تصفية «العقول».. العربية!

عماد عريان  –

إن اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري برصاصات الموساد ليست إلا حلقة من حلقات مسلسل تصفية العقول العربية، وهو شيء تتباهى به إسرائيل وتعتبره جزءا من حماية «أمنها القومي»! فبينما ساد الصمت على المستوى الرسمي الإسرائيلي، فقد تركت الأمور للصحافة العبرية وللإعلام عموما لعرض تفاصيل الحادث أو الجريمة.

لطالما عانت أمتنا العربية ودول العالم النامي قاطبة – ولا تزال – من ظاهرة «هجرة العقول» المتمثلة في نزوح الملايين من خيرة العلماء والكفاءات الشابة والخبرات العلمية الوطنية في مختلف التخصصات إلى الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة وأوروبا للعمل فيها وتقديم كل جهودهم وإبداعاتهم وأبحاثهم لشعوب تلك الدول التي تحصد الخير كله وتلقي للدول الفقيرة بالفتات، ولو رصدت الخسائر التي تتكبدها الدول النامية جراء تلك الظاهرة لقدرت بمئات المليارات من الدولارات، عدا الخسائر غير المنظورة التي يصعب جدا تقديرها بالمال حيث كانت ستنعكس تنمية وتطويرا وتقدما في مجتمعاتهم التي هي في أمس الحاجة لجهودهم، ولكنها للأسف تضيع هباء دون أي تعويض مناسب.
هي بالفعل ظاهرة خطيرة تدفع الدول النامية ثمنا باهظا لها بدلا من أن تحصد من ورائها الكثير، إلا أن الظاهرة الأشد خطورة منها هي تلك التي يمكن تسميتها بظاهرة «تصفية العقول العربية» وهي الظاهرة التي ولدت مع ظهور الصراع العربي- الإسرائيلي ومنذ إنشاء إسرائيل لم تحصر دولة الاحتلال صراعها مع الدول العربية في الوسائل العسكرية وآلة الحرب فقط، ولكنها وسعت من دائرة الصراع ليشمل كل الأدوات الاقتصادية والتنموية وكذلك العلمية لتحول بين الدول العربية وكل وسائل الحداثة والتطور التي قد تهددها يوما ما، وفي هذا السياق ابتكرت حربها الخاصة القائمة على الاغتيالات الداخلية والخارجية لكل من ترى في وجوده على سطح الكرة الأرضية تهديدا لمصالحها الخاصة بداية من الكونت برنادوت أول مبعوث دولي للأمم المتحدة إلى الأراضي المحتلة في أعقاب تقسيم فلسطين عام 1947 وصولا إلى المهندس التونسي محمد الزواري رائد تكنولوجيا «الدرونز» أو الطائرات بدون طيار.
وعلى الرغم من أن تونس ليست من دول الطوق ولا هي من دول المواجهة المباشرة مع إسرائيل إلا أن ثقافة الاغتيالات المتغلغلة في ذهنية وسياسات الجانب الإسرائيلي لا تستثني أي مظاهر تميز أو تفوق في محيطها العربي والشرق أوسطي، وتونس على سبيل المثال كانت في أكثر من مناسبة موضعا لمواجهات مفاجئة مع إسرائيل اكتوت خلالها بعدوانية غاشمة بلا مقدمات أو أسباب طارئة، وكان أبرز تلك المواجهات في منتصف الثمانينات من القرن الماضي عندما ارتكبت طائرات أف – 16 الإسرائيلية جريمتها النكراء بتدمير مقار منظمة التحرير الفلسطينية في حمامات الشط قرب تونس العاصمة، وكذلك عملية اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة بواسطة وحدة خاصة تسللت إلى منزله في تونس عبر مياه المتوسط واغتالته ليلا.
وليس خافيا أن آلة الاغتيالات الإسرائيلية طالت أسماء وشخصيات كبيرة من قيادات ورموز المقاومة الفلسطينية والعربية في الداخل والخارج، والقائمة طويلة في هذا الشأن، وربما يمكن تفهم ذلك في سياق صراع عسكري متبادل توظف خلاله إسرائيل كل أدواتها الحربية حتى ولو كانت من خلال عمليات قذرة تعتمد كذلك على النشاط المخابراتي للخلاص من رموز المقاومة والصمود والنضال العسكري. ولكن الذي لا يمكن تبريره أو قبوله على أي مستوى من المستويات هو تصفية العقول العربية كذلك في عمليات مخابراتية قذرة بداية من مهندس المقاومة الفلسطينية يحيى عياش وصولا إلى مهندس تونس محمد الزواري.
عملية اغتيال الأخير تحديدا هي بالتأكيد ليست الأولى من نوعها في الحرب الإسرائيلية على العقول العربية وأغلب الظن أنها لن تكون الأخيرة، فمنذ بدايات الاعتراف بإسرائيل وتلك العمليات المخابراتية القذرة ترافق سياساتها، ولعل البداية الموثقة في هذا الشأن كانت في مطلع الخمسينات من القرن الماضي مع عالمة الذرة المصرية «سميرة موسى» التي قتلت في حادث غامض بمدينة لوس انجلوس الأمريكية عندما كانت تدرس الفيزياء النووية، وتكشفت فيما بعد حقائق عديدة عن تصفيتها بمعرفة «الموساد» وبمساعدة «راشيل ابراهام» عضو الوفد الإسرائيلي في الأمم المتحدة.
ومن يومها انطلقت رحلة الاغتيالات الإسرائيلية ضد العلماء العرب وكذلك ضد علماء دول الجوار الذين يمثلون – من وجهة نظر الموساد تهديدا لإسرائيل- ومن بينها وكما هو معلوم إيران التي تحارب إسرائيل برنامجها النووي السلمي بكل الوسائل الممكنة سواء عن طريق الحروب الإلكترونية أو باغتيال العلماء الإيرانيين خاصة العاملين في البرنامج النووي.
وتجدر الإشارة هنا إلى العالم المصري الراحل الدكتور يحيى المشد الذي اغتالته عناصر الموساد داخل أحد فنادق العاصمة الفرنسية باريس عام 1980 بتهمة الإشراف على/‏‏‏‏ وتنفيذ البرنامج النووي العراقي آنذاك، وسرعان ما تخلصت من البرنامج ذاته بتدمير المفاعل النووي العراقي، قيد الإنشاء أو الذي كان قد أوشك على الاكتمال، في أوزيراك عام 1981، وبعد عدة سنوات عثر على مهندس محركات الصواريخ المصري السيد بدير – الذي اعتبر عبقريا في مجال تخصصه- قتيلا في الإسكندرية وأشارت أصابع الاتهام إلى عناصر الموساد التي اغتالته بإلقائه من شرفة منزله. ثم كان الرحيل المفاجئ والمثير للمفكر والباحث المصري الدكتور جمال حمدان الذي تردد في أكثر من مناسبة أنه كان يعتزم تقديم أبحاث علمية جديدة تكشف زيف الأسطورة الصهيونية برمتها فلقي حتفه كذلك في واقعة غريبة ومحيرة.
ثم فإن اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري برصاصات الموساد ليست إلا حلقة من حلقات مسلسل تصفية العقول العربية، وهو شيء تتباهى به إسرائيل وتعتبره جزءا من حماية «أمنها القومي»! فبينما ساد الصمت على المستوى الرسمي الإسرائيلي، فقد تركت الأمور للصحافة العبرية وللإعلام عموما لعرض تفاصيل الحادث أو الجريمة. القناة العاشرة الإسرائيلية مثلا أكدت في تقرير لها أن السبب الحقيقي لاغتيال الزواري هو ما سمته «الخطر القادم مما كان ينوي فعله بالمستقبل»، ليس فقط لريادته في صناعة وتطوير ما عرف بـ«طائرات الأبابيل» التي استخدمتها كتائب القسام في حربها الأخيرة مع إسرائيل عام 2014، بل لأن مشروع شهادة الدكتوراه الخاصة به يناقش كيفية صناعة الغواصات والتحكم بها عن بعد. وألمحت القناة للتقارير الأجنبية التي تتحدث عن اغتيال الموساد له لأنه مقرب من حماس، وتنقّل في السابق بين لبنان وسوريا وليبيا وتونس، مؤكدة أن إسرائيل تتابع باهتمام هذه التقارير.

القناة العاشرة الإسرائيلية كذلك كانت أول من تحدث عن أن صحفية مجرية جاءت لإجراء لقاء صحفي مع المهندس الزواري قد تكون الطعم الذي قاد لعملية الاغتيال، ونشرت تفاصيل الخبر دون الإشارة للمصدر، وقالت: إن أشخاصا آخرين حضروا مع الصحفية المجرية، وأن الصحفية غادرت تونس بعد اللقاء مع الزواري مباشرة، كما أكدت القناة أن منفذي عملية الاغتيال غادروا تونس.

وعلّق المراسل العسكري في القناة الثانية الإسرائيلية روني دانيئيل على اتهام الموساد بالاغتيال باتهام حزب الله وحماس بالعمل على امتلاك طائرات بدون طيار وتحميلها بالمتفجرات وإرسالها إلى إسرائيل قائلا: لا أدري ولا أريد الدخول في مسألة مَن اغتاله، ولكن خذوا هذه المسألة لتفهموا إلى أين تسير حماس، الجهود التي تبذلها هذه الحركة تماما مثل حزب الله، تطور طائرات من دون طيار، وتحملها مواد متفجرة، وتطلقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية، هذا هو التوجه واستنتجوا أنتم من قام باغتياله(!!)، الخبير العسكري لصحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، عاموس هارئيل، وصف الزواري بأنه مهندس الطائرات المسيرة التابعة لحماس قائلا: انضم أخيرا إلى قائمة الاغتيالات الطويلة حول الشرق الأوسط المنسوبة لإسرائيل بزعم أن هذه السياسة الإسرائيلية لملاحقة المسلحين تسعى لإحباط أهدافهم المستقبلية للمس بأمنها وقدر بأن اتهامات حماس لإسرائيل بالوقوف خلف عملية الاغتيال في تونس لن تؤدي لاندلاع حرب جديدة في غزة، لكن إسرائيل مطالبة بالاستعداد جيدا خشية تنفيذ الحركة لعملية انتقام مفاجئة.
وبدون أدنى شك فإن إسرائيل لا تحاول على الإطلاق التنصل من هذه الاغتيالات بل تتباهى بالكشف عنها وتحمل مسؤوليتها سواء بشكل رسمي أو من خلال الحلقات الوسيطة، كالإعلام مثلا، لتوجيه رسالة صريحة بأن سياسة «تصفية العقول العربية» هي أولوية لن تتراجع عنها.