إعلان تونس ضد الإرهاب .. ودروس مهمة

مختار بوروينة  –
mokhtarbourouina@yahoo.fr –

تراهن الحكومة التونسية على الاستراتيجية الوطنية لمقاومة التطرف والإرهاب التي صادق عليها مجلس الأمن القومي خلال الأسابيع الماضية، بعنوان «إعلان تونس ضد الإرهاب»، تزامنا مع ذكرى الحادث الإرهابي الذي تعرض له متحف «باردو» التونسي عام 2014، وكلفة مواجهة الجماعات الإرهابية التي كانت ثقيلة خلال السنوات الماضية، مخلفة حوالي 70 عسكريا و40 أمنيا و59 سائحا أجنبيا و20 مدنيا في هجمات دموية كانت تستهدف مؤسسات تونس المدنية.
ويرى الخبراء الأمنيون والعسكريون أن الإرهابيين الذين شنوا هجمات دموية على متحف باردو وعلى فندق في مدينة سوسة وعلى حافلة تابعة للأمن الرئاسي إضافة إلى الهجمات على مدينة بن قردان فشلوا خلال الأشهر الـ10 الماضية في القيام بأي هجوم.
في المقابل أكدت إحصائيات تونسية رسمية أن الفترة الممتدة خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2016 أي بين 1 يناير 2016 و30 أكتوبر الماضي سجلت حوالي 1118 قضية إرهاب مقابل 1035 قضية خلال الفترة نفسها من سنة 2015، وأن عدد القضايا التي تمت مباشرتها من أجل الانتماء إلى خلية إرهابية خلال الفترة المذكورة من سنة 2016 مقدرة بـ3381 مقابل 1945 في الفترة ذاتها من سنة 2015 أي بارتفاع بنسبة 42.4 بالمائة.
كما بلغ عدد الخلايا الإرهابية النائمة التي تم تفكيكها خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2016 ما قدره 160 خلية إرهابية مقابل 90 في السنة الماضية، وتم منذ أول يناير 2016 وإلى حدود أواخر شهر أكتوبر الماضي إحالة 2388 عنصرا تكفيريا إلى العدالة في حين تم خلال الفترة نفسها من سنة 2015 إحالة 2017 عنصرا أي بارتفاع بنسبة 15.5 بالمائة، وارتفع عدد العناصر التي أدرجت بالتفتيش في قضايا إرهابية خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2016 إلى 1877 عنصرا وتم إيقاف 805 عناصر مفتش عنها، وعدد الموقوفين في شبكات التسفير إلى بؤر التوتر خلال الفترة نفسها المذكورة بلغ 435 عنصرا مقابل 208 سنة 2015 أي بارتفاع بنسبة 52 بالمائة.
ما عبرت عنه السلطات التونسية كأولوية مطلقة للقضاء على الشبكات والخلايا الإرهابية وتجنيب تونس مخططات دموية لم يبعدها عن الخوف من وقوع هجمات، أدت لاتخاذها كافة الإجراءات الضرورية لتحديد هويات «المتشددين» التونسيين العائدين من بؤر النزاع في سوريا والعراق والمقدر عددهم بين 4 و5 آلاف عنصر، حيث توجه جلهم، بعد التدخل الروسي في سوريا، إلى ليبيا التي تشكل الطريق الوحيد المفتوح أمامهم، وهو ما يشكل قلقا كبيرا كونهم على بعد خطوات من الحدود التونسية.
ويؤكد الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، أن مشاكل الإرهاب في تراجع بعد إحراز بلاده تقدما كبيرا في مجال محاربته وأن تونس ليست أقل أمنا من فرنسا أو بلجيكا، وأنها تبذل الجهد الكبير للرفع من أدائها في مكافحة الإرهاب وتحقيق المزيد من النجاحات بما يساعدها على بناء حزام سياسي وشعبي قوي وفق ما جاء في «إعلان تونس ضد الإرهاب ومن أجل التسامح والتضامن بين الشعوب والثقافات والأديان»، وما تضمنه من دعوات إلى التعاون والتساند تجاه ضحايا الإرهاب الذين سقطوا على أرض تونس أو في بلدان أخرى ترزح تحت تهديدات خطيرة جراء أخطار إرهابية تهدد كافة الشعوب وكل الثقافات والأديان دون تفريق أو تمييز، وأن هذه التهديدات الشاملة التي تهدف في الأساس إلى التقسيم وفرض الفرقة تتطلب جهودا متحدة ومتضامنة لمواجهتها.
وشددت الوثيقة أن تونس تناهض الإرهاب بمختلف أنواعه ومظاهره، وتعتبر كل عمل إرهابي جريمة ضد الإنسانية لا يمكن تبريره مهما كانت الدوافع أو الفاعل أو مكان الجريمة ويجب في كل الأحوال شجبه ومعاقبته ومقاومته، موضحة أنه يتغذى من إحباطات الشباب والحط من قيمتهم وتهميشهم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا إضافة إلى غياب الحوكمة الرشيدة وتفشي الفساد وعدم احترام حقوق الإنسان والخلط بين الدين والسياسة والتصلب الدعائي الباعث على التطرف، علاوة على فقر في التربية وعلى قبول التنوع واحترام الغير.
فالجماعات الإرهابية تشوه المعتقدات الدينية لإذكاء الكراهية والحث على العنف بين الشعوب، وأسلحة التدمير التي يمتلكونها تهدد القيم الكونية التي تقوم عليها الإنسانية بما في ذلك حقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية، وتهدد في الوقت نفسه السلم والنمو وسلامة الدول والشعوب وتقف سدا منيعا أمام تطورها وتقضي على مبدأ العيش المشترك، وعليه فإن الإعلان يؤكد على دور السياسة الثقافية والتربوية في مكافحة الإرهاب ودعاته ومناصريه ونشر ثقافة التسامح وترسيخ قيم السلم والحرية والتعدد والحوار والانفتاح على الآخر ورصد كل أشكال التمييز وتوعية مكونات المجتمع قصد وضع برامج وأعمال تهدف لمناهضة ظاهرة الإرهاب الذي لا يكون إلا بمهاجمته في معاقله كيفما كانت وحيثما وجد استنادا إلى تطوير سياسات تنمية عادلة واندماجية تقضي على الإحساس بالتهميش الذي يقوي الشعور بالظلم والاضطهاد الاجتماعي مما يدفع طبيعيا إلى التطرف.
ما تضمنه إعلان تونس من حقائق ومقترحات العلاج داخليا وحتى خارجيا ينطلق من الحالة التونسية، جزء منها يستند بناء على ما كشفت عنه آخر الدراسات المنجزة حول الحركات الجهادية في تونس من أن 40٪‏ من الإرهابيين هم من ذوي المستويات الجامعية، بعضهم طلبة وبعضهم الآخر خريج الجامعة.
وتوضح الدراسة التي أعدها مركز البحوث والدراسات حول الإرهاب وشملت ألف إرهابي موقوف بعضهم متورط في قضايا إرهابية في تونس وآخرون متورطون في قضايا إرهابية بالخارج أن الرقم يعتبر مشكلة تثير تساؤلات خطيرة، فلماذا فشلت الأحزاب والمنظمات خاصة الطلابية منها في استقطاب الطلبة والخريجين في الوقت الذي نجحت فيه الجماعات المتطرفة في التسرب نحو استقطاب هؤلاء لتحولهم لاحقا إلى إرهابيين، وهل الأمر له علاقة بالتهميش في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟

برأي المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حول فشل منظمات المجتمع المدني في استقطاب الشباب في الوقت الذي نجح فيه متطرفون في استقطاب هؤلاء وتحويلهم إلى إرهابيين حاملين للسلاح في وجه الدولة، أن الشباب هم الفئة التي تخضع لكافة أشكال التهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وهي تعاني من حالة إحباط كبرى، فمطالب الثورة أطلقها الشباب وخاصة العاطلين عن العمل لكن ما بعد الثورة وجدوا انفسهم في أسفل الاهتمامات، ولأن الحركات الإرهابية أغلبها شبابية في الأساس فإنها أعطت للشباب ما يكون قد افتقدوه وهو الفرصة في البروز وبذلك يمكن أن يفهم نجاحها في استقطاب هؤلاء الشباب المهمشين.

كما أن الأحزاب والمنظمات رغم كثافتها العددية إلا أنها فشلت في استقطاب الشباب لأنها لا تزال تعمل وفقا للعقليات القائمة خاصة بالنسبة للأحزاب، فالشباب يُعْتمد عليه في التعبئة أو العمل اللوجستي فقط في حزبه ويتولى الحرس القديم المناصب القيادية، ومن ناحية علمية ما زالت المؤسسة تتولى الدور التلقيني ولا تعلم الفكر النقدي، فاغلب الإرهابيين هم من الشعب العلمية، إضافة إلى فشل المنظمات الطلابية في احتواء الطلبة وتحصينهم ضد مخاطر الاستقطاب من قبل الجماعات الإرهابية وقياداتها تكرر معارك الساحة السياسية نفسها وتعمل وفقا للعقلية نفسها.
ويفسر أستاذ التاريخ السياسي المعاصر، عبداللطيف الحناشي، أن عدد الجامعيين في صفوف الإرهابيين قد يكون اكبر من النسبة المذكورة مبرزا أن اغلب من تم استقطابهم هم من اختصاصات علمية صحيحة وليس في العلوم الإنسانية وبالتالي هم طلبة المواد الجافة الخالية من أي حس نقدي، وأن الكثير من المعطيات التي توفرت في محيط الشاب وفي واقعه الأسري وغيره جعلته يتابع الخطب التحريضية ويفتقد للزعيم في مخياله، وهي أزمة مجتمع، والعملية مركبة ولا تقف عند التهميش ..ذلك ما يحاول إعلان تونس الإجابة عنه بالتحليل في انتظار التأسيس لآليات أخرى في المعركة ضد الإرهاب واجتثاث منابعه.