دلالات التوقيت للاعتداءات الإرهابية في مصر

عماد عريان  –

منذ ما يقرب من عام على وجه التقريب تعرضت مصر لجملة من الأعمال الإرهابية متعددة الأشكال الإجرامية الرامية ليس فقط إلى إضعاف الدولة المصرية في صراعها المرير مع الجماعات الإرهابية المتطرفة وبعضها تحت عباءة «داعش» التكفيرية، ولكن أيضا الإضرار بعلاقات مصر مع دول العالم خاصة تلك التي أبدت تعاونا كبيرا مع الدولة المصرية عقب الثلاثين من يونيو 2013، والحديث هنا تحديدا عن روسيا الاتحادية وإيطاليا وفرنسا، وقد نجحت هذه الضربات والاعتداءات الخسيسة بالفعل في تحقيق جانب كبير من أهدافها بإرباك المشهد المصري والإضرار بالعلاقات المصرية مع الدول المذكورة أو إلحاق الفتور بها على أقل تقدير.

حقا أن الدولة المصرية لم تسقط ولم تقع في حالة الفوضى المنشودة، بل على العكس من ذلك تماما مضت بكل مؤسساتها وأجهزتها في طريقها الصعب لإعادة بناء الدولة على أكثر من صعيد في النواحي الاقتصادية والتنموية وكذلك خوض حرب ضروس ضد الجماعات الإرهابية والتكفيرية المتطرفة وقدمت الكثير من الشهداء من أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في المعارك الكبرى بمنطقة شمال سيناء أو داخل بعض المدن المهمة، إلا أن ضربات العام الماضي في مثل هذا التوقيت بالضبط أوقعت أضرارا شديدة بالدولة المصرية وهي تحديدا حادث تفجير طائرة الركاب الروسية فوق أراضي سيناء بعد إقلاعها بقليل من مدينة شرم الشيخ السياحية مما أدى إلى مقتل أكثر من 220 سائحا كانوا على متنها في طريق العودة لبلادهم، هذا الحادث الإرهابي أصاب العلاقات المصرية – الروسية بطعنة عميقة رغم المنحى التصاعدي الذي كانت تسلكه، أضف إلى ذلك أن صناعة السياحة المصرية وحركة الطيران ضربت في مقتل، ليس بسبب توقف السياحة الروسية وحجب رحلات أكثر من ثلاثة ملايين سائح روسي فحسب، وإنما بسبب قرارات الدول الأوروبية المتتالية بوقف حركة السياحة المنظمة والجماعية تماما إلى الأراضي والمقاصد السياحية المصرية مما أصاب صناعة السياحة المصرية بسكتة مهنية أدت إلى خسائر جسيمة حتى يومنا هذا تقدر بمليارات الدولارات.
التوقيت الذي نفذت فيه هذه العملية كان من الواضح أنه مختار بعناية وكأنها الحجر الذي هدف إلى إسقاط أكثر من عصفور برمية واحدة، فقد نفذت بينما كانت المؤشرات قوية على مزيد من الاستقرار السياسي والأمني في مصر وكذلك تأهبها لاستقبال موسم سياحي منتعش، ومزيد من التعاون الاستراتيجي في العلاقات مع موسكو، وعلى النهج ذاته سارت عملية اغتيال الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي كان يدرس أنشطة النقابات العمالية في مصر، وعثر على جثته ملقاة في منطقة صحراوية نائية، وتم الإعلان عن مقتله في اللحظة نفسها التي كان وفد إيطالي ضخم من أكبر الشركات الإيطالية يتفاوض مع الجانب المصري حول بحث سبل زيادة التعاون الاستثماري والمشروعات المشتركة بين البلدين، وبالقطع أي تخطيط شيطاني يهدف للإضرار بالدولة المصرية لم يكن بمقدوره العثور على توقيت أفضل من ذلك لإسقاط كل هذه التحركات الطموحة، وكذلك اختطاف طائرة ركاب مصرية خلال رحلة داخلية وتغيير خط سير الرحلة إلى قبرص من خلال الخاطف المنتمي لجماعة إرهابية، وبعد ذلك تحطم طائرة أخرى فوق اليونان خلال رحلتها من باريس للقاهرة في حادث يكتنفه الكثير من الغموض حتى اليوم على الأقل. ولكن المحصلة النهائية لكل هذه الاعتداءات المتزامنة أو المتتالية مثلت بالفعل عوائق واضحة في مسيرة انطلاق الدولة المصرية وكانت سببا في كثير من مظاهر تعثرها الاقتصادية خلال الفترة الماضية مما دفعها إلى تبني إجراءات إصلاحية صعبة جدا كتعويم الجنيه الذي فقد أكثر من نصف قيمته على وجه التقريب في أسابيع معدودة ورفع سعر العائد على الودائع المصرفية إلى 20% وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الدولة وربما خارجها، إضافة إلى تقليص الدعم بشكل كبير عن السلع الأساسية والوقود، ومعدلات ارتفاع أسعار السلع والخدمات بنسب غير مسبوقة واطرار الدولة للجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار على ثلاث سنوات لتغطية الفجوة التمويلية وجانب من عجز الموازنة.
وبرغم ذلك فإن معدلات إنجاز المشروعات تسير بوتيرة عالية في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الأمنية لمواجهة العمليات الإرهابية والجماعات المتطرفة والتكفيرية تحت شعار قديم متجدد يختزل المشهد في خمس كلمات «يد تبني ويد تحمل السلاح»، وهي مهمة شاقة جدا في دولة تجاوز عدد سكانها التسعين مليون نسمة، إلا أن المتابع لكل هذه التطورات الجارية وللتفاصيل الحياتية اليومية للشعب المصري يدرك على الفور أن هناك درجة عالية جدا من الاستعداد بين أفراده للتقبل والتحمل، بل والتفهم للظروف الجارية والمحيطة ولحجم الأخطار المحدقة بمصر داخليا وخارجيا، وليست مبالغة على الإطلاق هذا الحديث المكثف عن مؤامرات خارجية مرتبة ومتتالية لإرهاق الدولة المصرية وإرباكها وتعطيل مسيرتها، وكذلك ترى جموع الشعب – التي أرهقتها بالقطع الظروف المعيشية – أن مزيدا من التحمل لهذه الأوضاع حتى يمكن عبور عنق الزجاجة إلى ما هو أحسن وأفضل بكثير من النتائج الوخيمة التي يمكن أن تضرب مصر في حالة اللجوء إلى البدائل «الثورية» الأخرى، خاصة وأنهم خبروا ما أصابت به مصر من قبل، بالتأكيد إلى جانب التوترات الناشئة نتيجة مواجهة الإرهاب في سيناء واللعب بالورقتين العرقية والطائفية في المسألتين النوبية والقبطية وهي مفتعلة في معظمها، فضلا عن قناعتهم – أي جموع الشعب – بأن القيادة الحالية لمصر تدير الأمور على أرضية وطنية بعيدا عن أي توجهات فئوية أو عرقية أو طائفية.
وحتى لو رأى البعض أن الصورة ليست وردية تماما ولم تحقق الطموحات أو الأهداف العريضة بعد ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو إلا أنهم يحترمون في رئيس مصر عبدالفتاح السيسي وحكومته ومؤسسات الدولة التشريعية والرقابية والتنفيذية أنها تنطلق في سياساتها من قيم وطنية شاملة تحافظ لمصر على وحدتها التاريخية بنسيجها المتنوع والمتعدد وليس العمل لحساب جماعة أوتنظيم محلي أو دولي أو الانطلاق من سياسات عقائدية تعلي توجها سياسيا أودينيا أو طائفيا معينة على حساب جموع الشعب المختلفة، وذلك ما يجعل الشعب المصري بطوائفه المختلفة متمسكا باستكمال المسيرة بكل صعابها مع قيادته الحالية.

ولا يذهب هذا التحليل بعيدا عند الحديث عن تداعيات الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها مصر في الأيام الماضية سواء في سيناء أو محافظات كفر الشيخ والجيزة والقاهرة حيث وقع التفجير الانتحاري المريع داخل كنيسة شهيرة للأقباط، فلا بد مرة أخرى من مراجعة التوقيت الذي نفذت فيه مثل هذه العمليات وخاصة حادث الكنيسة حيث كانت هناك أيضا مؤشرات قوية على بداية انتعاش حركة السياحة الوافدة إلى مصر وتحسن نسبي لتدفق الاستثمارات الخارجية بعد الإصلاحات الاقتصادية إضافة إلى مظاهر التحسن السياسي والأمني مجددا واستعادة مصر لكثير من حيويتها الدولية والإقليمية وانفتاحها الشديد على معظم دول العالم في مشارق الأرض ومغاربها فضلا عن وجود وزير الخارجية المصري سامح شكري في واشنطن لتأسيس مرحلة جديدة من العلاقات المصرية – الأمريكية في عهد الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي أبدى في غير مناسبة إعجابه بالرئيس السيسي وجرأته الملموسة في مكافحة الإرهاب والتيارات التكفيرية، إلا أن مدبري ومخططي ومنفذي العمل الإرهابي على الكنيسة وقتل الأقباط أرادوا حرق كل هذه الثمار، وتوصيل رسائل «زائفة» أبسطها أن الرجل الذي يحارب الإرهاب غير قادر على حماية الأقلية المسيحية في بلاده، ومع الأسف على هذه النغمة عزفت الكثير من وسائل الإعلام العالمية – الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص – وكذلك بعض المسؤولين والمنظمات والجمعيات الأجنبية، مما يؤكد البعد التآمري لهذه العمليات أو حتى الاستفادة بها لتحقيق مآرب خاصة في سياق ممنهج، إلا أن ما يطمئن في الأمر هو إدراك مصر، قيادة وشعبا، لهذه الأبعاد الخطيرة فزادتهم الحوادث الأخيرة ترابطا وتماسكا وإصرارا على التحمل والاستمرار في استكمال مسيرة البناء والتنمية ومواجهة الإرهاب الذي سيواصل بالقطع محاولاته وضرباته بكل تأكيد ولن يتراجع أو يختفي بين ليلة وضحاها.