عطر : ننعي لكم البساطة

رندة صادق –

نعم ماتت البساطة وماتت معها القناعة، اختفت مظاهر البراءة وحلت مكانها المغالاة في إظهار الترف في اعراسنا وفي افراحنا في ملبسنا ومأكلنا في كلماتنا وحركاتنا حتى في مشاعرنا، ماتت الأشياء المشعة في ذاكرتنا، مات القنديل وعطر الياسمين وثرثرة الجدات في ليالي كانون، ماتت همسات الملائكة في أغاني فيروز وصوت أم كلثوم غادر ليل العاشقين، مات وجه الباعة في السوق يبيعون حلوتهم البسيطة للأطفال وينادون “معلل يا مدلل” وهي كانت عن عبارة عن حبة تفاحة مغموسة بسكر معقود ومصبوغ باللون الأحمر، وحلت مكانها كعكة الدونانت الأمريكية، حلت مكانها الأيس كريم على نكهات الفانيليا والشوكولا، وبدل فنجان اليانسون بات هناك الكاكو الساخن بالكريما والكابتشينو، وغابت القهوة والشاي تغيرت عاداتنا الغذائية ولم يعد صحن المجدرة يزين موائدنا البسيطة بل الهمبورغر والبيتزا والهوت دوغ، ماتت بساطة منازلنا فلم نعد نفترش الأرض ولا نفتح النوافذ لنحصي نجوم السماء ولا نتبع حركة الغيوم لنعرف كيف سيكون الطقس، بل راحت تطل علينا فتاة مغناج عبر شاشات الفضائيات لتخبرنا بطقسنا القادم في نهاية الأسبوع.
تغير كل شيء من حولنا وباتت الأمور معقدة ومكلفة تثقل كاهلنا وكاهل سنواتنا القادمة، حتى الحب كان أبسط، كان يكفي أن يحضر الحبيب لحبيبته وردة لتشعر بأنها ملكت الأرض وما عليها، لكن سجل العام الماضي في مدينتي في يوم عيد العشاق أن أحد العشاق قام بإحضار رافعة لترفع باقة الورد الى شرفة حبيبته وقد كلفته خمسة عشر ألف دولار، هذا يجعلني أتساءل ترى من أحضر وردة من حقل مر بقربه أقل حبا ممن ابتاع محل الورد؟
لماذا بات العالم يقود منافاساته في الترف وفي الغضب في الكذب وفي الحب والأحلام والمغامرات، كيف تلوثت بيئتنا بغرائب التجديد والحداثة، من مات: البساطة أم نحن دخلنا مثلث برمودا للضياع الإنساني، ما هو السبب أننا تركنا أنفسنا نسبح في فضاء المظاهر دون أن نتمسك بتقاليدنا البسيطة ففقدنا الألفة وفقدنا العشرة والتواصل الإنساني الصادق، لعل البعض يظن أن البساطة لا تعني الفوضى وعدم الترتيب، ولكن هي في الحقيقة السلوك الأقرب لفطرة الإنسان وعقله ووجدانه، والممارسة التي يحس معها بالمتعة دائما بعيدا عن أي تكلف أو تمثيل أدوار، من هنا علينا أن نعيد تموضعنا في هذا العالم بطريقة أكثر انسجاما وتكيفا مع نبض قلوبنا . كلنا نحب أن نستمتع بالحياة، الإنسان يحب الفرح يحب أن يحصد السعادة، لكننا في عصرنا هذا صارت الحياة أكثر تعقيدا من قبل، وتحولنا الى كائنات مادية لا تفكر، إلا في جني المال، خصوصا مع تطور التكنولوجيا وظهور الأنترنت، مما حول حياتنا الى مجموعة من العقد التي اخترعناها. ربما آن الأوان أن نجعل حياتنا أقل تعقيدا، وأكثر بساطة. ربما آن الأوان أن نعيد مجرى النهر الى مساره وأن نخفف من دخولنا عالم العولمة بلا إدراك ما الذي نخسره من أعمارنا وما الذي نتركه وراءنا . الإنسان المعاصر بات أقل استمتاعا بالحياة لأنه ابتعد عن موسيقى الحياة الطبيعية، ليسكن عالم الهواتف الذكية، عالم الإعلان الذي حوله إلى مستهلك لا يدرك ما يقتنيه، باتت حياتنا أكثر ازدحاما وتعقيدا لأننا نرغب ان نقوم بأمور كثيرة وغالبا ما نضيع الوقت في أمور لا تفيدنا، لذا لم نعد نزور عائلتنا ونصل الأرحام، لم نعد نقرأ لنتعلم أشياء جديدة، ورحنا ننسخ ونقطع ونلصق كلمات لا ندرك معناها الحقيقي، كل هذا يجعلنا ننعي البساطة ونترحم على أيام الفطرة البراءة.
randanw@hotmail.com