لماذا أكره المسرح؟

خافيير مارياس – ترجمة: أحمد شافعي –
طلب مني بعض القراء أن أفسر تعليقا عارضا أدليت به قبل شهر أو نحو ذلك في مقالة لي، إذ ذكرت بين الأعمال الأدبية الأثيرة لديّ «الكوميديانات الهمج Barbarous Comedies » لفالي إنكلان Valle-Inclán  مضيفا قولي: «برغم أنني أكره المسرح». وسوف أحاول الإيضاح، ولكنني لن أوضح ببساطة إلا هوسا شخصيا لديّ. فلست أزعم أنني على صواب أو أن لدي أي حجج موضوعية أقدمها، ولا أن لدي أملا بالطبع في إقناع أحد. فرجاءً استمروا في التردد على المسرح.
أعتقد أن السبب الرئيسي في بغضي للمسرح هو السينما. فمن قضى طفولته مثلي على ذلك الفن التمثيلي، يبدو ما تقدمه خشبة المسرح له فقيرا نسبيا ومفتعلا ومفتقرا إلى الإقناع. في السينما تتوافر لك كل زاوية نظر ممكنة، أي زاوية نظر المشاهد، وأيضا زوايا نظر الشخصيات، بل وزوايا نظر الطائرة والصقر والثعبان، في حقيقة الأمر، ترى الحدث والممثلين عن بعد وعن قرب، في غموضهم غائمين وفي حركتهم، وما من مشكلة طبعا في التنقل عبر الزمان والمكان. ترى كلا من داخل غرفة وسفينة تضربها عاصفة، وتقتنص أدقّ تعبيرات الممثلين وما يرتسم على وجوههم، تشهد الماضي والحاضر بل والمستقبل المتخيَّل، ويتسنى لك القفز من سيناريو إلى ثان بل وإلى ثالث. أما في المسرح فلا يتغير منظورك مطلقا: تبقى الشخصيات على مسافة ثابتة منا، ولا تكاد ترى وجوههم، والإحساس الدائم لدينا هو إحساس العجز. ولا أستطيع أن أصرف عن نفسي الأثر المنفر الناجم عن فقر المناظر. يضايقني وضوح الديكور، فالأبواب بادية الزيف، وحينما يفتح أحد صنبورا لا يخرج منه ماء بالضرورة.
وليت الأمر يقتصر على ذلك. ليته يقتصر على النقائص التقنية في المسرح التقليدي، مسرح الماضي، إذن لأمكنني تجاهلها والقبول بقواعد اللعبة وأعرافها.
المشكلة الكبرى لديّ هي أن مسرح العصر الذي أعيش فيه لا يكف عن محاولة أن يكون «ابتكاريا» و«حديثا». وغالبا ما تتألف الابتكارية والحداثة المفترضتان من مثل هذه المسرات: لو أن العمل كلاسيكي فإنك في الغالب لا تراه مطلقا، بل ترى نسخة منه أو تناولا له أو معالجة شخص معاصر لئيم يكدس النقود كلها في جيبه بما أن سوفوكليس وشكسبير ولوب دي فيجا وموليير وجولدوني وجميع أولئك النجوم لا ينعمون بحقوق الملكية الفكرية.
ثم إن هذه المعالجات جميعا لا تزيد عن تدمير للعمل الكلاسيكي: فتهمل الشعر إن كانت المسرحية شعرية، أو تلبس يوليوس قيصر ومارك أنطونيو وبروتوس سترات وربطات أعناق، أو تلبسهم لبس النازيين، أو تجعلهم يسيرون طوال العرض عرايا (وإن تكن لدينا أيضا صرعة إلباس الجميع أجولة مقيتة فيبدون جميعا متماثلين)، وهناك من يؤثرون أن يجعلوا الشخصيات تتقافز على مسرح خاو تماما، صارخين بأعلى أصواتهم، أو على خشبة مزودة بمنحدر أو خيمة أو شبكة يتدلون منها. وعادة ما يطالب الممثلون بأن يكونوا إما «طبيعيين تماما» أو «مصطنعين تماما»، وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة، وهي تحديدا عجزهم التام عن نطق الكلمات بحيث تصل إلى أسماع الجمهور على نحو يثير اهتمامه، فينتهي حال هذا الجمهور ملهيا عن عواءات الممثلين وسكتاتهم المفتعلة وأغنياتهم أو ابتهالاتهم العصية على أي فهم (أو حريصين على حماية أنفسهم، إذ غالبا ما يرمي الممثلون الماء على الجمهور أو حتى الألعاب النارية) فلا ينتبهون إلى ما يحاول الممثلون توصيله لهم لفظيا. في مسارح أيامنا، يكاد يكون من المستحيل، بغض النظر عن وجود علاقة أو انتفائها، أن تهرب من (أ) الرقص الهستيري عديم المعنى ربما لإمتاع الجمهور بشيء من «الحركة الجسدية» و(ب) ما يشبه ذلك من مشاهد غائمة «همجية» أو قروسطية مع نوع ما من العربدة الفجة أو ربما الشنق أو أكل لحوم البشر، أو ما يقع عليه الاختيار مما لا يكون فيه إمتاع أو يبدو قابلا ولو قليلا للتصديق و(ج) الشقلبة والدوران وإقحام شيء من فن المايم ولا يوجد ما أشمئز منه اشمئزازي من المايم والشقلبة (وأرجو أن لا أحتاج إلى إيضاح أسباب ذلك). أما الكلمات، في المقابل، فيبدو أنها تختفي تدريجيا، ففي ظل كل هذا العمل الجسدي والقطع من النصوص وغزارة الشخصيات البلهاء (وهي من بقايا إرث كاتبي وبطلي صمويل بيكيت)، تبدو الكلمات أقل الأجزاء أهمية.
ولا بد أن يكون لدينا وسط سعيد بيم الإنتاج الكسول البليد العتيق في لا بيرير بويج (الذي يبدو أنه المسؤول عن المسرح الأسباني Teatro Español  في مدريد منذ عقود)، وبين محترفي الابتكار السطحيين الهزليين.
على أي حال، لو أن لدي ساعتي فراغ، فإن آخر ما يمكن أن أفكر فيه هو الذهاب للجلوس ومشاهدة بعض الأجولة القبيحة والخيام والمنحدرات وبعض الممثلين الموهومين الضعفاء وهم يدعون الجنون ويجرون على الخشبة متصايحين راقصين مغمغمين. وستفهمون لماذا يصعب كثيرا على مثلي أن يصدق أي شيء مما يأتي ضمن هذه الحزمة. وإذا كنت لا أصدقه، فما الذي يجلسني أمامه لساعتين في الظلام؟ لكنني طبعا أقرأ مسرحيات بين الحين والآخر، وأجد في قراءتها متعة عظيمة، ولا أجد أي غضاضة في ذلك.

• خافيير مارياس من أهم الروائيين المعاصرين في أسبانيا، ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة بينها العربية، وهذه المقالة مترجمة عن ترجمة مارجريت جول كوستا إلى الإنجليزية التي نشرت أخيرا في ذيثري بيني ريفيو.