مازوخية مارينا إبراموفيتش وأدائياتها الإشكالوية

أحمد ضياء –
تسير أعمال مارينا ابراموفيتش  Marina-Abramovic  (1946) تلك الممثلة الصربية التي تؤسس طابعاً دراماتيكياً مغايراً للوحات الجسد العامة من خلال فعلها الأدائي حيث إنها تبرمج لحظات العرض لفعل تشاركي يجسد حالات الألم والعنف التي تمر بها ، وليس هذا فحسب بل إنها تبين لنا مواطئ جديدة بالأداء الإيروتيكي (الميتامسرحي) من خلال نشوء الفعل اللحظوي لها وللمتلقين غير إنها تعمد تبني المازوخية بوصفها مضماراً تعوّل عليه في لذتها بالعرض ، وهنا لابد من الإشارة إلى إنه في احد عروضها يذهب المتلقون لتعريتها بالكامل وهي واقفة لا تُحرك ساكنا وفيما بعد يأخذ الجسد بعداً هلوسيا غير منمط أو معتاد عليه من خلال تأكسد الحالة وتباريها مع ما هو موجود لاستفزاز المتلقين ، وجدير بالذكر أن عروضها تخلو من الخشبة بل تكون في تماس مع الحضور ليكون التفاعل أكثر جدّية في العرض كما أنها عمدت في احد عروضها بعد أن تسير على خط مستقيم ، ضرب جسدها في جدران المكان الذي فيه العرض مما ولد حالة استثنائية ، أدائيه ، مازوخية في استعمال ذلك الفعل القمعي للذات ، فالانوية تتشكل مع بيان الفوارق البيثقافية بين كل من الممثلة بعدها وسيطا لحالات الانفعال وبين المتلقي المشارك في العمل .
تستمد حضورها وأفعالها ومكوناتها هذه الممثلة الأدائية من الحياة والاحتكاك مع المواطنين وخصوصا مع الحياة (الاسترالية) ـ في احد عروضها سارت على طول سور الصين العظيم لـ (2500م) لتلتقى مع زوجها وبعد لقاء قصير كان كل منهما يحمل علما أحمر وأبيض ثم تجهش بالبكاء بعدها تفارقه لاعتقادها أن الأمر(الزواج) بات رتيبا. بهذا تحاول أن تتحدى كافة المقومات التي تعد جحر صد أمامها وذلك كونها تفضل العيش مع فنّها في احلك الظروف واشدها. ويتضح العامل الطقسي /‏‏ الفلكلوري بأعمالها بشكل واضح وصريح لذا نجدها لا تنفي وجوده بعد واحد من أهم المرجعيات التي تبنتها أو اعتمدت عليها في أدائها الايروتيكي كونها تستمده من ارضهم الخصبة التي ترعرعت فيها لمدة من الزمن وجدير بالإشارة إلى العلاقة المتعلقة بين تبني البروفانس بأفعال ايروتيكية وأفعال فلكوريّة هدفها سبك مقام جديد للتمايز والتفردن لذا تقرأ الفنانة في بيانها الفني الشهير: «على الفنان أن يتبنى وجهة نظر عن العالم مبنية على الإثارة- على الفنان أن يكون مثيراً- على الفنان أن يكون مثيراً» (يوسف ليمود ، روح العالم في جسد الفنان). والتأكيد على عنصر الإثارة (الايروتيكية) يؤسس له عبر تكوير ذاتها ومبادئها لإنتاج فضاء غير مستقر رجراج.
تحاول أن تقوم بالتمرينات التي تطرحها على المؤدين ، غير أنها تحاول تجاوز كافة النظريات التمثيلية السالفة فهي تجميع بين الممثل السائل الذي لا يحده تنميط معين وبين الخصب الفكرية المتعالق بين الجسد والعقل وفق ما تقتضيه اللحظة الآنية المؤداة أمام الجمهور. وتلجأ أيضاً في حركات التدريب الخاصة بمشروعها الايروتيكي فتح حواس المتلقي خارج البصر إذ تعمد إلى إغماض المؤدي بقطعة قماش سوداء على عينة وترمي به في غابات كبيرة لإعطاء الآخر بعدا تأمليا يحرك الذاكرة الانفعالية التي نادى بها ستانسلافسكي أو تضعه في مواجه المرآة ليكتشف أو يتعرف على ذاته وهي المسألة الأشد خطورة في التمرينات إذ تبيح للمؤدي أن يكون من ؟ هل وجب أن يكون ذاته أم الشخصية وفق ما ترغب به مارينا وعلى هذا تظل الأعمال التي تشرع بها مارينا خارج ما هو سائد لبيان حقيقة الأشياء لا تزيفيها فاللاوجود للتمثيل هل يكون بمضمار الفعل التأدوي.
تستعرض نفسها عارية وهي تواجه الذكورة ، في احد مشاهد الدخول إلى العرض حاولت أن تضع احدى مؤدياتها أمام مؤدٍ آخر في مكان ضيق جدا ما يقارب المتر الواحد وعلى المتلقي أن يكون حاضرا في هذا الفعل لا متفرجا عليها وهي لحظة مهاد قبل الدخول للعرض، أي يجب أن يدخل ذاتيا مع هذه اللحظة المؤسس لها، قاصدة إيضاح المهمل والانتباه إلى مسألة الايروتيك . وتخضع حركة المتلقي إلى الميكنة نوعا ما لأنه محكوم بإطار معين وتحاول ان تعمل من التكرار بابا جماليا يبيح لها عرضها وإنتاج فراسة مغايرة لكل الثيم المطروحة وهي تسهم في بيان الإطنابات الجديدة التي تدعم فرص الدخول في عوالم ما بعد الحداثة المتبنية لكل ما هو مهمش وساكن لتدفع به إلى المستوى العام وهي مرحلة فكاكة الواقع وليس تفكيكه وهذه اللعبة الإشهارية البراقة التي وظفتها في عرض جمالي مختزل بعيدا عن التابو لتمنح حق الاشتراك فيه لا فقط التفرج عليه وهي مسألة تعرضن المتراكم وتدخل في وعائه المتمأسس بخطاب الميتامسرح في أغلب طروحاته ، وعروضها تستمر لأكثر من ليلة بأزياء مختلفة.
ننتهي بفعل التثوير الذي تبرزه وتضعه في شطيرتها المسرحية التي ركبتها من خلالها البيانات ودشنتها في لعبة مستقلة خارج الأنماط المعمولة بشأن مسرح المثليين ، لان عروضها في بعض جزئياتها تكون تحت ديباجة هذا النوع من المسارح التي كونت مكانا مهما في ذاكرة متلقيها وبدأ الأخير مواظبته لحضور عروضها الثاقبة والمثيرة للاستفزاز ، كما ان الترسانة الأدائية التي تمتلكها /‏‏ تجترحها مارينا استدعت المتلقين متابعة أعمالها وملاحقتها ايّن ما تكون.
لا تقبل ابراموفيتش الركود عند تجربة معية بل تحول أن تدشن كافة المفاهيمي التشويفية /‏‏ الرؤيوية عبر جسدها لذا فتتمظهر تارة مع الجسد وتارة مع الآخر وفق حوارية الفعل الكيفي فلا تسعر من الجسد وإنما تشهره وفق برنامج أدائي فاعل يشمل الباث والمستقبل أو المرسل والمرسل إليه معبرة عن الخبرة التي تمتلكها باستخدام الحالات الواعية /‏‏ المدركة لطبيعة الثقافة والنماذج الاتصالية المكونة لخطاب المرحلة ضمن متغيرات التفظ /‏‏ الحركة /‏‏ الارتجال ومن ثم الشعور بالمكان والتلاؤم معه ببولفونية السياق والخروج عن السياق لأجل بيان التفردن المتعلق بالنزعات والمرحلة الإيقاعية المشتتة وعبر هذا الفضاء ترشح حالة التطهير المغايرة للفعل الأرسطي وفق تشكيلة جسدية تعبر عنها حسب الحالة الابستمولوجية وهي كأجوبة لما يدور في الفضاء الاشكالوي الآن وردا عليه بالتعدد المفاهيمي لكل لقطة من لقطات العرض.

• كاتب عراقي