المشاركة .. الانتقال من الممارسة إلى القيمة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نعيش جميعنا الصراع الدائم والنزاع القائم، بين الذات الفردية، والذات الاجتماعية، وهو صراع له جذوره التاريخية والثقافية، وليس وليد الساعة والخروج من هذا المأزق ليس سهلا ولا يسيرا، ويحتاج إلى كثير من الجهاد، وإلى كثير من المعاناة، لأن حالة الـ«غبن» التي نشعر بها أحيانا من إخفاقات الهزيمة التي نمر بها، في كثير من الأحيان.
كلنا، في يومياتنا الكثر، نمارس أعمالا شتى، وننجز نتائج عديدة، ونصول ونجول إلى مشارب ومآرب أخرى، وفي خضم هذه التفاعلية اليومية، الأسبوعية، الشهرية، قليل منها ما يستدعي التأمل، ويستوقف التفكر، ويستصوب الهدف، ويا خسارة العمر إن ذهبت جهودنا أدراج الرياح، أو استهلكت كل الزمن المتاح، فالإنسان «في ظل صدقته» إن سلمت نيته، والصدقة هنا هذا العمل المنجز مع الآخر، وبمساعدة الآخر، وهذا الآخر لن يأتي من أحد كواكب السماء، فهو نتقاسم معه حلو الحياة ومرها، نعيش معه، ويعيش معنا، نخطئ في حقه ونصيب، يكون الأمر أكثر حيوية وصدقا عندما يتوجه العمل جله لوطن مشروعه ممتد، وسخائه خصب، واحتوائه لأبنائه شامل، هذه هي الصورة في مجملها، وهي صورة لن يكتمل جمالها، ولن يتعزز بقاؤها إلا إذا تكاتفت الهمم، وتنازلت الذوات عن عليائها، وانصهرت كلها في خدمته والذود عن حياضها المقدسة، وما العمل فيه؛ وفي أي موقع منه، رسميا كان أو اجتماعيا، مقابل له، أو بدون مقابل، إلا مناخات مهمة يصب ريعها في خانة الوطن، ويستفيد منها الغادي والداني على حد سواء، اليوم أو غد، بل وعلى امتداد الزمن.
يأتي الفهم الواعي لـ«المشاركة» من إيمان الفرد بأهمية ما يقوم به، ومن إيمانه بضرورة أن يقوم به، وبإيمانه بحتمية مشاركته فيه، فالمسألة تتجاوز الحسابات الضيقة، والمسألة تتجاوز مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة، والذي يسال نفسه في مثل هذه المواقع، والمواقف عن مستوى العائد المادي الضيق، يقينا لن يحرك قيد أنملة من الإنجاز، ولن يكون حاضرا تحت عباءة هذا المفهوم، ولذلك فالذين يناورون، ويجادلون، ويستخدمون الآلات الحاسبة: ضربا وقسمة وطرحا، لن يكونون هنا، بل يتوارون خجلا، فهممهم وئيدة، وأنشطتهم ضعيفة، وعطاءاتهم قليلة، فأن لهم المشاركة وقد ضيعوها بين دهاليز الذات القاتلة، وبين نزاعاتها المتصارعة، هذا سمو، ولن يستطيع الجميع أن يكونون بهذا السمو، وهذا تضحية، ولن يستطيع الجميع أن يتساوون في هذه التضحية، وهذا بذل، ولن يستطيع الجميع أن يتخلصوا من التجاذبات الداعية في الحرص والالتفاف على ما يملكون.
إن من يتقصى الأوراق الرابحة من شجرات العطاء المخضرة التي تمثلها الجمعيات الخيرية المنتشرة عبر جغرافية الوطن العزيز، لينبعث في نفسه الفخر بهؤلاء الشباب من أبناء عمان الأوفياء رجالا ونساء، ويكبر في نفسه هذا السخاء الإنساني الجميل المثقل بالحمولة الإنسانية الخصبة، وهي بحق جس النبض لحقيقة الشراكة والمشاركة في آن واحد، وهي جس نبض لحقيقة القيم السامية عند أبناء هذا الوطن العزيز؛ الذين يتسامون نبلا، وصدقا، ووفاء، وحضورا، وعطاء، وتضحية، وهذه الجمعيات هي المعبرة عن الضمير الوطني الحقيقي، ومع ذلك فهؤلاء جميعهم لا يسعون إلى التمظهر إلا بقدر الضرورة، و«للضرورة أحكام» كما هي القاعدة، أما بغير ذلك، فتكفي أعمالهم، وأنشطتهم هي الدالة على صدق العطاء، لا يريدون جزاء ولا شكورا، إلا من لدن رب العزة والجلال، وبالتالي فليسعد وطن، أبناؤه بهذا الصفاء والارتقاء، وبهذه الإنسانية الخيرة، فطوبى له بامتداد عمره، وبقاء تألقه وخصوبة عطائه، ولهم بشراكتهم الخالصة الصادقة.
نعيش جميعنا الصراع الدائم والنزاع القائم، بين الذات الفردية، والذات الاجتماعية، وهو صراع له جذوره التاريخية والثقافية، وليس وليد الساعة والخروج من هذا المأزق ليس سهلا ولا يسيرا، ويحتاج إلى كثير من الجهاد، وإلى كثير من المعاناة، لأن حالة الـ«غبن» التي نشعر بها أحيانا من إخفاقات الهزيمة التي نمر بها، في كثير من الأحيان، هي التي تثنينا عن مواصلة العزم في المشاركة، خاصة عندما نصطدم بمواقف يظهر فيها البعض الآخر انه انتهازي، ويصيد في الماء العكر، وأنه يجد فيما يعمل فيه الآخرون مطية للوصول والترقي دون أن يكون لمن يشاركون في العمل ذاته أي تصور للاستغلال، وأي نية للإساءة، هنا تبدأ مجموعة العوامل المحبطة تفعل فعلتها في النفس، وهنا تكبر الصورة الماثلة للـ«غبن»، ومن هنا تبدأ مجموعة التراجعات عن الاستمرار، هذه إشكاليات نفسية حقيقية في الصراع للبقاء أو الانزواء في مثل هذه الأعمال التي تنظمها المؤسسة الخيرية إلا بقدر الجهد الذي يبديه الأعضاء فيها، وهذه، بلا شك، مناخات تختزل فيها الهمم، وتتساقط الأوراق الخضراء الواحدة تلو الأخرى، فلن تعد الشجرة خضراء، ولن تعد الشجرة مثقلة بحمل العطاء، ولن تكون الصورة كما يراد لها أن تبقى وتستمر في مثل هذه الحالات، وهي حالات لن تزول من القائمة، وهنا تظهر قوة الإرادة في عدم تمكين مثل هذه النفوس الضيقة رؤاها.
نعم، أن تكون مشاركا، أن تكون حاضرا، أن تكون مؤازرا، أن يتلبسك الإيمان بأهمية ما تقوم به من عمل توجهه إلى الله سبحانه وتعالى ليس إلا، وأي عمل كان صاحبه هذا مقصده، يقينا سيمكث في الأرض طويلا، وسيكون سخاؤه يملأها شرقا وغربا، وتكون شجرته خضراء وارفة الظلال، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وفي ظل هذا الفهم المتجرد من نوازع الذات، يذهب الفهم أيضا إلى أنه ليس مطلوبا عدم الإصغاء إلى نفسك، أنت لا بد أن تكون بقدر عطائك وسخائك، فقط أن تتجرد من أنانيتك التي تثنيك عن مواصلة عملك الخير، فأنت أيضا في المقابل روح ومادة، وطموحات وآمال، وليس من اليسير إذابة ذلك كله في لحظة شراكتك مع الآخر، المهم أن لا تتداخل الصورتان، فتحرم نفسك من الوقوف مع الآخر، وتحرم يدك من مدها إلى من يستحق، و«خير الناس أفضلهم عطاء»، وكما جاء في النص: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، وهذا العلو ما كان له أن يتحقق إلا بفضل من الله، ومتى وجد هذا الفضل عندنا علينا أن نكون أكثر قربا من الآخر الذي يتوق إلى هذا القرب لسبب أو لآخر، فالدهر له مواقف قاسية على أناس كثر لحكمة بالغة لدى رب العزة والجلال.
يذهب الفهم أيضا الى حقيقة ربما تكون غير واضحة في زحمة اشتغالاتنا في الحياة، وهي أنه ليس سهلا أن تكون مشاركا، وليس سهلا أن تكون منعزلا، وهي معادلة صعبة بحق، وهنا يقع كثير من الناس في مأزق التوفيق بينهما، ففي الوقت الذي تدفعك عوامل المشاركة، تجد عوامل أخرى تدعوك إلى العزلة، «اصبر على مجنونك …» كما هو المثل، فتقع في حيرة التردد، ولأن الزمن ليس في أجندته روزنامة التوقف والانتظار تضيع الفرص اتباعا، لأن العمر عندما يتيح لك فرصة المشاركة في زمن ما، فذلك لن يتكرر في زمن متقدم منه، والعزلة المجردة متعبة ومظللة للحقيقة، ولذلك تحتاج المسألة إلى كثير من الحكمة في معالجة التوفيق، بحيث تبقى المسألة «لا ضرر ولا ضرار»، وهنا تتضح الحنكة والخبرة في الوقوف إلى حالة من التوازن الموفق، (ومن أوتي الحكمة، فقد أوتي خيرا كثيرا).
تترجم هذه الشراكة عموما إلى الوصول إلى مستوى العلاقة العضوية للعطاء، وإلى حد الذوبان في الجماعة، شريطة أن لا تلغى المساحة الذاتية للفرد، بحيث يبقى له صوته المسموع، وله رأيه الذي يحترم، وله شخصيته الاعتبارية بحيث لا يتماهى كل ذلك لأجل صالح الجماعة فقط، فالفرد هو جزء من أي جماعة تتقارب بينها المصالح العامة، على وجه الخصوص، وبالتالي فهو جزء من منظومة متكاملة، كما وصفها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: بالجسد الواحد «إذا اشتكى منها عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» وبالتالي متى تحقق هذه الشرط الموضوعي في هذه العلاقة التشابكية، لا شك عندها سيكون العطاء صادقا، والأنفس راضية، والرؤى واضحة، والكل سيعمل على بصيرة من أمره بلا تكلف.