نوافـذ : فاطمة التي لن تحرر حلب

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

لا أعرف كيف رأت فاطمة «بنت 9 سنوات» دمشق وهي تسير إلى حيث أرسلها والداها لتفجير مركز للشرطة انتقاما لحلب.. كيف نظرت ـ ببراءتها وطفولتها ـ لوجوه البشر وهم يعبرون الشوارع المكتظة بالمارة والمكتظة بالحزن والخوف والترقب والبؤس؟ أين كانت نظرات فاطمة موجهة، ألم تشدها دمية معلقة في المحلات أو لعبة تمنت يوما أن تقتنيها فوقفت تتأملها وتسأل البائع «بكم تبيعها يا عم» وتنسى إلى أين هي ذاهبة؟ هل كانت تنظر في وجوه المارة فترى شيئا من مستقبلها في وجوههم أم هل استذكرت رفاق المدرسة إن كان والدها قد سمح لها أن تسلك ذلك الطريق المعبد بالأحلام لساحة المدرسة وتقف في الصباح تحت ظلال العلم السوري تنشد «تحيا سورية حرة أبية» حتى لو حدث ذلك وهي ترتدي اللباس «الشرعي» الذي يلفها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها بالسواد، رغم عمر التاسعة وحلم المريول المزنر بالزهور.. لم تنظر فاطمة لشيء من كل هذا، كانت تسير إلى حيث أرسلها والدها.. ومن يستطيع الآن القول أن لفاطمة عينين.. كانت ترى بعيني والدها الحاقد، والطائفي والمذهبي وفي الحقيقة الجبان وهو يخاطب ابنتيه «فاطمة وإسلام» بالقول «جواري أمة محمد».. كانت تسير فوق خطواته التي غرسها منذ صرخة ميلادها. لم يخبرها عن أرض الأبجدية الأولى ولا عن أرض الحضارات والأمجاد وأرض الصمود لم تسمع منه إلا عبارات طائفية ومذهبية.. حفظت كلمات «التفخيخ» و«الاستشهاد» و«العمليات الفدائية» و«اللباس الشرعي» و«الحجاب» والجبن والحمق الذي صوره لها بأنه شجاعة فقدها الرجال الذين هربوا في الباصات الخضراء، وكل الأمراض التي تسيطر على أمثاله من الإرهابيين الدواعش.. أما والدتها التي ظهرت متدثرة بكل حقد العالم وقسوته في التسجيل فبدت هي الأخرى سليلة نفس الميراث ونفس الثقافة.. ونفس القبح.
فاطمة التي تناقل العالم مقاطع فيديو مسجلة لها مع أختها وهي في حالة وداع لأمها «القاسية» ولوالدها، قبل أن تفجر نفسها في مركز للشرطة في دمشق الأسبوع الماضي، ضحية مرحلة عربية لا يمكن حصرها في السنوات الست الأخيرة من عمر هذه الأمة وإنما ضحية أجيال من الجهل العربي.. الجهل بكل ما تعنيه هذه الكلمة المؤلمة.. وسيطرت لغة الطائفية والمذهبية وسقتها الكثير من الأنظمة من عذب الماء والمال.
لا يمكن تبرئة الساسة من كل ما يحصل في البلاد العربية اليوم، ولكن المشكلة الأساسية عند من نفخوا الحقد والتباغض في قلوب أتباعهم ضد الآخر الذين لا يرونه أكثر من كونه «كافرا» ووحدهم فقط من يستحق لقب «مسلم».. وكأن الجنة التي عرضها السماوات والأرض لم تخلق إلا لهم. لقد تحالفوا مع السلطات السياسية ليحفظ كل منهم بقاء الآخر أما الشعوب فإلى جحيم التباغض والتنابز.
اليوم تجني الدول العربية والإسلامية ثمار الخطابات الدينية المتشددة، وخطابات الكراهية ضد الآخر حتى لو كان من نفس الدين.. وفي اعتقادي الشخصي أننا لم نصل بعد إلى ذروة المشهد رغم كل ما نراه ونشاهده.. ما زال المشهد في طريقه للتصعيد والحروب الطائفية التي نراها اليوم ما زالت تدور في أرض محايدة لكن المواجهة المباشرة لم تحصل بعد. ولم ترتد السهام إلى نحور مطلقيها.. ولم ترفع المشانق عاليا لختام المشهد التراجيدي الهزلي.
فاطمة تناثرت أشلاء وربما «زغردت» أمها لأن ابنتها ستبات في الجنان، وانتشى والدها مع جواريه التي شغلته عن التفكير في جواري الآخرة فبعث ابنته فداء له لا لسوريا كما يقول. أما حلب فلها الله.. الله الذي سيكون في عون فاطمة وطفولتها.