شيء من الأمل في عام رمادي

مصباح قطب –

كل التوقعات ومعها نتائج البحوث والتقارير والتحاليل الاقتصادية تشير إلى صعوبات اقتصادية مرتقبة على المستوى الكوكبي في 2017 ، فالعيون تنظر والعقول تراقب وتحلل والنفوس تموج باضطرابات والرؤية تزداد ضبابية بسبب الإشارات المتعاكسة وحجم الغموض فيما يتعلق باتجاهات السياسة النقدية والاستثمارية والتجارية للولايات المتحدة في ظل الإدارة الجديدة من ناحية وفي ظل واقع اقتصاد مأزوم في الدول الغربية كلها تقريبا من ناحية وفي الأسواق الناشئة ومعظم وبقية دول العالم من ناحية أخرى ولعل أعقد ما في الأمر هو العجز عن تفسير ما الذي تريده الولايات المتحدة من خلال تقوية عملتها الى هذا الحد وبما جعل الدولار يصل الى مستوى لم يبلغه منذ 14 عاما .
قديما او فلنقل في أوقات سابقة ظلت الولايات المتحدة وعلى مدار العشرين عام الماضية تضغط على الصين من أجل ان ترفع قيمة عملتها حتى تحد من الصادرات الصينية وتزيد من تنافسية المنتجات الامريكية في السوق الصيني الآن نشهد امرا مختلفا ومبهما كما قلت، الا وهو ان امريكا بنفسها تجعل اليوان الصيني – وغيره من العملات الدولية – اضعف في مواجهة خصمها العنيد أي وكأنها تريد ان تمنح متطوعة المارد الصيني ميزة لصادراته التي كانت تحاربه عليها من قبل فما الذي تريد ان تصل إليه الولايات المتحدة من ذلك يا ترى ؟
في ظني ان الهدف الأول لتقوية الدولار هو سحب كميات ضخمة من السيولة من الصين – ومن غيرها – الى السوق الامريكي حتى تظل الولايات المتحدة مهيمنة على حركة السيولة الدولية وبما يمكنها من خفض أعباء مديونيتها الخارجية وتحقيق اهداف سياسية من جراء سحب السيولة من هنا او توجيهها الى هناك .
النقطة الثانية الملبدة بالغيوم في السياسة الامريكية الجديدة والتي عجز المراقبون ايضا عن كشف ابعادها هي الخوف من ان تطيح ادارة ترامب بالكثير من اتفاقيات التجارة الحرة المبرمة بينها وبين دول او مناطق وبما يحد من تدفق السلع عبر الحدود ويزيد من خطورة هذا التوجة انه متبوع بنزعة حمائية لا تقيم وزنا لقوانين وقرارات وقواعد التجارة الدولية ومن اجل ذلك قلت و أقول ان اكثر من سيضار من فوز ترامب بالرئاسة هي الصين قبل أي طرف آخر ومن مدخل تجاري اساسا بغض النظر عن المناوشات الاخرى في بحر الصين الجنوبي. هاتان النقطتان أي سعر الصرف المبالغ فيه للدولار الامريكي والحمائية التجارية هما اكثر عاملين سيؤثران على النمو والتوازنات الاقتصادية في العالم في 2017 بيد ان هناك عوامل اقليمية ودولية اخرى تؤثر بشدة على النمو العالمي وفي مقدمتها طبعا الارهاب والتدهور الحادث في أوضاع بلاد مثل سوريا واليمن وليبيا والعراق وتركيا ونيجيريا وتشاد ومالي وتونس بسبب العمليات الارهابية او تفكك الدولة او الخراب والدمار في البنية التحتية وفي المؤسسات المالية والتجارية والصناعية والزراعية وعلى ذلك فلا أحد قادر على ان يمنح العام المقبل ثقة مسبقة فيما ستكون عليه الأحوال الاقتصادية فيه وأين يكمن الأمل اذا وسط تلك الأجواء الرمادية المعتمة ؟
في تقديري ان اول ما يدعو الى قدر من التفاؤل هو ان العالم على وشك ان ينهي قصة الحروب بالوكالة اي تلك التي تستخدم فيها جماعات ارهابية مأجورة لتحقيق اغراض سياسية واقتصادية لدولة او دول لا تريد ان تزج بنفسها بشكل مباشر في هذا النوع من الصراعات ويقينا فليست مصر وحدها هي التي ستستفيد من هذا التوجه ولكن دولا كثيرة قد لا تكون قد عانت من الارهاب لكن نتائجه طالتها .
ان نهاية استخدام الجماعات المرتزقة الارهابية لا تعني ان الدول الكبيرة التي وظفتهم ستصبح دولا سلاحها الخلق الرفيع (ستحارب بأخلاق الفارس النبيل ) في مواجهة الآخرين او من اجل الدفاع عن مصالحها ولكنها ستستخدم آليات أخرى كحروب العملات، كما اشرت وكحروب المعلومات التي يشتعل أوارها اشتعالا في تقديري في 2017 وقد رأينا كيف ان اوباما وقبل ان يمضي هدد روسيا علنا بحرب معلنة من هذا النوع ومن المؤكد ان الاقتصاد العالمي سيستفيد من عمليات اعادة الاعمار في الدول التي خربها الارهاب اذ ستحتاج تلك الدول الى مئات مليارات الدولارات فضلا عن احتياجاتها الطبيعية للتطوير وكل ذلك سيكون مدخلا لقدر من التعافي في النمو العالمي .
النقطة الاخرى التي تدعو الى قدر من التفاؤل لـ 2017 هي استعادة قدر من التوازنات في السياسة الدولية ما بين اللاعبين الكبار، وكما نقول في لغتنا العامية «اختلافهم رحمة » ومن الواضح انه لم يعد ممكنا تجاهل تأثير دول مثل روسيا والصين والمانيا والبرازيل والهند وجنوب افريقيا في السياسة الدولية ولذلك فان الأحادية التي نشأت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في طريقها الى الزوال .
وقد يقول قائل ان الاستعمار بطريقته القديمة يلح في العودة الى منطقتنا واقامة قواعدها هنا او هناك وردي على ذلك ان من المستحيل العودة الى الوراء وان السبيل الوحيد للتعاون بين الدول بعضها ببعض سيكون تبادل المنافع على قاعدة التوازن في الاستفادة او على الاقل توزيع المزايا على كل طرف بطريقة شبة مقبولة ومن الجلي لمن يفهم التيار التحتي في المجتمعات العربية وغير العربية ان الشباب هو الذي سيقرر شكل السياسة واشكال التعاون الاقليمي او الدولي في المرحلة المقبلة ولا نتصور ان شابا في دولة متقدمة سيقبل ان تقوم دولته بالعودة الى اساليب الاستعمار القديمة ولا نتصور ايضا ان يتقبل شباب منطقتنا او في مناطق اخرى ان تمارس دول اجنبية نفوذا عسكريا على سياسات بلاده .
وقد يكون مما يدفع الى قدر من التفاؤل ايضا هو الحيز الذي يملأه يوما بعد اخر اليوان الصيني في مجموع المبادلات الدولية فمن شأن ذلك ان يخفف من جموح السياسة النقدية الامريكية او الاغراض المخفية لمن يقودون اسعار العملات والصرف في امريكا وقد شهدنا ارتفاعا ملحوظا في اتفاقيات مبادلة العملة بين دول عربية وغير عربية مع الصين في الشهرين الاخيرين وبما ينبئ بانطلاق موجة واسعة على المسار في 2017 .
يدعوني الامل ايضا الى ان الوعي بلغة المصالح وآليات الاصلاح المالية والاستثمارية والصناعية والتجارية والزراعية والخدماتية في بلادنا قد زاد بشكل ملحوظ ولعل من يتابعون تطور حركة التجارة الالكترونية على سبيل المثال في الدول العربية يدركون مدى صحة ما تقدم .
لقد قال لي احد المفكرين الامريكيين انه يخشى من ان تجتاح العالم موجة ريجانية اخرى في مجال الخصخصة تحتوي ضمن ما تحتوي عليه خصخصة واسعة للمنشآت التعليمية والمرافق وبما يزيد من الاعباء على المواطنين لكنني اظن ان الوعي المتزايد ايضا بالحق في التعليم الجيد سيكون حائط سد امام مثل هذا التوجه ويلاحظ المرء بشكل يومي تقريبا كيف تتصدى جماهير الطبقة المتوسطة ودون المتوسطة للفساد في التعليم وارتفاع تكاليفه مدفوعة بوعي فطري بأنه «لا مستقبل للأبناء وللأسر وللمجتمعات» دون تعليم جيد .
اعرف ان التعاطي مع التوقعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أمر صعب وان «الفتاوى » بشأن ما يقبل علينا به 2017 لا حد لها وسنرى في الأيام المقبلة او لعلنا بدأنا نرى بالفعل انهمار سيل من الكتابات الصحفية والإعلامية والبحثية عن العام الجديد وما سيأتي به لكن يبقى لكل الحق في الاجتهاد ولله وحده العلم الكامل بما سيجيء .