المواجهة مع الإرهاب تتراجع.. وتلك هي الأسباب

د. عبدالعاطي محمد –

هل يبدأ العمل بالتركيز على التخلص من الإرهاب، أم بالتركيز على دعم المعارضة لإنجاح ما طالبت به الثورات، أم بالعمل في الاتجاهين؟. وكشفت الممارسة عن الاستغراق في جدل طويل لاختيار أي من المسارات الثلاثة، والنتيجة هي أن إنجازا ذا مغزى لم يتحقق لا على صعيد الإرهاب، ولا على صعيد دعم الثورات!.

في آخر خطاب له حول الإرهاب العالمي، وقبل أن يسلم السلطة بأيام للقادم الجديد إلى البيت الأبيض دافع باراك أوباما عن النهج الذي اتبعه في محاربة الإرهاب والذي لخصه في إقامة شبكة واسعة من الشركاء والعمل باستراتيجية ذكية يمكن أن تصمد. ومع أنه كان يتحدث عن القضية بشكل عام إلا أن حديثه كان في الحقيقة موجها إلى دونالد ترامب الذي تعهد خلال حملته الانتخابية بتغيير شامل في استراتيجية أوباما بالنسبة للسياسة الخارجية والأمنية.

وكان من الواضح أن أوباما يشعر بكثير القلق مما تنتوي الإدارة الجديدة القيام به في هذا الشأن وفي القلب منه مكافحة الإرهاب العالمي. ومع أن الإدارة الجديدة لم تكشف عن شكل وطبيعة هذا التغيير الشامل لأنها لن تتسلم السلطة إلا مع بدايات العام الجديد، وسيكون أمامها عام كامل على الأقل ليتعرف العالم على نهجها وسياساتها الخارجية والأمنية، إلا أن متابعة أوباما لحملة ترامب الانتخابية جعلته يخلص إلى قراءة مسبقة يعتقد هو أنها صحيحة، دفعته إلى توجيه ما يشبه التحذير المسبق للإدارة الجديدة. وتتركز هذه القراءة في أن ترامب وفريقه يعتقدون أن القضاء على الإرهاب يتحقق بإسقاط المزيد من القنابل أو نشر المزيد من القوات أو الانكفاء على النفس في معزل عن بقية دول العالم. وأما الاستراتيجية الصحيحة فهي التي اتبعها أوباما فهي شمولية تتضمن عناصر عديدة تتعلق أساسا بأن نأخذ دائما في الاعتبار عواقب التهديد الإرهابي أي ليس العمل الإرهابي وحده في حد ذاته وإنما التحسب لتداعياته. هنا الإرهاب ظاهرة متعددة الأبعاد (سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية) ومواجهتها تحتاج إلى وقت طويل، ولذلك فإن الأفضل العمل بشراكة أو تحالفات واسعة. وقد وصف أوباما ما صدر عن ترامب من تعهدات بالقضاء على الإرهاب بأنه وعود زائفة، وحرصا على مصلحة الشعب الأمريكي فإن مسؤولية القادم الجديد إلى البيت الأبيض الاستمرار على نفس إستراتيجية أوباما في هذا الشأن، أي الحفاظ على تشكيل تحالفات من أجل مواصلة النجاحات في ساحة المعركة على حد تعبيره.
ولا شك أن أوباما كان جادا في مخاوفه،ولن يسعد العالم بأن تشن الولايات المتحدة حروبا استباقية جديدة بزعم القضاء على الإرهاب، فقد عانى الجميع من كوارث مثل هذه السياسة ودفع الأمريكيون أنفسهم ثمنا باهظا بسببها، كما لن يسعد العالم بعزلة الولايات المتحدة وانكفائها على ذاتها، ولا بأن تتعامل بغطرسة واستعلاء على الآخرين. ولا شك أيضا في أن الرؤية التي تحدث بها أوباما عن نهج إدارته على مدى ثماني سنوات فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب كانت صحيحة إلى حد كبير، وقد اعتبرها العالم تصويبا للسياسة الخاطئة التي اتبعها جوج بوش الابن، وكانت من عوامل بقاء أوباما في البيت الأبيض لفترتين متتاليتين.

ولكن ما لم يشأ أوباما أن يتحدث عنه عمدا هو تقييمه لإستراتيجيته في مكافحة الإرهاب الدولي، هل كانت ناجحة حقا أم فاشلة أم حققت نجاحا منقوصا؟. وفي هذه الحالة كان يتعين عليه أن يوضح لمن يخلفه ما واجه هذه الاستراتيجية من عقبات وأين كانت نقاط الضعف حتى يتجنب الوقوع فيها في حالة ما إذا راجع نفسه وقرر التعامل بها. من حقه أن يحذر شخصا مثل ترامب أثار قلقا غير عادي عند العالم كله بمن فيهم الأمريكيون. وقد اختارته مجلة تايم شخصية العام ضمن تقليدها الذي تفعله منذ نحو 90 عاما، واحتارت في تبرير اختياره ما بين لكونه الأفضل أم لكونه غير ذلك حيث وضعت عنوانا فرعيا يقول رئيس الولايات المنقسمة الأمريكية!. ولكن من واجبه أمام العالم أن يقر صراحة بأن استراتيجيته هذه حققت نجاحا منقوصا بطعم الفشل، لا أن يطالب بالاستمرار عليها دون تطوير ويدرجها في نطاق النجاحات بينما هي غير ذلك.

لقد تأخرت إدارة أوباما كثيرا في تفعيل نهج الشراكة أو بناء التحالفات للقضاء على الإرهاب. فمع أن الظاهرة في حد ذاتها قديمة، والدعوة لتوجه كهذا بدأت من قبل هذه الإدارة بوقت طويل، إلا أن استجابة الإدارات المختلفة لها كانت باهتة بوجه عام، وانتقائية في بعض الحالات مثلما حدث في الحرب الأمريكية على نظام صدام حسين، حيث قاد جورج بوش الابن تحالفا دوليا لخوض هذه الحرب بدعوى القضاء على الإرهاب. وعندما فطن أوباما لخطأ سلفه وقرر سحب القوات الأمريكية من العراق حدث فراغ أمني ملأه تنظيم «داعش» الذي سيطر على نحو ثلثي العراق وواحدة من أكبر المناطق السورية هي الرقة. وعندما أدرك أوباما حجم الخطر والخطأ أيضا شكل تحالفا دوليا قويا أو شراكة موسعة لخوض حرب طويلة المدى وضخمة التكلفة للقضاء على الإرهاب الذي اتسع نطاقه ليتجاوز المنطقة ويصل إلى قلب أوروبا. وفي الطريق دفع الجميع ثمنا باهظا كان بالإمكان تفاديه لو لم تتردد إدارة أوباما وتتعامل مع الظاهرة بخفة. هنا جاء حصاد التحالف الدولي محدودا إذا أخذنا في الاعتبار حجم الخسائر البشرية والمادية التي دفعتها الشعوب والحكومات ممن تعرضوا للأعمال الإرهابية.

وإلى جانب التردد وإضاعة الوقت والوصول متأخرا بعد أن استفحل الخطر كانت هناك مشكلة أخرى أضعفت من الجدوى الحقيقية والمنتظرة من نهج الشراكة الذي سارت عليه إدارة أوباما، وهي غموض الإطار السياسي لعمل التحالفات. وقد نتج هذا الغموض في الحقيقة من الظروف المعقدة لمراحل الانتقال السياسي في البلدان التي تعرضت لثورات ما يسمى بالربيع العربي. وهي ظروف لا يمكن إغفال مسؤولية إدارة أوباما فيها. فقد تداخل الإرهاب مع مجريات التحولات التي وقعت في هذه البلدان مع أنهما موضوعان مختلفان ومتعارضان مع بعضهما تماما. فمن المؤكد أن من طالبوا بالتغيير السلمي لا علاقة لهم بظاهرة الإرهاب من قريب أو بعيد. ولكن هذا هو ما حدث على أرض الواقع حيث أصبحت بلدان التغيير ساحات للطرفين معا. ومن المؤكد أن مهمة التحالفات الدولية التي قادتها إدارة أوباما تركزت في القضاء على الجماعات الإرهابية، إلا أن ما عرقل هذه المهمة وجعل نجاحها محدودا أو منقوصا بطعم الفشل، هو عدم الاتفاق أصلا على تعريف الإرهاب من عدمه فما يعد جماعة إرهابية في نظر البعض يعد جماعة معارضة مشروعة في نظر البعض الآخر. حسم هذه المسألة لم يحدث داخل الشراكة أو التحالف في مواجهة الإرهاب، وكان على إدارة أوباما أن تأخذ زمام المبادرة في هذه المسألة إلا أنها لم تفعل. وبسبب التداخل الذي أفرزه الواقع بين جماعات الإرهاب وجماعات المعارضة، ومع مرور الوقت دون تحقق الأهداف التي اندلعت بسببها موجات التغيير الثورية تغيرت مهمة التحالفات لتشمل تحقيق التسويات السياسية للأزمات بجانب الحرب على الإرهاب أو على أقل تقدير مساندة المعارضة في تحقيق أهدافها. وهنا برزت مشكلة جديدة زادت الوضع تعقيدا تتعلق بالأولويات، هل يبدأ العمل بالتركيز على التخلص من الإرهاب أم بالتركيز على دعم المعارضة لإنجاح ما طالبت به الثورات أم بالعمل في الاتجاهين؟. وكشفت الممارسة عن الاستغراق في جدل طويل لاختيار أي من المسارات الثلاثة، والنتيجة هي أن إنجازا ذا مغزى لم يتحقق لا على صعيد الإرهاب، ولا على صعيد دعم الثورات!.

الأزمة في سوريا مثال على ذلك، فما حدث فعليا هو أن التحالفات أوكلت مهمة الحل السياسي للولايات المتحدة وروسيا وتعلقت بالأمل في أن ينجح الطرفان في هذه المهمة، ولكن شيئا من هذا لم يتحقق بينما لم تتبق من ولاية أوباما إلا بضعة أسابيع قليلة!. وقد تراجعت إدارة أوباما خطوة تلو الأخرى فيما شكل صدمة للمعارضة السورية. فبعد الإصرار على رحيل الأسد قبلت بحل انتقالي في ظل وجوده ثم تحدث وزير خارجيتها جون كيرى مؤخرا عن القبول بحل سياسي يحقق دمج المعارضة لاحقا في الأجهزة الحكومية السورية!، وبالقطع لم تنشأ التحالفات من أجل تحقيق هذا الهدف البسيط وكأن كل ما جرى كان أمرا هينا للغاية.

ما أعاق نهج الشراكة الذي عمل به أوباما هو غياب الرؤية السياسية لما يتفق عليه الشركاء من أهداف وأسلوب عمل، وما يتحملونه من واجبات، وما يلتزمون به من مسؤوليات، وكذلك ضعف الثقة المتبادل بينهم، والأخطر أن المصلحة لم تكن واحدة في نهاية المطاف. صحيح أن المصلحة من أسرار السيادة لكل طرف يضعها دائما في مقدمة النقاش والحوار، ولكن في مهمة بحجم القضاء على الإرهاب يتحتم أن تكون المصلحة واحدة وواضحة وضوح الشمس. ولعل الخلاف الروسي الأمريكي في الأزمة السورية خير دليل على ذلك. وبالنظر إلى الأجواء السلبية المصاحبة لنتائج الانتخابات الأمريكية وأبرزها الانقسام الذي دب في أوساط الغرب عموما فإن فرص نهج الشراكة وفقا لما كانت عليه رؤية أوباما تتضاءل ومهددة بأن تتلاشى، والنتيجة هي أن المواجهة الدولية مع الإرهاب تراجعت في حقيقة الأمر ولم تتقدم.