاجتماع، وخبراء العلوم السياسية والاقتصاد، والتسويق بالإضافة الى الإعلام، فالاتصال الاستراتيجي للحكومات ليست دائرة اعلام او علاقات عامة أو دائرة اتصال بعيدة عن ما يدور في مراكز اتخاذ القرار- فوجود دائرة مشابه لها اليوم لا يعني قيامها بالدور المطلوب-. تكون احد ادواته استراتيجية تواصل استراتيجي مهمته تنفيذها لتجسير الفجوة بين المواطن والحكومة وترويجا لسياسات الحكومة وقرارتها. إن إصدار قرارات دون تهيئة للرأي العام له عواقب قد تظهر في ظروف غير مواتية، حيث تساعد هذه الوحدة من خلال مراصدها على اختيار التوقيت والآلية نحو رسائل حكومية ممنهجة وموحدة الطابع. واستكمالا لما كتبت من سلسلة مقالات لدعم واتخاذ القرار(منشورة بجريدة عمان)، وشهادة للتاريخ أن للأزمات مخارج وحلول، ففكرة المقال هي تقديم مقترحات لدعم الجهاز الإداري للدولة بما يتناسب وتطلعات المرحلة الراهنة، فالأزمات تجعلنا نقع في فخ تقاذف اللوم. إن لعدم القدرة على تبني الحلول – دون طرح بدائل- قصور ليس له حلول… سوى التجديد.
إن مشهد التواصل الحكومي اليوم بسرد البيانات والتصاريح الصحفية للمسؤولين يشبه فرمانات العهد العثماني… فلكل عصر أدواته وأساليبه وجماهيره…