مؤشرات على مسارات الأزمة السورية ..

جمال إمام –

لا أحد على وجه الدقة يعرف اتجاهات البوصلة في الأزمة السورية بعد معركة حلب، فالمشهد الإقليمي والدولي مازال ملبدا بالسحب في الوقت الذي لم ينقشع فيه بعد غبار التداعيات السياسية والأمنية والحسابات الإقليمية والدولية ..
ولا الأرباح والخسائر لدى أطراف الصراع واللاعبين البارزين ومختلف القوى والتكتلات بحسب ظهورها وأدوارها على مسرح الأحداث ..
لكن من المؤكد أن المؤشرات التي بدأت تتضح معالمها من حيث أبعادها ونتائجها ترسم صورة أقرب إلى الواقع لما يمكن أن يكون عليه المشهدان الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط في علاقته بالملف السوري ..
في مقدمة هذه المؤشرات ..
• إن معركة حلب في ديسمبر 2016 تختلف كثيرا عن معركتها في يوليو 2012 التي أقامت مراكز سياسية وعسكرية على الأرض لم ترق للتأثير في القرار الدولي بشأن تسوية الملف السوري على نحو ينهي الحرب الأهلية ويحفظ وحدة سوريا نتيجة توجيه الغرب لمجهوده الرئيسي ضد تنظيم داعش وهو الهدف الرئيسي الذي مازال على أجندة أولوياته .. وذلك على عكس نتائج المعركة الأخيرة التي ترتب لنتائج بعيدة المدى على مختلف الأصعدة داخليا وإقليميا ودوليا بما يصب في مصلحة روسيا التي باتت اللاعب الرئيسي ليس فقط في الملف السوري ولكن في عموم المشهد في الشرق الأوسط ..
• وبالتالي فالنتيجة المترتبة على ذلك تكمن في أن روسيا نجحت في التأثير على قواعد النظام الدولي الذي ظل لوقت طويل حكرا على الولايات المتحدة كلاعب أوحد في ظل هيمنة كبيرة لها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ..
اليوم تعود روسيا إلى واجهة المشهد الدولي بقوة حيث تمسك بجزء كبير من أوراق إدارة المشهدين الإقليمي والدولي، وهي في ذلك تكمل ما بدأته من تزايد نفوذها في أعقاب تدخلها العسكري في أوكرانيا، ومن ثم فإن قواعد النظام الدولي بات الآن في طور بناء مرجعيات جديدة ومختلفة عن سابقتها منذ مطلع الألفية، فروسيا التي أعادت ترميم اقتصادها ثم أدارات ملفاتها السياسية والعسكرية من منطلق الندية مع الولايات المتحدة الأمريكية ترفض الآن دور الظل في النظام الدولي، ولا تكتفي بالمشاركة وإنما تصيغ القرار الدولي بناء على مصالحها الإقليمية والدولية ..
وقد شكل تدخلها السياسي في الشرق الأوسط عبر الملف النووي الإيراني ودعمها للتسوية الغربية مع إيران ثم تدخلها العسكري عبر الملف السوري هذه المرجعية الجديدة في النظام الدولي الذي يتشكل الآن بالفعل من جراء تنامي الحضور الروسي في المنطقة ..
من بين أهم هذه المؤشرات أيضا ..
• أن التمدد الروسي الذي بدأ خارج حدودها لأول مرة مع الحرب في أوكرانيا استغل ما يعتبره المراقبون استرخاء سياسيا للولايات المتحدة خاصة في العام الذي سبق الانتخابات الأمريكية التي شغلت كثيرا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وانتهت بوصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض عبر الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي يمكن أن تغير سياساته القادمة في شكل إدارة الولايات المتحدة لكثير من الملفات المؤجلة من دون أن يؤثر ذلك كثيرا في النتائج التي حققتها روسيا التي لن تكون بأي حال من الأحوال على استعداد للحد من مكاسبها السياسية والعسكرية ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في أوروبا أيضا، حيث تنتظر ملفات مثل الدرع الصاروخية وسباق التسلح والتحالفات الإقليمية حيزا كبيرا ومختلفا في العلاقات الروسية الأمريكية التي شهدت قبل رحيل الرئيس أوباما عن منصبه ظلالا من الخلاف المكتوم نتيجة ما تردد حول خطورة الهجمات الإلكترونية الروسية التي استهدفت حملة هيلاري كلينتون الانتخابية والتعهد بالرد عليها في الوقت الذي يختاره الرئيس الأمريكي حسبما أعلن.
• ومع ذلك ربما تكون الخطط الأمريكية الروسية عبر ما وصف في مرحلة ما بمباحثات كيري/‏‏ لافروف حول التسوية السياسية في سوريا بمثابة جسر يمكن أن تمضي عليه التسوية النهائية في هذا الملف الشائك في المنطقة خاصة أن الولايات المتحدة تستبعد الحل العسكري كخيار نهائي للتسوية، حيث تنتظر موسكو كيف يمكن أن تدير الإدارة الأمريكية الجديدة في عهد الرئيس ترامب العلاقات الأمريكية الروسية ..
ومن بينها ملف الشرق الأوسط وفي القلب منه الملف السوري والفلسطيني وملفات أخرى عالقة بين البلدين منها العلاقات مع دول البلطيق والصراع على آسيا الوسطى والدرع الصاروخية خاصة أن السياسة المعلنة من الرئيس الأمريكي المنتخب هي بالتعاون لا التصادم ومحاولة الوصول إلى رؤية مشتركة في حل أزمات المنطقة بما يحفظ المصالح الدولية والإقليمية لكل القوى التي تشارك في كتابة السيناريو القادم للمنطقة ..