الموازنات العامة للدول الخليجية والتوقعات

لؤي بديع بطاينة –

ما زلنا ننتظر الإعلان النهائي للموازنة العامة للدول الخليجية وما تحتويها من أرقام ومشاريع وسياسات وإشارات للخطط المالية المُرتقبة للعام 2017 وما هي السياسات المالية التي ستنتهجها الدول في ظل استمرار تنامي العجز المالي وتنامي المديونية وخدمتها واستمرار التحديات المالية والاقتصادية للسير بالاقتصادات الخليجية وبموازناتها العامة لمستويات مقبولة ومأمونة وخصوصاً إذا استمرت مستويات أسعار النفط في هذه الحدود أو انخفضت (لا سمح الله) ومع استمرار صعوبة انتهاج سياسات وخطط وبرامج من شأنها أن تؤثر على الحياة اليومية للشعوب والمواطنين والمُقيمين في دول الخليج العربي، وعلى الرغم من اتخاذ العديد من الدول الخليجية عددا كبيرا من القرارات والإجراءات والتي من شأنها أن تُعزز الموارد المالية لدولها وتحد من الإنفاق غير الرأسمالي والاستثماري.
قد لا تعكس الأرقام المالية والاقتصادية التي سمعناها وقرأناها ومن المُمكن أن تتضمنها بعض الموازنات الحكومية لبعض الدول الخليجية للعام 2017، صورة زاهية للاقتصاديات، على الرغم من قدرات تلك الدول على أن تستغل الظروف المالية والاقتصادية بسن بعض التشريعات والتعليمات والقوانين لفرض أنواع جديدة من الضرائب والرسوم وتعديل بعض منها وانتهاج سياسات مالية واقتصادية أقل من أن يقال عنها بأنها جريئة وسريعة ولا تحتمل التأخير والمماطلة نتيجة الظروف التي تمر بها خزائن تلك الدول وتنامي التحديات والتطورات والتي من المُمكن أن تنعكس سلبا على حياة شعوبها في عام 2017.
ومن المتوقع أن تتضمن الأرقام المالية والمؤشرات للموازنات العامة لهذه الدول المزيد من التحديات والضغوطات الكبيرة التي تعرضت إليها وزارات المالية والوزارات الأُخرى في المحافظة والاستمرار في تمويل مشاريعها الاستثمارية والإنفاق الرأسمالي والذي برأي أنها قد تعرضت إلى مقص الرقيب من حيث تأجيل عدد لا بأس به من المشاريع ومحاولة تأجيل تنفيذ بعض من المشاريع قيد التنفيذ وأيضاً قيام بعض الدول بتأجيل الدفعات أو إعادة جدولتها لمواكبة التدفقات المالية والنقدية لديها مما أدى إلى المزيد من الضغوطات على عدد لا يُستهان به من الشركات الكبرى والمُساهمة والتي بدورها قامت بالطلب من البنوك بإعادة جدولة قروضها والتزاماتها المالية.
إن التباطؤ في أداء النمو الاقتصادي الذي شهدناه في عام 2016 بكل تأكيد جاء أيضاً مُتأثرا بأحداث وتداعيات الظروف السياسية والعسكرية الإقليمية الصعبة والتي تمر بها المنطقة والتي أدت بدورها إلى زيادة مستويات المخاطر السياسية والمالية مما استدعى قيام العديد من دور ووكالات التصنيف الائتماني إلى تخفيض الجدارات الائتمانية لتلك الدول وبنوكها وشركاتها الكبرى وبالتالي أدى إلى زيادة كلف التمويل وإعادة الجدولة للقروض نتيجة ارتفاع علاوة المخاطر المالية للمنطقة ولدول بعينها.
وكما تُشير إليه التقارير فمن المتوقع أن لا تنمو الدول الخليجية بأكثر من 3% للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة خلال عام 2016، ومن المتوقع أن تشهد مُعدلات البطالة ارتفاعاً ليصل إلى نسب جديدة تتجاوز مستويات العام 2010.
وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية، فمن المتوقع أن تُسجل الصادرات خلال العام 2016 انخفاضاً نتيجة انخفاض قيمة صادرات النفط والغاز نتيجة استمرار انخفاض أسعار التصدير.
أما بالنسبة للمستوردات فقد نشهد تباطؤا في نموها ولكن سوف تستمر بالنمو ولكن بمستويات أقل من الأعوام الماضية لأسباب عديدة من أهمها التباطؤ الاقتصادي وتناقص حجم الأعمال المسنودة سواء كانت من قبل القطاع الحكومي و/‏‏أو الخاص مع استمرار حالة الترقب والقلق لدى بعض القطاعات الاقتصادية نتيجة الظروف المالية وسياسات التقشف وتخفيض الإنفاق لدى غالبية الدول ومع استمرار وجود فائض في الميزان التجاري ولكن هذا الفائض سيستمر بالتناقص التدريجي إن لم نشهد سياسات اقتصادية جديدة تُراعي الحالة والظرف وتُساعد القطاع الخاص في سبر الأسواق الخارجية وتعزيز ودعم الصادرات الوطنية.
وعلى صعيد المالية العامة للدول الخليجية، من المتوقع أن تشهد ووفقاُ للعديد من المؤشرات المالية والاقتصادية نمواً غير مسبوق وخصوصاً ما بعد تعديل وزيادة عدد لا بأس به من الرسوم والضرائب وفرض ضرائب ورسوم جديدة لم تكن موجودة مما سيؤدي ذلك إلى تسجيل أرقام جديدة للإيرادات العامة للعام 2017 وكذلك الحال للعام 2016 ولكن سيشهد العام الجديد عدد جديد من تلك الضرائب والرسوم بالإضافة إلى مرور عام كامل للضرائب التي فرضت في منتصف العام 2016 وخصوصاً ضريبة الدخل على الشركات والضرائب والرسوم على الإقامات والتعديلات الكبيرة على الدعم وما تبعها من تحرير أسعار المُشتقات النفطية وزيادة أسعار الكهرباء والمياه والغاز لعدد من القطاعات وشرائح المُستهلكين.
وفي المقابل، قد لا تشهد النفقات العامة ارتفاعاً يُذكر (إذا ما استثنينا النفقات والمشاريع التي هي بطور التنفيذ والملتزم بها) ومن المُمكن أيضاً أن تشهد بعض الدول تناقصا تدريجيا أو شبه التوقف عن إجراء التعيينات والتوظيف في بعض من الوزارات والمؤسسات الحكومية مُقارنة بالعام 2016 نتيجة استمرار ارتفاع النفقات الجارية بنسب كبيرة وتم التحذير منها مراراً من قبل العديد من المؤسسات الدولية وصندوق النقد الدولي.
بكل تأكيد وكما هو أيضاً متوقع ستستمر أرقام العجز المالي بالتنامي لمستويات غير محمودة وغير مطمئنة لبعض الدول وخصوصاً في حال تجاوزها مستويات مُعينة كنسبة من الموازنة العامة وكمديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي والتي طبقاً لصندوق النقد الدولي يجب أن لا تتجاوز المديونية ما نسبته 40% من الناتج المحلي الإجمالي للدول غير الصناعية وغير متقدمة ونسبة العجز المالي للموازنة أكثر من 14%.
وفي النهاية لا بد من القول إن الضغط على النفقات الجارية لغرض تقليص النفقات واتباع سياسة ترشيد الإنفاق لغرض تقليص الاقتراض الداخلي والخارجي، قد يُعتبر أحد السياسات والمدارس الاقتصادية ولكن قد يُعتبر سيفا ذا حدين في ظل استمرار التباطؤ الاقتصادي وضعف مستويات النمو والقدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية للمنطقة في ظل تنامي المخاطر الجيوسياسية إلا في حال فرض العديد من الإجراءات والإصلاحات المالية والاقتصادية لتعزيز الاستثمار وتسهيل الإجراءات وفتح الأسواق بطريقة تتناغم مع الظروف التي تمر بها الأسواق المالية وما لها من تبعات قد تكون قوية. ويجب أيضاً أن تسعى الموازنات العامة للحكومات إلى الإتيان ببرامج تسعى إلى رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي في الدول، وإعطاء الأولوية للمشاريع والبرامج التنموية والخدمية التي تخدم القطاعات المُختلفة.