الصدقات.. تقوية لأواصر المودة والتعاون أوجبها الدين الحنيف

تكافل اجتماعي –
محمد عبد الرحيم الزيني – أستاذ الفلسفة –
كلية العلوم الشرعية –
على أغنياء المسلمين توجيه جزء من صدقاتهم لإنشاء المباني العامة التي يحتاجها أفراد المجتمع مثل بناء المدارس والمستشفيات والجامعات ووقف الأموال عليها. فالصدقة تعمل على توسيع رقعة الوحدة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، وتجمع فئات المجتمع في نسيج واحد، بحيث يصبح المجتمع قوة فعّالة عاملة ، وتضفي عليه طابع الأمان والإيمان والاستقرار، وأن الكل في حالة عمل وبناء لأسس المجتمع الإيماني بعيدا عن الحقد والحسد، والتشاحن والتباغض . وتتحرك سفينة الأمة في بحر المحبة والاستقرار والأخوة الإنسانية.

جاءت رسالات السماء إنقاذا للبشرية من وهدتها التي سقطت فيها وإنقاذا من المشكلات التي تحيط بها، لأن مصادر المعرفة الإنسانية لم تستطع أن تهديها إلى طريق الحق والصدق والخير، إذ تتفاوت العقول في الحكم على القضية الواحدة، كما نرى في اختلاف نظرة الفلاسفة إلى مصدر الإلزام الخلقي، نعم استطاع الإنسان أن يبرهن على وجود قوة قادرة خالقة هي التي أوجدت هذا العالم من العدم. ولكن هل يستطيع نور العقل أن يرسم خريطة للطريق لهداية البشرية دون معونة من الوحي، ويقودها إلى بر التراحم والتواصل الاجتماعي؟.
هذا ما لم يقدر أن ينهض به العقل الإنساني أو يقوم به عبر الحضارات فتخلى عن غروره . ومن هنا جاءت رسالة السماء التي كانت في جوهرها رسالة محبة وأخوة وسلام ، وقد قام الرسل بحمل رسالتهم علي خير ما يكون ، ونقل هذه النصوص من عالم المثال إلى عالم الواقع ومن دنيا النظر إلى دنيا العمل، وأصبحت هذه القواعد الإيمانية التي تحمل بذور المحبة والتعاون والأمن والإيمان حقيقة في الواقع المعيش، وهي التي أقامت المجتمعات الدينية القوية وحققت لها الراحة والطمأنينة والسعادة في الدنيا والفوز بالآخرة. وكانت من هذه الأوامر الإلهية الحث على العطف على الفقراء والضعفاء وذوي الحاجة ورعاية شؤونهم والاهتمام بأمورهم وإعطاء الزكاة إليهم وكذلك الصدقات وهذا ما قررته اليهودية والمسيحية .
كذلك كانت الرسالة المحمدية ، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يخرج عن هذه القواعد الإيمانية، فقد عمل على إرساء مبادئ الحق والعدل والمحبة والسلام والإعلاء من القيم الخلقية التي تعمل على وحدة المجتمع وترابط الأمة وسعادة البشرية جمعاء . والناظر في أركان الإسلام والمتأمل في أوامره ونواهيه، ويقرأ نصوص القرآن قراءة معمقة ويسبر غور الآيات يدرك أنه رسم لنا قواعد جوهرية نطبقها في شؤون حياتنا، ووضع لنا معالم واضحة نهتدي بنورها ونحن نخوض غمار الحياة ، ورسم لنا صورة صادقة للمجتمع المثالي مجتمع يتحقق فيه تكافؤ الفرص ومبادئ العدالة الاجتماعية والتعاون والتكافل الطبقي، وتشجيع المجد المجتهد والعامل الماهر، وفي الوقت نفسه حث الضعيف المتخاذل أن  يطور حياته ويكد ويعمل لأن العمل شرف ومجد وحياة، وقيمة مهمة للغاية لبناء المجتمع وتقدمه .
ولو توقفنا أمام العبادات الإسلامية نتأمل في مقاصدها وأهدافها فسوف نلمس في كل عبادة قيمة اجتماعية وفكرية واقتصادية ووجدانية، تعمل على احترام كرامة المسلم، والإعلاء من كينونته، ووضعه في المكانة التي تليق به بصفته خليفة الله في أرضه والذي حمل الأمانة وتعهد بأن ينفذ تعاليمها .
وإذا تأملنا في الأمر الديني الذي يحث المسلم على إخراج الزكاة والصدقات لفقراء المسلمين، وهي جزء هين إلى حد بعيد  يخرجه المسلم من ماله ، نجد أن الزكاة لها رسالة اجتماعية في وحدة المجتمع وعلاقات وطيدة بأركان الإسلام ؛إذ قرن الله بينها وبين إقامة الصلاة في آيات عديدة، وبينها وبين توبة المؤمن وإنابته إلى الله، وبينها وبين الإيمان بالله وطاعته وباليوم الآخر، وبينها وبين فعل الخيرات. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة الصدقة والزكاة في العقيدة الإسلامية ودورها في حفظ توازن المجتمع وتثبيت قواعده وبناء نهضة الأمة الفتية، وأهميتها في النظام المالي الذي أقره الإسلام.
ولما كان المجتمع المسلم قائما على التعارف والتآلف والتشارك والتعاضد، نلحظ أن القرآن حث جماهير المسلمين على إعطاء الزكاة والصدقات إلى هذه الفئات الضعيفة والمغلوبة عل أمرها والطبقات المطحونة (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وقد فسر العلماء حقيقة الفقير الذي لا يجد شيئاً فهو مُعدم. والمسكين هو من يملك شيئاً ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير، ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو مَنْ لا يملك شيئاً مطلقاً، والفقير هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالاً من المسكين، ولا أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة؛ لأن الله أعطى الاثنين؛ الفقير والمسكين.  (والعاملين عَلَيْهَا) أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها ويضعونها في بيت المال . (والمؤلفة قُلُوبُهُمْ) وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافاً لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة؛ (وَفِي الرقاب) ومعناها العبيد الذين أُسروا في حرب مشروعة. وكانت تصفية الرق من كان أهداف الإسلام؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد.  والغارم: هو من استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بِدَيْنه. ولم يمهله صاحب الدَّيْن . (وَفِي سَبِيلِ الله) أيضاً كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات. (وابن السبيل) هو الإنسان الغريب عن بلده لا بد أن تعينه حتى يصل إلى بلده . (تفسير الشعراوي) .
نلحظ هنا إن الإسلام أشار إلى كافة الطبقات التي لا تستطيع أن تقوم بأمرها وفي حاجة إلى عطاء أفراد المجتمع القادرين وهذا لا شك يؤدي إلى تأليف القلوب وراحة النفوس وتهدئة الخواطر والدفء العاطفي ، ثم إنه عهد إلى المؤسسات الدينية أن تقوم بتوزيع الصدقات على الفقراء حتى لا يشعر الفقير أنه مدين لشخص ما داخل المجتمع . هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، على أغنياء المسلمين توجيه جزء من صدقاتهم لإنشاء المباني العامة التي يحتاجها أفراد المجتمع مثل بناء المدارس والمستشفيات والجامعات ووقف الأموال عليها. ومن المعلوم أن جامعة السوربون بفرنسا نهض ببنائها أحد الأثرياء وكذلك جامعة هارفرد بأمريكا ، وهذا له نظائر كثيرة في الوطن العربي؛ منها جامعة القاهرة التي تعاون في بنائها طبقة الملاك والرأسماليين، وإن كان معظم الأغنياء عندنا في الوطن العربي يتجهون لبناء المساجد. وشغوفون بذلك.
أما إذا نظرنا إلى مقاصد الصدقة وعوائدها على كافة أفراد المجتمع من الأغنياء والفقراء، فسوف نلخصها في عناصر مركزة كالآتي :
أولا : هي عبادة في ذاتها وامتثالا للأمر الإلهي (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ثانيا : تسكن مشاعر الفقير تجاه الأغنياء وتملأ نفسه أمانا وطمأنينة أن المجتمع يتكفل به ويقوم بشأنه ولا يتركه لمذلة السؤال، وقسوة الحاجة، وآلام الفقر والمسغبة، والأحلام المزعجة، فالفقير في هذه الحالة حينما ينهض به الأغنياء، وينفقون عليه من مصارف الزكاة، ترتفع معنوياته، ويعلم أنه يعيش في أحضان المجتمع الدافئة وتتحرر مشاعره من الحقد والحسد والكراهية تجاه المجتمع بعامة والأثرياء بخاصة، ليس هذا فحسب بل تعالج نفسيته المريضة وتمنعه من التمرد على المجتمع والخروج على مؤسساته . يقول سيد قطب في كتابه الشهير (العدالة الاجتماعية) : الزكاة حق الجماعة في عنق الفرد ، لتكفل الطوائف منها كفايتهم أحيانا، وشيئا من المتاع بعد الكفاف أحيانا وبذلك يحقق الإسلام جانبا من مبدئه العام (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ) ذلك أن الإسلام يكره للناس الفقر والحاجة ويحتم أن ينال كل فرد كفايته من جهده الخاص وموارده الخاصة حين يستطيع ، ومن مال الجماعة حين يعجز لسبب من الأسباب».  ثالثا : تحارب الأثرة في نفوس الأغنياء، وخلاص للنفس من الطمع والأنانية، والركون إلى حب الذات وتضخمها على حساب أفراد المجتمع . وتغرس في وجدانهم حب الآخرين والتعاطف مع الفقراء واستشعار المأساة الاجتماعية التي تحيط بهم ، فلاشك أن الزكاة وسيلة من وسائل التربية الوجدانية للأثرياء ، وتنمية الجانب العاطفي وترقية الجانب الفطري النقي داخل النفس الإنسانية . ثم إنها تنمي المال وتزيده بالعطاء الإلهي الذي لا ينقطع .
رابعا : تعد الزكاة هي حزام الأمان داخل المجتمع فهي تعمل على توسيع رقعة الوحدة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، وتجمع فئات المجتمع في نسيج واحد، بحيث يصبح المجتمع قوة فعّالة عاملة، بعيدا عن الحقد والحسد، والتشاحن والتباغض . وتتحرك سفينة الأمة في بحر المحبة والاستقرار  والأخوة الإنسانية .
خامسا : من المعلوم حب الإنسان للمال (وتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) ورغبته الشديدة في التملك، وبعض علماء النفس يؤكد على فطرية التملك في النفس البشرية ، ومن هنا حينما يأتي الأمر بالزكاة وإخراج الصدقات، لتطهير النفس الإنسانية من رغباتها وشهواتها، وقد مدح الله الذين يبادرون بتفضيل الآخرين على أنفسهم في قوله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وهذا رقي بالنفس وسمو الروح ومحاربة جانب الأثرة والأنانية المختفية في طيات النفس الإنسانية، وفي سِير الصحابة الكثير من هذه الأمثلة التي تعبر عن رقي الإنسان وتحرره من نزغات النفس وشهوات الجسد والسمو بنفسه عن تيار الحياة المادية.
سادسا : تعد الزكاة تطهيرا للمال ذاته مما لحق به من قصور أو انحراف من قبل الأغنياء في أثناء جمعه وكسبه مما يتعارض مع أوامر الدين، فقصدت الإرادة الإلهية تطهير هذا المال وتحريره من هذه الشوائب.
خلاصة القول إن التطهير والتزكية ترجع إلى صاحب المال الذي أنفق وحارب نفسه الأمارة بالسوء ، والمعطى له الذي أدرك عطف المجتمع له وأنه ساهر على حمايته، ثم تطهير المال ذاته مما لحق به من خلال كسبه وتنميته من خلال الفيض الإلهي . ومن المؤكد أن الصدقات تقوم بدور إيجابي داخل المجتمع المسلم، وتظهره أنه مجتمع المودة والمحبة، وتضفي عليه طابع الأمان والإيمان والاستقرار، وأن الكل في حالة عمل وبناء لأسس المجتمع الإيماني.