شارقة البهاء والعطاء

يوسف القعيد –

الرافد مجلة ثقافية شهرية، تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، التي اعتبرتها في وجود الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، بأنها إمارة الرهان الثقافي، أي الإمارة التي تراهن على الثقافة باعتبارها الفعل الكبير الذي يمكن أن يأخذ الناس إلى الأمام، أو أن يعيدهم للخلف. مع أنه لا توجد ثقافة حقيقية يمكن أن تعود للخلف مهما كانت الأسباب.
ترويسة المجلة لا تحمل السنة التي صدر فيها العدد الأول منها. وإن كان رئيس تحريرها الدكتور عمر عبد العزيز، وهو مثقف عربي من أبناء السودان الشقيق، أي أنه نصف مصري ونصف سوداني. كما ننظر لأشقائنا في الجنوب. يكتب أن عدد ديسمبر يشكل عاماً جديداً. ويكتب:
– ومع بداية كل عام نستأنس بما كان، ناظرين لما سيأتي، ومناجزين الفعل الإبداعي المعرفي بقدر أكبر من الاحتضان الواثق للذاكرة الثقافية العربية بسعتها وتعددها ومنابت اجتهاداتها المختلفة، ولولا هذا الخطاب المتسق مع جوهر التنوع، وواحدية النظر للحقيقة. لما تنافت روافد المعرفة والثقافة والفنون في شارقة البهاء والعطاء.
الصفحة الأولى كتبها رئيس التحرير، أما الصفحة الأخيرة فقد كتبها مدير التحرير، المثقف العربي المصري عبد الفتاح صبري. كاتب القصة، وصاحب الشعر، والرجل الذي تتلخص فيه كثير من ملامح الشخصية المصرية. عنوان كلمته الأخيرة، وهي آخر ما نقرأه في المجلة، عنوان مقاله: أماكن للهجرة.. أماكن للجوء. يكتب فيه:
– الأماكن تتبدل وفى تطورها وانتقالها تمتلك وتكتنز وفقاً لحالتها عناصر الجذب أو الطرد على مدار التاريخ، تؤثر فيها عوالم سيوجغرافية أو جيوبوليتيكية، فتمنحها صفتها المؤثرة المانحة لهويتها وفق الزمن المترافق. مصر مثالاً وبلداننا العربية كانت جاذبة للأجانب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
في داخل العدد يكتب زكريا أحمد عيد، عن نافذة على ثقافات العالم. والدكتور مصطفى النشار له مقال مهم عن محمد عبده.. فيلسوف الإصلاح، طاقة نور جددت الخطاب الديني. وفيه يرى أن جرأة الإمام محمد عبده تجلت في فتاواه الدينية التي تساير العصر وتتعرض لأدق قضاياه في ضوء ما وجد فيه مراعاة مصلحة الناس والأمة، وربما جاء الكثير منها تحت أو وفق فقه الضرورة.
ويضيف: لقد كان جل اهتمام محمد عبده بعد الإصلاح الديني، إصلاح الأحوال الاجتماعية والسياسية. وقطفتنا إلى أن إصلاح الأخيرين لا يكون إلا بداية من الإصلاح الأخلاقي. وقد أقام رؤيته للإصلاح الأخلاقي على مبدأ الجمع بين العلم والعمل.
يكتب توماس باور، ويترجم الدكتور محمد فؤاد نعناع: الغربة في الثقافة العربية القديمة ولغتها: تباين المفاهيم. ومن ضمن الموضوعات المترجمة في العدد: فيما وراء لوكاتش وجولدمان، عندما تكون الواقعية مدخلاً للحداثة. كتبه كريك مارك نيلسون، وترجمه يونس الأشهب. ولأن في العدد كثيرا من المواد المترجمة، فنجد أن ميشيل سير يدلي بحوار عنوانه: عندما أترك أناي وأصبح آخر. حاورته جورجيا مخلوف، وترجمه محمد الإدريسي. ويكتب محمد حسين طلبي: عاشقة الكويت البريطانية زهرة ديكسون وسطور من الوفاء. وهو يعرض لكتابها الكويت كانت منزلي.
أما الدكتور محمد الديهاجي فيكتوب إيستيمولوجيا «ريكور» التأويلية، التأمل كأساس للوعى. وفيه يرى أن التأويل يعتبر منهجاً للتناول وإماطة اللسان عن معنى النص. أو النشاط الثقافي الذي يرى من حيث كونه نصاً. لا عن طريق إعمال الفكر أو التحرير العقلي الموضوعي، وإنما بالنفاذ إلى داخل النص. ويضيف: إن ريكور لا يعتقد أن الذات تعرف نفسها بالحدس المباشر. بل يتم ذلك من خلال تعرية العلامات الثاوية في النص الأدبي. وكذا فهمها. والفهم ما هو سوى «فهم الذات أمام النص».
وتكتب عائشة مصبح العاجل: الشارقة: الثقافة بوصفها سلوكاً للتعاطي مع الحياة. وترى أن مشروع الشارقة الثقافي الذي انطلق منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف. وامتد بجذور عربية واثقة من أدواتها ومنفتحة على الثقافات الأخرى، انطلق على الثقافات الأخرى ببناها الثقافية ومؤسساتها التنويرية والتربوية ومشاريعها التي تعزز مهارات الإنسان وقدراته على فهم ذاته والأخر. وتبنى في مدركات العلم والمعارف، وتكرس الثقافة سلوكاً وديدناً للتعاطي مع الحياة ومع الإنسان في المجتمع المحلى وباقي المجتمعات.
نادية الأزمي تحاور الناقد العربي المغربي سعيد يقطين. وقد تعرفت على نادية الأزمي، وهى باحثة عربية شابة في الشارقة. وكنت هناك لحضور مؤتمر عن السرد والتاريخ. وهى كانت لها اهتمامها الخاص بحضور الجلسات ومتابعاتها. وكان معنا أيضاً سعيد يقطين، وهو– لمن لا يعرف– باحث جاد ودؤوب، يحاول أن يستخرج من التراث العربي كل ما يمكن أن يكون مفيداً للإنسان العربي في معركة الوجود: هنا والآن.
من مؤلفات سعيد يقطين: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية نحو كتابة عربية رقمية. وكتابه الثاني: من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي. ثم الفكر الأدبي العربي.. البنيات والأنساق. وكتابه الرواية والتراث السردي.
تقدم نادية الأزمي، وهي ليست صحفية أو محررة، بل هي أكاديمية في جامعات المغرب، أستاذها سعيد يقطين هكذا:
– في حضرة الدكتور سعيد يقطين، تقف الكلمات عند حدود الطاقة. ناقد ومفكر مغربي من طراز رفيع. حمل على عاتقه مهمة التدريس الأكاديمي، يحمل نور فكره الساطع، متحدثاً في السرديات والسيمائيات والثقافة الشعبية. والتراث والنص التفاعلي. ومناقشات للكثير من قضايا الإنسان العربي. في مقالاته الصحفية المعمقة، قام الدكتور يقطين بمهام علمية تنوعت بين عضوية لجان الإشراف والتقويم والتحكيم وغيرها. ونال عدداً من الجوائز الرفيعة. وقدم للمكتبة العربية كتباً مهمة جداً حول القراءة والخطاب الروائي والتراث السردي والنص المترابط، وغير ذلك من قضايا السرد. وفى حضرة هذا الغنى المعرفي النقدي والثقافي والفكري كان لنا اللقاء الثاني.
ومن عناوين العدد: انتصاراً على قيم الشر، فضاءات السرد الصيني من التناقض إلى التكامل، للدكتور الجيلالي العرابي. ويكتب الروائي اليمني محمد الغربي عمران، بين شاعرية اللغة ورواية السرد. أما الدكتور علاء عبد المنعم إبراهيم، فهو يتناول موضوعاً مهماً: المكتوب من عنوانه. جماليات العنوان في الحكاية العربية القديمة.
لكي أطمئن القارئ، فأقول له: إن مجلة الرافد مثلها مثل مجلة عمان العظيمة: نزوى، تباعان في الأسواق بالحد الأدنى من أسعار المجلات الثقافية، حتى يكون في إمكان القارئ البسيط العادي أن يشتريها ويقتنيها. ويثقف نفسه بما فيها.