ترجمات .. الولايات المتحدة تعرقل خفض أسعار الدواء

جيسون كوني وريموند أوفينهايزر –
ترجمة: قاسم مكي –
نيويورك تايمز –

بين فترة وأخرى لا تتعدى أشهرا قليلة، «يقبض» على شركة وهي تحاول رفع أسعار الدواء. ومؤخرا جدا جاء دور شركة ميلان التي تنتج دواء «إبي بين» لكي تجلس على المقعد الساخن. ذلك لأنها رفعت سعر هذا الدواء المضاد للحساسية والمنقذ للحياة بنسبة 500%. لقد كان المجلس التشريعي الأمريكي (الكونجرس) محقا حين غضب وفتح تحقيقا آخر في التلاعب بأسعار المنتجات الصيدلانية. ثم عرضت شركة ميلان كوبونات (قسائم) خصم على الأسعار. ولكن هذه الحكاية سرعان ما ستختفي رويدا رويدا من عناوين الأخبار حتى تجيء فضيحة أسعار جديدة.
لقد رفعت الشركات أسعار أدوية عديدة خلال الأعوام الخمسة الماضية في الولايات المتحدة دون أن تجتذب هذه الحالات في معظمها اهتماما يذكر أو تتحول إلى فضائح. فشركة فايزر بمفردها رفعت أسعار أكثر من 100 دواء في سنة واحدة. وتضخمت أسعار الدواء برقمين عشريين ( أكثر من 9%) خلال الأعوام الثلاثة الفائتة فيما كانت القطاعات الأخرى في الاقتصاد تشهد معدلا منخفضا للتضخم.
وتشير آخر الأبحاث إلى أن مرضى السرطان ربما يؤجلون تناول أدوية منقذة للحياة. كما توجد تقارير بأن السجناء يحصلون على حصص مقننة من أدوية التهاب الكبد (سي). وكل ذلك بسبب ارتفاع أسعارها. ولكن هذه المشكلة عالمية أيضا. ففي البلدان الأكثر فقرا حول العالم حيث تعمل منظماتنا (أوكسفام وأطباء بلا حدود) لا يحصل الملايين من البشر على الأدوية التي يمكن أن تنقذ حياتهم وتخفف من آلامهم بسبب غلائها. فمثلا وجدت دراسة أجرتها مؤخرا منظمة الصحة العالمية أن معظم الناس لا يستطيعون شراء أدوية التهاب الكبد الفيروسي في حوالي 30 بلدا. ذلك لأن الشركات الدوائية، ببساطة، تفرض السعر الذي تريده أو الذي يمكنها أن تفرضه. وهي تملك موازنات ضخمة لإزالة ما قد يعلق بصورتها العامة من تشويه سواء في الصحافة (السيئة) أو جلسات الاستماع في الكونجرس. وتزعم هذه الشركات أن الأسعار المرتفعة ضرورية لتطوير أدوية جديدة إلا أن ذلك غير صحيح. فمخصصات التمويل الحكومي والدعم تسدد معظم تكاليف الابتكار الصيدلاني اليوم. ويقر العديدون من قادة العالم بأن الأسعار المرتفعة للدواء تمثل أزمة «صحة عامة». وفي وقت سابق من هذا العام شكل بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، لجنة من خبراء الصناعة الصيدلانية والحكومات والمجتمعين الأكاديمي والمدني، كما ضمت المدير التنفيذي لمنظمة أوكسفام العالمية، لتقديم توصية حول سبل خفض أسعار الدواء إلى مستويات مقدور عليها وتحسين أنشطة البحث والتطوير وابتكار أدوية جديدة وفاء بحق الإنسان في الصحة. ووجد تقرير اللجنة الذي صدر في الشهر الماضي أن النظام الحالي يفشل في أداء مهامه. فالاحتكارات الصيدلانية (الدوائية) تجني أرباحا هائلة من الأسعار المرتفعة في حين أن أعدادا كبيرة جدا من الناس ليس في مقدورها شراء الأدوية. ودعا التقرير إلى المزيد من الشفافية والتنافس في صناعة الدواء وإلى تطبيق السياسات الحالية التي تساعد على خفض الأسعار والمحافظة عليها. ومن المخجل أن الحكومة الأمريكية سعت إلى عرقلة أعمال اللجنة ومعارضتها بل وحتى إنكار الفرضية التي ترى أن الأسعار المرتفعة للدواء تقوِّض الصحة العامة. وردا على التقرير المذكور، وصفت إدارة أوباما عمل اللجنة بأنه «مختل جدا» واتهمتها بالتوصية بسياسات «انقسامية» وحذّرت من أنها سياسات قد تترتب عنها» نتائج غير مقصودة سلبية وكبيرة». بكلمات أخرى، إذا كنا نريد أدوية ومبتكرات جديدة علينا أن نستمر في دعم نظام دوائي تحصل فيه الصناعة الصيدلانية على سلطة غير محدودة في وضع الأسعار.
ومن الواضح أن التفكير ممنوع في مسارات بديلة. إن أسلوب التخويف هذا لا يناقض فقط أولويات الولايات المتحدة المقررة داخليا وعالميا في مجال الصحة ولكنه أيضا يشكل جرما في حق أناس لا يستطيعون الحصول على علاج تمسُّ حاجتهم إليه. وما هو أسوأ من ذلك أن الحكومة الأمريكية تنشط في تصدير هذه المقاربة إلى بلدان أخرى من خلال اتفاقيات التجارة مثل شراكة عبر المحيط الهادي والتي إذا سمح بنفاذها ستثبِّت وتمدد حماية الاحتكار الصيدلاني العالمي والمستوى المرتفع لأسعار الدواء لأعوام قادمة. لا يمكن السماح لهذا بأن يحدث. فالأسعار المرتفعة والاحتكارات لا تأتي أو تفي بالابتكارات التي تستجيب لحاجات الناس. وفي الحقيقة يتم تجاهل العديد من قضايا الصحة العامة من جانب الصناعة الصيدلانية لأن السوق الخاصة بالأدوية التي تمس الحاجة إليها ليست مربحة بما فيه الكفاية. المثال الواضح لذلك ظهور البكتيريا المقاومة للدواء التي تجعل عدوى كان يمكن معالجتها في السابق مميتة. فالبكتيريا المقاومة للدواء تقتل 23 ألف شخص كل عام في الولايات المتحدة و700 ألف شخص حول العالم. وعلى الرغم من ذلك فقد انقضى أكثر من 30 عاما منذ ظهور آخر صنف من المضادات الحيوية. هنالك وسائل بديلة لتحفيز الابتكار لا تعتمد على الاحتكارات والأسعار العالية. فالمنح والجوائز وحوافز الأبحاث الأخرى يمكن أن تقطع شوطا بعيدا في هذا المضمار. لقد تمكنت «مبادرة الأدوية للأمراض المهملة» من تطوير طرق لعلاج الملاريا ومرض النوم والكالازار والشاغاس. وهي أمراض طال تجاهلها من جانب الصناعة الدوائية. المبادرة المذكورة شراكة حكومية – خاصة ساهمت منظمة أطباء بلا حدود في تأسيسها. تكشف هذه المقاربات التي لا تعتمد على الصناعة الصيدلانية لوحدها في تمويل الأبحاث أن من الممكن فصل تكلفة تطوير العقاقير عن سعر المنتج النهائي مما يضمن كلا من ابتكار الدواء وسهولة شرائه. ورغما عن ذلك، على الحكومات تولي القيادة لإحداث تحول في الكيفية التي يتم بها تطوير الدواء . وهنالك مؤشرات تبعث على الأمل في أن ذلك قد يحدث. ففي سبتمبر الماضي، وافق قادة العالم على حل مشكلة مقاومة المضادات الحيوية جزئيا بالالتزام بتطوير عقاقير جديدة من خلال مثل هذه النماذج الجديدة لأنشطة البحث والتطوير. لقد تم وضع توصيات لجنة الأمم المتحدة التي حاولت إدارة أوباما مهاجمتها وتسفيهها بالضبط لفتح مسارات جديدة للابتكارات الطبية التي تفيدنا كلَّنا. يجب ألا تعتمد إمكانية حصولك على الأدوية والعلاجات الموجودة أو الجديدة على حجم المال الذي تملكه أو أين ولدت أو من الذي تعرفه. على حكومة الولايات المتحدة وخصوصا الرئيس القادم الكف عن الدفاع عن أرباح الصناعة الصيدلانية والعمل لإصلاح الكيفية التي نموِّل بها الأبحاث الطبية لضمان الوفاء بكل احتياجات المرضى. إن ارتفاع أسعار الدواء ليس شيئا حتميا لا مناص منه. فهو خيار اختارته الحكومة الأمريكية. وستظل مصائر أناس كثيرين ومعائشهم غير محسومة حتى يتغير ذلك الخيار.
• الكاتبان جيسون كون، المدير التنفيذي لمنظمة أطباء بلا حدود في الولايات المتحدة وريموند أوفينهايزر، رئيس منظمة أوكسفام بالولايات المتحدة.